قبل أسبوعين في الساعة السابعة صباحا وقف محمد عميرا، سائق في ايغد عمره 65 سنة من شرقي القدس هو وزوجته في مكتب السكان والهجرة (مكتب الداخلية) في شارع وادي الجوز 10 في المدينة، بعد أن أخذ يوم إجازة. بعد شهر سيسافر في نزهة منظمة مع أصدقائه في العمل، لكن ليس واضحا إذا كان سيتمكن من الخروج من البلاد. عميرا اندس بين عشرات الأشخاص الذين تجمعوا في مدخل مكتب الداخلية، وهو يحمل في يد بطاقة الهُوية الشخصية وفي اليد الأخرى هاتفه الذي فيه الرسالة القصيرة لاستدعائه المأمول إلى المكتب، ولكن الحراس رفضوا الاستجابة: «قالوا لي لا يوجد لك دور، إذهب إلى البيت. لا يمكن التحدث معهم إطلاقا».
أطفال يبكون ونساء يفقدن الوعي بسبب الجو الحار والاكتظاظ وطول الانتظار، ورجال يصعدون على القضبان، هي مشاهد عادية في مدخل مكتب الداخلية في شرقي القدس. هكذا أيضا مشاهد الأطفال والمقاعد المحمولة التي تنقل من يد إلى أخرى لتقريبهم من البوابات الدائرية.
في الأيام الأخيرة نشر في الشبكات الاجتماعية لشرقي القدس أفلام قصيرة وصور عن الطابور، وفي بداية الأسبوع ظهرت دعوة لمظاهرة عامة أمام المكتب ـ مثل المظاهرات ضد البوابات الإلكترونية في الحرم في الصيف الأخير.
في هذا الأسبوع أيضا قدمت الدولة ردها على استئناف في هذا الموضوع ـ الاستئناف الرابع في العقدين الأخيرين ـ لكن الرد لا يشمل حلا في المستقبل القريب.
زكريا مشرقي يحاول منذ أسابيع تحديد موعد من أجل إصدار هُوية لابنه، ابن الـ 15 سنة. «لا يوجد أي دور على الإطلاق»، قال، «أنا أقوم بالاتصال، وأنتظر ساعتين، وحينها يقولون لا يوجد دور». خلافا لمعظم الفلسطينيين في شرقي القدس، يوجد لمشرقي جنسية إسرائيلية، ولكن رغم ذلك هو لا يستطيع التوجه إلى وزارة الداخلية في غربي المدينة. «اتصلت معهم هناك، وقالوا لي إنه يجب علي تقديم شكوى في قسم شكاوى الجمهور». هو يتحدث عن محاولته الاحتجاج ضد سوء الإجراءات. عائلة مشرقي تعيش في القدس، لكن زوجة شقيقه أنجبت في الأسبوع الماضي في مستشفى في الناصرة ـ من أجل توفير المعاناة في مكتب الداخلية في القدس والذي تنتمي اليه. «أخي قال إنه بهذا لن يكون للمولود كل هذه التعقيدات»، وأوضح «من تستطيع الذهاب للولادة في الشمال فهي تقوم بذلك».
الطريق إلى مكتب الداخلية في شرقي القدس مليء بالصعوبات. خلافا للفروع الأخرى، الطابور إلى هنا دائما يجب تحديده مسبقا، دون صلة بالموضوع المطلوب. ولكن فحص «هآرتس» كشف أن هذه مهمة تقريبا غير ممكنة. تطبيق «ماي فيزيت» الذي تستخدمه سلطة السكان لتحديد موعد، عرض في هذا الأسبوع عدد من المواعيد في أشهر أيار وحزيران وتموز، ولكن في محاولة الضغط عليها، ظهر أنه في هذه الأشهر لا يوجد أي موعد شاغر. في آب ـ الشهر الأخير الذي مكن التطبيق من الوصول اليه ـ لم يكن هناك أي موعد على الإطلاق.
الإمكانية الأخرى لتحديد موعد هي بواسطة الهاتف، لكن هنا أيضا، كما حدث مع مشرقي، لا يوجد رد ـ لا يوجد دور. الشائعة في أوساط من ينتظرون هي أنه في كل مرة تفتح فيها المواعيد والتي تمتلئ بسرعة، ومن يريد أن يحدد موعدا يجب عليه أن يتابع التطبيق طوال اليوم.
معنى ذلك هو أن من يعيش في شرقي القدس ويريد اليوم تجديد وثيقة السفر (التي تستخدم كبديل عن جواز السفر الإسرائيلي) أو تجديد بطاقة الهوية أو تسجيل مولود، لا يمكنه القيام بذلك ـ على الأقل في الأشهر القريبة. في المقابل يعرض التطبيق طوابير طويلة للمكتب في غربي المدينة ـ بدءا من أسبوعين.
هوية مفقودة
عبد أبو شحادة، احد سكان وادي الجوز، وقف في الدور قرب محمود عميرا. أبو شحادة فقد محفظته وفيها هويته. كجزء من عمله كسائق شاحنة عليه اجتياز الحواجز بين إسرائيل والضفة. بدون بطاقة هوية هو لا يستطيع العمل ـ وقد قرر محاولة حظه: القدوم إلى المكتب بدون موعد محدد مسبقا ـ ربما ينجح في الدخول. «حاولت تحديد موعد، وحددوا لي موعدا بعد سبعة أشهر. ماذا افعل، هل أجلس في البيت سبعة أشهر»، قال.
خضر محمد هو من الذين حالفهم الحظ ونجحوا في الدخول ـ بعد أن وصل إلى مكتب الداخلية مع زوجته وابنه في الساعة السادسة صباحا لأخذ دور. الزوجان رتبا هوية السفر لأنفسهما، لكن حينها طلب منهم إحضار صورة للطفل. «لم يكن بالإمكان تصويره في المكان لأنه كان يبكي»، شرح محمد (اليوم الموظفون في المكتب يصورون طالبي الهوية في المكان ـ الكاتب)، «قالوا لي أخرج إلى الخارج وعد مع الصورة. الآن أنا أنتظر هنا منذ ساعتين ـ ولا يسمحون لي بالدخول».
يوسف جردات حدد موعدا في مكتب الداخلية منذ ثلاثة شهور. الشرطي أشار له بأن غطاء الهوية ممزق، وأنه يجب عليه استبدال الهوية. في الساعة العاشرة صباحا قال: «أخذت يوم إجازة وجئت في الساعة السادسة صباحا، لكنني لم أنجح في الدخول، حتى 10 أمتار أنا لا أستطيع الاقتراب من الحراس، لا يوجد احترام»، قال بمرارة.
الموعد الذي حدده محمود «اسم مستعار» تم الغاؤه من قبل الحراس بعد أن ضرب بيده على القضبان، حسب قوله. «جئت لاستصدار وثيقة سفر لابني. وقالوا لي إنه بسبب ضربي على القضبان وصراخي، فإنهم لن يدخلوني. قلت للحارس إن لي دور في تشرين الأول. فقال لي إنه من ناحيته لو كان لي دور قبل عشر سنوات فأنا لن أدخل. وقال للجميع إنه لن يدخل أي أحد إلى حين إبعادي من المكان». في الغد نجحت زوجة محمود في الدخول. «لم يكن لها موعد، لكنها نجحت في الدخول. كان لها حظ».
إكرام الزبن حددت موعدا في مكتب الداخلية قبل نصف سنة تقريبا، في شهر آب. وقد أحضرت إلى المكتب ابنها (16 سنة) لإصدار بطاقة هوية له، وجلست على الرصيف خارج الطابور. «هو طويل ودائما يعتقلونه في الحاجز»، قالت، «منذ ساعتين ونصف ونحن ننتظر، وليس مضمونا أننا سندخل».
مكتب السكان والهجرة في شرقي القدس سيئ الصيت في أوساط سكان المدينة منذ عشرات السنين. في العقد الأخير يعمل المكتب في مبنى جديد وكبير في حي وادي الجوز. ولكن الانتقال إلى المبنى الجديد لم يقلل العبء ولم يغير وضع المتوجهين اليه، ربما حتى أنه زاد الأمر سوءا.
مقيدون بالمكتب
فلسطينيون من سكان شرقي القدس مقيدون بمكتب الداخلية في وادي الجوز. فهم لا يسمح لهم بالتوجه إلى أي مكتب آخر. الاكتظاظ وجد لأنهم يحتاجون إلى مكتب السكان والهجرة بوتيرة عالية أكثر من باقي سكان إسرائيل. هكذا مثلا في حين أن مواطني إسرائيل يجددون جواز السفر كل عشر سنوات فان سكان شرقي القدس مطلوب منهم تجديد وثيقة العبور كل سنتين أو خمس سنوات من أجل السفر إلى الخارج. وكذلك بالنسبة لسكان شرقي القدس، التسجيل في مكتب السكان هو موضوع حاسم ـ لأنه استنادا لهذا التسجيل مطلوب منهم أن يثبتوا بأن مركز حياتهم هو بالفعل في شرقي المدينة. واذا لم يتم إثبات ذلك فهم يمكن أن يفقدوا مكانة المقيم الدائم أو حقهم بالمخصصات. لذلك فإن عملا اعتياديا مثل تجديد بطاقة هوية أو تسجيل مولود أو تغيير عنوان يتحول بالنسبة لهم إلى أمر حساس بشكل خاص. الفلسطيني أيضا مطلوب منه أن يقدم هُويته عدة مرات في اليوم للشرطة. إذا فقدت الهُوية أو تضررت فهو معرض للتوقيف.
سبب آخر للعبء الزائد في مكتب الداخلية هو إجراءات جمع شمل آلاف العائلات من سكان المدينة مع أزواجهم من الضفة الغربية ـ التي تقتضي المثول الدائم في مكتب الداخلية. الزيادة في عدد طلبات الحصول على الجنسية الإسرائيلية في أوساط السكان الفلسطينيين في المدينة فقط تزيد الضغط. في حزيران الماضي ومع بدء إصدار الهُويات الممغنطة، لكل ما تقدم أضيف شيء آخر: وزارة الداخلية تتبع سياسة جديدة حسبها لا يمكن الوصول على الإطلاق إلى المكتب في شرقي المدينة بدون تحديد موعد مسبق. في مكاتب أخرى مطلوب موعد فقط لإصدار الهُوية الممغنطة. هكذا يحدث أنه في كل صباح يتجمع عدة عشرات من الأشخاص في المدخل، وينضم إليهم عشرات المتوجهين لمكتب العمل الموجود في نفس المبنى. قبل بضع سنوات في أعقاب التماس لمحكمة العدل العليا، أخرجت خدمات التشغيل آلات التوقيع للمثول خارج المبنى في محاولة لتقليص الدور، لكن ذلك لم يساعد فعليا. أحيانا يحدث توتر بين المجموعتين المنتظرتين ـ مكتب وزارة الداخلية ومكتب العمل. كل مجموعة تلوح ببطاقات أو هُويات في محاولة لجذب انتباه الحراس. في الأسابيع الأخيرة كانت هناك عدة حالات أغلق فيها الحراس البوابات على مدى بضع ساعات، لتهدئة النفوس. أحيانا البوابات تظل مغلقة لعدة ساعات.
الانتظار في الخارج يستمر على الأغلب ساعتين، لكن هناك من ينتظرون ساعات كثيرة. لا يوجد في المكان خدمات صحية أو ما يحمي من البرد أو الحر. الطابور الخارجي هو فقط الطابور الأول من بين أربعة طوابير منفصلة في الطريق إلى الموظف. بعد الانتظار في الخارج ينتقل الزوار إلى بوابات دائرية التي يتم التحكم بها عن بعد ومن هناك ينتقلون إلى طابور آخر للفحص الأمني. بعد هذا الفحص يتوجهون إلى قاعة الانتظار، وهناك عليهم أخذ رقم في البداية وبعد ذلك ينتظرون دورهم لدى الموظف. في حين أنه في الخارج يتجمع عشرات المنتظرين، فإن قاعة الانتظار المكيفة والمريحة تبقى تقريبا معظم اليوم فارغة ـ وهذه حقيقة تم تأكيدها في رد النيابة العامة على الالتماس الذي قدمته منظمة العمال «عنوان» ومركز «الدفاع عن حقوق الفرد» ضد الشروط في الدور للمكتب. في الالتماس تم تفصيل حالات كثيرة من فقدان الوعي وإصابات نتيجة الاكتظاظ.
في الرد على الالتماس اعترف مكتب وزارة الداخلية في هذا الأسبوع بـ «اكتظاظ شديد في الطابور»، الحل حسب الدولة هو فتح مكاتب أخرى في شرقي المدينة، لكن هذا الأمر سيستغرق وقتا طويلا. في هذه الأثناء تعهدت وزارة الداخلية بوضع آلة أخرى لإعطاء الأرقام في المدخل، ولكنها اشترطت بأن هذا القرار سيتم اتخاذه خلال ثلاثة أشهر، «على ضوء حقيقة أن إضافة آلة أخرى تحتاج إلى إصلاح المبنى وهذا بحاجة تكاليف باهظة».
من مكتب السكان جاء رد على ذلك «الموضوع موجود على رأس سلم الأولويات منذ فترة، وفي هذه الأيام يتم فحص خطوات لتخفيف العبء في المكان، بما في ذلك البحث عن مكتب آخر لإعطاء ردود وخدمات للسكان في شرقي القدس».
هآرتس 8/3/2018