■ كان السياسي والمفكر فرانز فانون قد تبرم في كتابه «معذبو الأرض» من الاستعمار بوصفه نفيا منظما للآخر/المستعمَر، منكرا كل صفة إنسانية فيه، متسائلا: من أنا في الواقع؟ ولقد عبرت عن هذا التبرم كثير من أدبيات ما بعد الكولونيالية التي ناصرت الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار، محاولة الارتفاع بها من دونية الإقصاء والتهميش إلى علوية التمحور والفاعلية.
وتعد الكتابة واحدة من الوسائل المساعدة في هذا الانتقال الذي به تعلن المهمشات عن وجودها وتؤكد هويتها ولغتها. ولا تكون الكتابة فاعلة ومؤثرة في توجيه الأنظار وإحداث الانتقال، إلا إذا اتسمت بالنبذ للمركزيات متمردة على التموضعات المعتادة، خارقة ثوابتها. وهذا ما تؤكده رواية «في فمي لؤلؤة» للكاتبة الإماراتية ميسون صقر، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية 2016. والموضوع الذي تقوم عليه الرواية هو اللؤلؤ؛ وكما أن اللؤلؤ هو التاريخ في عمقه وغرابته، فكذلك الكتابة عن اللؤلؤ هي أيضا غوص في ما يجول في الذهن من مكبوتات شعورية، لماض مليء بالحيرة والحزن والتساؤلات، التي هي بمثابة محفزات للبحث عن الحقيقة ممثلة في شخصية شمسة، أو في البحث عن الحرية والأمومة ممثلة بآمنة.
وقد قسمت الرواية على ست مغاصات وكل مغاصة هي خرق للمواضعات وغوص نحو المجهول وكل مغاصة حملت عنوانات فرعية مأخوذة من اسماء اللؤلؤ وصنوفه وأشكاله ومصطلحاته.
ويعكس التلاقي بين الأنوثة واللؤلؤ في الرواية، خاصية واحدة تجمع بينهما، وهي أنهما اللذان يحركان نوازع الخير والشر.. ويثير عقد اللؤلؤ تساؤلات شمسة ويدفعها إلى أن تتخيل كيف ورثته أمها عن جدتها وسلسلة المغامرات التي مر بها هذا العقد، حتى وصل إلى جيد أمها «أصبح العقد الذي كان رمزا جميلا في عنق أمي ينزف دما ولا يرى ذلك غيري.. لكن خلف الحقيقة الواضحة دائما أوهاما، وكنت أحلم واستيقظ، وأنام لأحلم مرة أخرى، فأرى البحر ينشق نصفين ويخرج منه مرهون. هل حقا مرهون غير واقعي لمجرد أنه من الماضي السحيق».
وقد اتخذت الرواية بنية دائرية، وبشكل إرصادي يقوم على قصتين، الأولى هي القصة الرئيسة، أو الإطارية التي بطلتها شمسة والقصة الأخرى داخلية أو ضمنية، بطلتها آمنة. وتصر هاتان الشخصيتان على التحرر وعدم الاستسلام لما هو معتاد وقدري. وصحيح أن شخصية مرهون تتوزع بين القصتين، فتظهر في القصة الأولى كشبح أو حلم يباغت شمسة. بينما يظهر في القصة الثانية واقعيا في مراحل حياته من الطفولة إلى الرجولة؛ إلا إن هذه الشخصية تظل على طول الرواية سلبية، بسبب عجزها عن مواجهة واقعها، أو إثبات هويتها، وهذا ينطبق على سائر الشخصيات الذكورية التي تتضمنها الرواية.. أما الشخصيات المؤنثة البطلة منها والثانوية، فانها تؤدي أدوارا حيوية تنماز بالتفوق والفاعلية، في ترميز إليغوري إلى التفوق النسوي في نبذ الآخر العاجز، وهذا ما عكسه كذلك توظيف الاسترجاع والاستباق، إذ تُظهر الأنثى بسالتها في المجابهة وقوة وعيها بأهمية امتلاك حريتها وجدارتها في اتخاذ القرار بتصميم وإصرار. وتصبح الكتابة هاجسها الذي به تحقق شمسة غاياتها في بلوغ الحقيقة، التي ما كان نيلها يسيرا، وقد أسهم توظيف تقانة الحلم والتهويم في توكيد هذا المغزى «وكأنني أغيب في متاهة الحكايات التي حفرت داخلي أصواتا وأساطير، وكانت كل حواسي تنصت وكان صوتها يأتي من بعيد».
وإذا كانت المرأة مجابهة بإيجابية، وكان الرجل سلبيا وعاجزا فإن الآخر/ الغربي ممثلا بوليم كان لغزا محيرا في مطلع الرواية، سواء في معرفته للغة العربية، أو مرافقته البحارة في السفينة ومتابعته للغواصين، وهم يبحثون عن اللؤلؤ لكن ذلك اللغز سينكشف في منتصف الرواية من خلال تقانة الرسائل، ليتبين لنا أنه كان مفوضا من قبل المعتمد البريطاني السير ولسون في الإمارة ليقوم بمهمة التجسس ومراقبة الغواصين، كي يكتب تقاريره ويبعثها، جامعا فيها ملاحظاته ومشاهداته، كما يكتب رسائله الودية التي كان يرسلها إلى صديقه جيرارد، كاشفا فيها عن بعض علاقاته الشخصية.
وعلى الرغم من أن مرهون بقوة بنيته الجسمانية وجلادته وطول نفسه في الغوص داخل الماء ومعرفته الأكيدة بحقيقة النوخذة (أبو حمد) إلا أنه يظل أسيرا لرغبته في جمع المحار، حالما بعوالم سرمدية يرى فيها الأموات الذين لفظهم البحر ويسمع أصواتهم التي لا يعرف مصدرها ولذلك لقبه الغواصون بحفار القبور. والرواية تنطوي على توجه واقعي انتقادي يعكس مفارقة مريرة ناجمة من حال المعدمين الذين يولدون، وهم يحملون ديون أجدادهم التي ينبغي عليهم تسديدها من خلال العمل الشاق في البحر وقد سيطر عليهم النوخذة المرابي، متحكما في مقدرات حياتهم، مالكا بيده موتهم من خلال احتكاره مناطق الصيد والغوص؛ لكنه بالمقابل كان تابعا ذليلا وهو ينفذ مطالب المستعمر الغربي.
وتمنح الأحلام الشخصيات المؤنثة الأمل وتمدها بالقوة في المواصلة والإصرار، وتعمل المونولوجات على تجسيد اختلاط الخيال بالواقع، فشمسة ترى مرهون في شكل حلم يقظة « لا لا لست في فيلم ما وراء الخيال. إسمعْ أينما كنت ومن تكون، لا وقت لديّ للعبة مثل هذه أنا هنا من أجل قصد جاد قال: بل من أجل بحث حياتي وكشف ما وراء الأنفس والحكايات «. وما كان لها أن تنجز بحثها إلا بهيام ذاكرتها ما بين التاريخي والتخييلي، مازجة التجربة الذاتية بالتوثيق الأرشيفي للتاريخ، ليكون التاريخ عندها تاريخين عاما وشخصيا. «سأكتب عن البحر وصيد اللؤلؤ وأعتمد فيه كتابة أشبه بالحكي فلكل مدينة وبلدة تاريخ مضيء وتاريخ معتم من الأهوال والصعاب.. سأرمي ذاتي في متاهة الاكتشاف وأرى».
ويظل حلم مرهون بمريم حاضرا في ذهنه، مقترنا بالبحث عن اللؤلؤ، وتكتنفه التهويمات والأحلام وهو يغوص في البحر والرهبة لا تغادره «وكان كأنه يدخل عالما أرضيا، كأنه يبحث عن نفسه في السراب، كأنه ضمن هذا السراب، أو كأن بعض سمكات تمر حذوه وحين يلمسها تنزلق يده في الماء ولا يجد ملمسا لشيء». وينجم عن شروده الذهني وعجزه الواقعي تضاد نفسي يتسم بالنكوص والسلبية ليغدو شخصية لامنتمية فيستبطن الراوي دواخلها «تعلم الخوف من الصمت وتعلم الخوف من النور، كما تعلم الخوف من العتمة وتعلم الخوف من الله كما تعلم الخوف من الشيطان». في حين تنجح آمنة في أن تكون حيوية فتتغلب على مرارة الواقع فاصلة بين الخيال والحقيقة، وهذا ما يجعلها منتمية لذاكرتها ومكانها.
ويشكل البحر في الرواية متسعا مكانيا يتسم بالتناهي في الكبر، بتعبير غاستون باشلار وتتحكم فكرة الاتساع الكوني في حيوات الرواية التي تشعر بأن نجاتها مكانية لازمانية، والسبب أن مفهوم الزمن مربك لها، وهي تنظر إلى الواقع وتتلمس علاقته بالحب وهذا ما يفتح الآفاق أمام مرهون وآمنة للمغامرة؛ فأما مرهون فيخفق بسبب الحلم بمريم والبحر ليعيش في شبه غيبوبة. وأما آمنة فتنجح لأنها تعاملت مع الآخر من منطلق واقعي ينبذ الأحلام.
ولا تنفصل دورية الزمان المتمثلة في تكرار عبارة «إنه شرف لي أن أحمل تاريخا للوجيعة يا حبيبي» عن دورية المكان متلاقية مع دائرية البناء السردي، متمحورة حول الحركة والاتساع واللانهائية.
وتتعزز فكرة دورية الزمان بتكرار عبارة «سنعود لما بدأنا حين التقينا» في آخر مغاصة وهي تحمل اسم (مرهون ) حيث الآخر سيغدو رهنا لا بالبحر وأسراره، وإنما بالأنثى ممثلة بآمنة التي ستعلمه الحرية ليستعيد ذاته ويرى سعة الكون وحقيقته القائمة على العشق. وقصدية توظيف الميتاسرد تتضح في جعل القصة الإطارية عبارة عن رحلة بحث أكاديمية عن صيد اللؤلؤ تقوم بها شمسة، منهمكة في جمع المصادر والتنقيب عن الوثائق والتفتيش في التقارير والرسائل «سأكتب عن البحر وصيد اللؤلؤ وأعتمد فيه كتابة أشبه بالحكي، فلكل مدينة وبلدة تاريخ مضيء وتاريخ معتم من الأهوال والصعاب.. سأرمي ذاتي في متاهة الاكتشاف وأرى».
وتنتهي الرواية بهوامش وإحالات خارج نصية وتعالقات نصية استهلالية وتعليقات أخبارية عن نساء عرفن بارتداء اللؤلؤ كمارلين مونرو وكليوبترا لتُستكمل دورية الزمان، حيث الماضي يلتقي بالحاضر والحاضر يستشرف الآتي.. لنعرف أن سر اللؤلؤ وسيرته» ليست سيرة ميتة إنها حياة كاملة. اللؤلؤ الذي يستدبر كما لو أنه كرة أرضية تدور كما لو أنه كون ينبض».
وبهذه الفكرة الاتساعية التي تخلص إليها رواية «في فمي لؤلؤة» تلتقي الأسطورة بالتاريخ والعشق بالعتق في ترميز إيحائي إلى أنه مهما كان الآخر/ العربي مخفقا في اســتعادة تاريخه، وأيا كانت مراوغة الآخر/ المستعمر مبيتة في استغلال الشعوب استلابا واحتكارا.. فإن في الشخصية المؤنثة يكمن الاستشراف ما بعد الكولنيالي ومفاده أن الامل معقود في الوعي النسوي الذي به سيتفكك الاستعمار وتتهشم مركزياته.. وهذا ما كان زرادشت ومن بعده نيتشه يريانه في المرأة كحاملة للمستقبل.. فهي كالماس تشع فيها فضائل العالم المنتظر.
٭ ناقدة وأكاديمية عراقية
نادية هناوي