لندن ـ «القدس العربي» ـ من نسرين سيد أحمد: في فيلمه الأخير «الخيط الخفي» Phantom Thread (2017)، والمرشح للعديد من جوائز الأوسكار، ينسج المخرج الأمريكي بول توماس أندرسون عالما من الحرير والمخمل والأقمشة الأنيقة والتطريز اليدوي والأنسجة الموشاة والأثواب التي تزدان بها الجميلات. يعود بنا الفيلم إلى عالم صفوة المجتمع في خمسينيات القرن العشرين في لندن، حيث يصمم رينولدز وودكوك (دانيال داي ـ لويس)، الشخصية المحورية في الفيلم، أثواب الأميرات والجميلات وصاحبات الحظوة والثراء والمكانة. عالم وودكوك عالم صارم منضبط، يحيك فيه الأثواب بتبتل راهب. بالنسبة له تصميم الأثواب وحياكتها ليسا مجرد مهنة أو صنعة، بل هما عشق ورهبانية وعالم يسير بانضباط حياة الجندية وحسمها. لكن هذه الأثواب التي بهرنا بإتقان صنعتها وجمالها في واقع الحال مصنوعة من الكثير من الخيوط الخفية التي تجمع أوصالها والتي تحول دون اهترائها وتفككها. خيوط تجمع أجزاء الثوب في لُحمة واحدة، وخيوط أخرى لا يراها إلا مصمم الثوب تتمثل في التناغم بين ألوانه والتناسق بين أنسجته ومدى انسجامه مع قوام من ترتديه وملاءمته للون بشرتها. «الخيط الخفي» هو احتفاء بقصتي حب. الأولى هي عشق ذلك العالم البديع، عالم تصميم الأثواب الراقية وحياكتها يدويا. وودكوك مصمم أثواب يفخر بمهنته ويكرس لها حياته، يصنعها بعشق ترافقه تلك الحسرة على عالم بدأ يشعر بأنه يزول ويندثر لتحل محله الملابس الجاهزة. أما قصة الحب الأخرى، فهي التي جاءت على حين غرة لتباغت وودكوك.
ألما / وودكوك
في تبتله الفني، قصة حبه مع ملهمته الجميلة ألما (فيكي كريبس). رآها ذات عطلة في الريف، ففتن بها وبقوامها الرشيق، الذي يغويه بخلق المزيد من الأثواب التي تبرز جمالها، في الوقت نفسه الذي تظهر فيه أيضا جمال الثوب. كانت بالنسبة له في بداية الأمر العارضة ذات القوام المثالي، ذلك القوام الذي يليق بارتداء أثوابه، والذي تزدان به الأثواب. يختلفان في الكثير وتختلف احتياجاتهما، ولكنهما باختلافهما يكملان بعضهما بعضا. كأجزاء الثوب التي يجمع بينها ذلك الخيط الخفي الذي بدونه يتفكك الثوب، تحتاج علاقات الحب بين البشر أيضا إلى خيط خفي يحفظ عليها تناغمها وتوازنها واستمراريتها. علاقة وودكوك وألما، كغيرها من قصص الحب، علاقة يجب فيها الحفاظ على هذا الخيط حتى لا ينفرط العقد وتتفكك العلاقة .. موازنة بين الضعف والقوة، بين اللين والحسم، بين الاحتياج والرغبة في الحفاظ على الاستقلال. لكل قصة حب موازناتها، وقد وجدت ألما وودكوك طريقتها، التي تبدو للبعض غريبة مخيفة مجنونة، في الحفاظ على علاقتهما وحبهما. للوهلة الأولى تبدو ألما الطرف الأقل تطلبا والأقل صرامة، الملهمة الجميلة التي تمنح وقتها وإخلاصها لحبيب صعب، اعتاد روتينه الصارم وحياته التي يكرسها كلية لإبداعه وعمله وفنه. ولكننا نكتشف أن ألما لا تقل عزيمة أو تطلبا عن وودكوك. شخصيتان قويتان متطلبتان لكل منهما احتياجاتهما المختلفة يحاولان الوصول إلى ذلك الخيط الخفي الرفيع الذي يوجد الاتزان في علاقتهما.
يبدأ الفيلم بصوت ألما وهي تقول لمستمعٍ لا نعرف هويته «منحته كل جزء من أجزائي»، وهذا بالفعل ما تفعله فهي تكرس نفسها تماما وكلية لرينولدز، ولكنها في المقابل تحتاج إلى أن تشعر باحتياجه إليها، احتياج لا يوفره لها، فتفكر هي في سبيل لإيجاد هذا التوازن بين المنح والاحتياج، وتسلك طريقا يذكرنا بهتشكوك، خاصة فيلمه «ربيكا»، الذي أعرب أندرسون عن تأثر فيلمه به .تشهد علاقة ألما وودكوك فترات حميمية ووصل وتقارب واحتياج تليها فترات فتور وتباعد وخلاف، ويسعى الطرفان في فترات الركود والتجافي إلى العودة لجذوة الحب واتقاد المشاعر، طريقهما للوصول لذلك التناغم وعر وغير تقليدي، وقد يراه البعض مسلكا مخيفا أو مريضا أو مختلا، ولكنها يرتضيانه ويسلكانه معا طواعية. ألما وودكوك، كما نراهما في الفيلم، ليسا بالشخصيين المثاليين اللذين يمكن أن نراهما في الدعاية التلفزيونية عن الأسرة السعيدة مثلا، ولكن أندرسون عبر سيناريو الفيلم المحكم يخلق لدينا التفهم والتعاطف معهما. نتفهم رغبة رينولدز الملحة في الكمال فنا وإبداعا، ونفهم مزاجه المتعكر وحدته وروتينه الذي لا يحيد عنه في ضوء شخصيته ومعرفتنا به. ونتفهم رغبة ألما الملحة في أن تشعر بأن من تحب في حاجة إليها. لكلٍ أسلوبه في التعبير عن الحب، بين الرضوخ لطلبات الحبيب وبين الاحتياج له، وقد اختار الحبيبان في الفيلم مسلكا يذهب بنا إلى عالم أفلام التشويق القاتمة.
داي لويس/ أندرسون
أداء داي ـ لويس لشخصية وودكوك، يجعلنا نشعر كما لو أننا نعيش داخل جلد وودكوك ونتنفس الهواء الذي يتنفسه ونفهم كل اختلاجة من اختلاجاته، من الضيق إلى الغضب إلى العشق البادي على وجهه لفنه وعمله، إلى رهافته التي يخفيها تحت سطح غاضب. داي ـ لويس، حائز الأوسكار كافضل ممثل ثلاث مرات والمرشح للرابعة عن دوره في الفيلم، تضاهيه كريبس في دور ألما، فهي تضيء الشاشة جمالا وأناقة وتألقا، وتبدي رهافة بالغة تخفي عزما وإصرارا كبيرين.
يخلق أندرسون عالما ساحرا لا يخلقه إلا مخرج في تمام التمكن من أدواته الإخراجية وفي ذروة صنعته وأوجها. وتجدر الإشارة إلى أن أندرسون لم يكتف بإخراج الفيلم، بل كان مديرا لتصويره. هناك عناية فائقة بكل تفصيل من تفاصيل الفيلم، من الإضاءة التي تبرز جمال ألما وجمال الأزياء، إلى الموسيقى، التي ألفها جوني غرينوود التي رشح عنها لأوسكار أفضل موسيقى، التي نعيش عبرها ومعها تفاصيل قصة الحب. أما الأزياء فجاءت بديعة كفيلم يحتفي بجمال الأزياء وعالمها.