خلط الخيال والواقع في قصة حب غير مستحيلة

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: يُعد الأمريكي أندرسون لدى الكثيرين أحد أفضل المخرجين الأمريكيين الحاليين، وله رصيد كمي ونوعي من الأفلام تكفي ليكون كذلك، خاصة أنه من جيل لاحق (47 عاما) لكبار المخرجين الحاليين هناك، كدايفيد لينش ووودي ألن وفرانســــيس فورد كوبولا وآخرين. فأفلام سابقـــة له كـ«إنهرينت فايس» و«ذا ماستر» و«بنتش درنك لوف» و«ماغنوليا» وغيرها (يمكن لجميع أفلامه أن تُذكر هنا) تكفي ليكون أحد الأفضل، أمريكيا على الأقل، والأكثر ترقبا وأتى فيلمه الأخير ليثبت مكانته هذه ويزيد إلى رصيده فيلما ممتازا آخر.
للفيلم قدرة على جعل الخيال واقعا، قد لا يخطر لأحدنا وهو يشاهد الفيلم أن مصمم الأزياء وودكوك شخصية مختلَقة تماما، فللسيناريو الذي كتبه أندرسون نفسه، وللحكاية وشخصياتها، هيئة الواقعي، إنما بأحداث أقرب لتكون خيالية، فاستفاد الفيلم من العالمين: الخيالي والواقعي، من الأول أخذ ذهاب الشخصيات إلى التطرف في سلوكها، ومن الثاني أخذ عناصر جعلت وقع الفيلم بشخصياته وسلوكها على المُشاهد ـ كحكاية بأحداث واقعية ـ أشد.
اللعب على عناصر الواقع والخيال هنا كان نقطة القوة في فيلم أندرسون الأخير، فبحثٌ سريع على الإنترنت للتأكد إن كانت الشخصية الرئيسية فعلا خيالية، نجد أن آخرين تاهوا في هذه المساحة التي أُوجدت في الفيلم، سائلين إن وُجد السيد وودكوك حقا، أو أنه من اختلاق أندرسون.
لن يؤثر ذلك على الأرضية التي بنى الفيلم عليها حكايته، وهي الخيال، خيال بدعامات من الواقع، أولى هــــذه الدعامات هو شخصية رئيسية تكـون مصمم أزياء مشهور في مكان وزمان محددين: لندن والخمسينيات، والنتيجة تساؤل المُشاهد بين وقت وآخرعن إمكانية أن يكون الفيلم وشخصيته الرئيسية خيالا تاما أم سيرة ذاتية لمصمم أزياء مجهول اكتشفه ـ ولم يختلقه ـ أندرسون لنا.
هي حكاية مصمم الأزياء الإنكليزي (أو مصمم أزياء إنكليزي، كي نبقى في الخيال) رينولدر وودكوك (دانييل داي لويس)، المهووس بالتفاصيل، المرفه والهادئ، الحريص جدا على أوقات الصباح والإفطار، كونها تؤسس لمزاجه وعمله باقي اليوم. يذهب إلى مطعم في الريف، يُعجب بالنادلة (فيكي كريبس)، يسألها إن وافقت على العشاء معه، يدخلان في علاقـــــة، تعود معه إلى لندن، تعمل معه في قصره/مخيَطته حيث يصمم ويعيش ويصنع الفساتين الراقية مع فريق من النساء، تعمل حبيبته معه كعارضة، وتبدأ الفوارق بين شخصيتيهما بالظهور كلما دخلت علاقتهما مناطق أعمق في يومياتهما وجدالاتهما.
التناقض بين الاثنين يبدأ بالظهور على السطح مع تقدم الفيلم، تناقضات يومية قد لا تكون ذات شأن لدى آخرين، كأن تُخرج هي أصواتا أثناء تقطيعها الخبز أو تحريك الشاي أو غيره، وانزعاجه المُبالغ فيه من ذلك، مع الوقت يفضلان الانفصال، تقرر أن تسممه بالفطر، إنما بنسب قليلة فلا يموت، هنا يقترب الفيلم من ذروته وتبدأ الشخصيات بالتغير، تفعل هي ويمرض فتعتني به فيتعلق بها فيقول لها، حالما يشفى، ولأول مرة، أنه يحبها. مع الوقت يستعيد حالته الأولى وتعود له شخصيته المهووسة بالعمل وتفاصيله وغير المعنية بها كامرأة وعشيقة، فتقرر مجددا تسميمه لتعتني به وتكسبه كعشيق من جديد.
لهذه القصة: تسميم العشيقة لعشيقها كي لا تخسره، بل تسميمه بنسب قليلة تجعله قريبا منها كما تريد، لا بعيدا بكامل عافيته ولا بعيدا ميتا، في ذلك أبعاد خيالية، بل متطرفة في خياليتها، أقرب للحكايات الفانتازية، تأسست على عناصر واقعية، ما جعل الفيلم بهذه الخلطة، استثنائيا من بين ما تعود عليه المُشاهد من أفلام الحب أو أفلام الفانتازيا، أو كذلك أفلام السيَر الذاتية، فليس هذا الفيلم أيا منها، بل هو خلطة تجمعها ثلاثتها.
هذا السحر كله أتى من كتابة الفيلم، وهي لأندرسون، لكنه، أندرسون ذاته، كان المخرج وكان كذلك مدير التصوير، فحركات الكاميرا نزولا وصعودا، اللقطات المقربة على القماش، وعلى الأوجه، لحاق الكاميرا بالشخصيات، كلها كانت جماليات تُضاف إلى الحكاية وسحرها، كانت الصور في الفيلم برهافة وودكوك نفسه وبتعلقه ذاته بالتفاصيل، ويمكن أن نضيف إلى كل ذلك الحوارات الذكية التي يحفزها التفاوت الاجتماعي والمزاجي بين الرجل والمرأة.
أتى الفيلم ليكون إنجازا آخر لأندرسون، استحقه دانييل داي لويس الذي أدى الدور الرئيسي فيه، وكان هذا دوره الأخير قبل اعتزاله التمثيل، وهي التجربة الثانية له مع أندرسون بعد «ذير ويل بي بلود».
للفيلم، Phantom Thread، عدة ترشيحات للأوسكار هذا العام، وقد خرج مؤخرا إلى الصالات الفرنسية.

خلط الخيال والواقع في قصة حب غير مستحيلة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية