يحتمل جدا بأن موجات صدى خطاب الرئيس الروسي بوتين قبل أسبوع لم تصل بعد إلى الآذان الصحيحة. يحتمل أن يكون الخبراء في الغرب بشكل عام وفي الولايات المتحدة بشكل خاص ينكبون على حل لغز خطابه. مهما يكن من أمر، فمع أنه خطاب انتخابات الا انه بالتأكيد يستوجب مراجعة ومحاولة لمتابعة تصريحات بوتين.
هل خطابه هو رد فعل ضد تعزيز قوة الولايات المتحدة الذي يجد تعبيره ضمن أمور أخرى في زيادة ميزانيات الدفاع؟ حسب مضمونه، ليس بالضرورة. ولكن أجواء الحرب لا تنقص في خطابه. ذاكرتنا تبعدنا إلى الوراء، قبل سبعين سنة. في حينه بدأت رسميا على الأقل الحرب الباردة بين الكتلتين، الشرقية والغربية، فيما كان يقف على رأس الكتلة الشرقية الاتحاد السوفياتي وعلى رأس الكتلة الغربية الولايات المتحدة.
الحرب الباردة إياها، التي انتهت في 1991، حملت العالم كله استقرار «ميزان الرعب»، الاعتراف المتبادل بان القوتين العظميين لن تصلا إلى لحظة الحسم رغم أنه حتى 1970 كانت عدة حالت «كادت» تصل اليها. فممَ كان يتشكل ميزان الرعب هذا؟ من 10 حتى 12 ألف صاروخ قاري تحمل قنابل نووية، لكل واحد من الطرفين. لم يستخدم هذه الصواريخ أبدا وذلك لحقيقة ان كل طرف فهم بأن «الإبادة المتبادلة المطلقة» ليست شعارا بل واقعا من شأنه أن يقع.
إذن ما الذي قاله بوتين في واقع الأمر؟ قضايا الاقتصاد، المجتمع، الفقر وتقليص الفوارق، النجاحات والآمال بمستقبل أفضل كما هو دارج في خطابات الانتخابات (للتذكير فقط، في السنة الأولى من ولاية ترامب، ثلثا وعوده في خطاباته الانتخابية تحققت). بوتين يتحدث عن منظومات الدفاع والهجوم الروسية، ويعلن عن سلسلة أسلحة جبارة تترك الولايات المتحدة والغرب فاغري الأفواه. هكذا، مثلا، صاروخ جوال ذو قوة تحريك نووية، وبتعبيره: يطير على ارتفاع منخفض، ذو مدى يكاد لا يكون محدودا مع مسار طيران غير متوقع، يمكنه ان يتجاوز خطوط الدفاع ولا يمكن إسقاطه من كل منظومات الدفاع ضد الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوية، القائمة والمستقبلية».
إذا كانت صحيحة هذه الأمور، يحتمل جدا أن يكون هناك وضع مؤقت على الأقل من «محطم التعادل». بقدر ما هو معروف، ليس للولايات المتحدة قدرة كهذه من تحريك صاروخ جوال بمفاعل نووي طائر، بحيث يكون مدى الصاروخ حقا غير محدود تقريبا، على حد قول بوتين. كما يكشف لنا النقاب أيضا عن وجود سلاح يطير بسرعات عشرة أضعاف حتى 15 ضعف سرعة الصوت. الولايات المتحدة لم تنجح حتى الآن في التقدم في بناء أدوات طائرة سريعة كهذه. يكفينا هذان النموذجان كي نشعر بقوة التصميم الروسية في بناء قوة جديرة بقوة عظمى تعود إلى الساحة. ما الذي لم يكتب عن الأسلحة بشكل عام وقدرات الجيش الروسي بشكل خاص؟ بعد انهيار القوة العظمى في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي كان هناك من أبّنها. من السابق لأوانه جدا.
ومع ذلك، يعلمنا التاريخ بأنه على كل سلاح هجومي من جهة ما، يأتي سلاح أفضل من الجهة الأخرى. الأسلحة الحديثة الروسية تحمل معها تحديا تكنولوجيا ومعنويا للولايات المتحدة ومثلما أثبتت الولايات المتحدة في الماضي فإنها ستجد السبيل للوصول على الأقل إلى ميزان رعب حيال روسيا المتجددة. يمكن بالتأكيد أن نعد «الهاتف الأحمر» مثلما في الأيام إياها.
وأين إسرائيل في الصورة؟ صورة مختلفة جوهريا بالنسبة لفترة حرب الأيام الستة، حرب الاستنزاف وحرب يوم الغفران. الوضع الذي يمكن لرئيس الوزراء أن يسافر فيه إلى رئيسي القوتين العظميين او يتحدث معهما تقريبا في الوقت نفسه يوجه الأفكار للمسافات القصيرة. ليس لإسرائيل ترف التسلي بالأفكار عن «الإبادة المتبادلة المطلقة». فتسلح إيران بسلاح نووي من ناحية إسرائيل هو سيناريو محظور حظرا تاما أن يصبح واقعا. الخيار العسكري لإسرائيل يجب أن يتحقق إذا كانت جهود الإحباط الأمريكية (بمساعدة مفاجئة من فرنسا) لم تنجح. بتعابير أخرى عندما يكون على كفة الميزان عشرات وربما مئات قليلة من القتلى عقب رد إيراني محتمل تواصلا لهجوم إسرائيلي، وفي الكفة الثانية نحو 20 ألف قتيل من قنبلة نووية ـ بمعنى، الفرق بين الكابوس المتواصل وبين الألم المحتمل ـ فإن الاختيار بسيط.
اسرائيل اليوم 8/3/2018