يتابع الإعلام العالمي والعربي احتجاجات الشعب السوداني ضد رفع الدعم عن المحروقات، وتطرح أسئله كثيرة حول هذا الموضوع، مثل ما مستقبل هذه الاحتجاجات، وهل ستتوسع، وهل هي عفوية أو منظمة، وهل ستسقط نظام الإنقاذ أم لا؟ ولكن يوجد سؤال مهم وغائب عن الإعلام وهو، لماذا حدث هذا العجز في الموازنة الذي تسبب فـــــي رفع الدعــــــم؟ وللإجابة على هذا السؤال سنتطرق ولو بشكل عام للموازنات السابقــــة لحكــــومة الإنقاذ، خصوصا موازنة 2013، فما هو شكل هذه الموازنة؟ نستطيع وصف المــــوازنة بأنها موازنة عسكرية بامتياز، حيث كانت حصة الوزارات الخدمية منها 14’، ومنها وزارة التعليم التي خصص لها 2′ مــــن الموازنة، وباقي الموازنة وهو 86′ خصص للجيش وجهاز الأمن والشرطة، لذلك سد العجز في الموازنة الحالية برفع الدعم لا يصــب في مصلحة المواطن، فالمواطن السوداني يتحمل تكلفة العلاج كاملة، وكذلك التعليم والكهرباء والغاز والماء، وهذه الخدمات مرفوع عنها الدعم منذ سنين. ولنرجع إلى السؤال المطروح وهو، لماذا حدث هذا العجز في الموازنة؟ وهل الأسباب التي قدمها حزب المؤتمر الوطني الحاكم هي أسباب حقيقة للعجز؟ والإجابه على هذا السؤال هو، أن السبب الحقيقي للعجز والسبب الحقيقي لجميع مشاكل السودان هو الفساد المالي والإداري الذي أصاب الحكومة، ولكي نأخذ هذا السبب بشيء من التفصيل يجب التطرق إلى كيفية نشأة الفساد في السودان، فالفساد ليس مشكلة وليدة اللحظة بل نتيجة تراكمات عبر السنين، فحكومة المؤتمر الوطني الإخوانية منذ أن استلمت السلطة في عام 1989 سعت إلى أخونة المؤسسات الحكومية، وذلك بتعيين الإخوان المسلمين في مناصب عليا إدارية. وقد نجحت في أخونة المؤسسات وبامتياز، وقد ساعدها على هذا النجاح عدة أسباب، أولها، أن الأخونة لم تطبق من قبل على شعب من الشعوب العربية، لذلك لم يع الشعب السوداني خطورة هذه المسألة إلا بعد تمكنها. والسبب الثاني أنها طبقت بصورة هرمية من أعلى إلى أسفل إلى أن عمت أصغر الموظفين في المؤسسات، والسبب الثالث أنها تمت في فترة زمنية طويلة لم يشعر بها المواطن السوداني. اذا ما علاقة الأخونة بالفساد؟ أخونة المؤسسات هي مفتاح الكوارث التي حدثت في السودان، فالكارثة الاولى هي انها جعلت التوظيف في المؤسسات لا يتم عبر الكفاءات، وإنما يتم عبر الانضمام لحزب المؤتمر الوطني، وهذا أدى بدوره إلى مشكلتين هما: الانهيار التدريجي في المؤسسات الحكومية نتيجة النقص الحاد في الكفاءات، والمشكلة الثانية هي ظهور الفساد المالي والإداري، الذي استشرى بصورة غريبة ومخيفة، أدت إلى ظهور رؤوس أموال لوزراء ومسؤولي حزب المؤتمر الوطني في السوق الحر، وتــــم ضم كبار التجار إلى الحكومة والإفلاس لمن عارض، وتم عقد قران بين رأس المال والسلطة، فأصبح التجار وزراء ومسؤولين وأصبح الوزراء والمسؤولون تجارا، وبذلك أصبح القطاع العام والخاص ‘مؤخون’. وهكذا تطور الفساد وتنوع حيث بدأ ظهور الخصخصة، اي بيع القطاع العام للقطاع الخاص، حيث بيعت كبرى شركات البلد لتجار حزب المؤتمر الوطــــني واختفى القطاع العام وحل محله القطاع الخاص، فقد بيعت شركة الكهــــرباء وشــركة خدمات المياه وشركة الاتصالات السودانية (سوداتل) وبيعت المصانع والآن يحضر لبيع أكبر مشروع زراعي في أفريقيا وفي الشرق الأوسط وهو مشروع الجزيرة، بعد إهمال متعمد أدى إلى توقف إنتاجيته. ومن مظاهر تنوع وتطور الفساد في السودان، تقسيم مجالات التجارة بين مسؤولي الحزب الحاكم، وبمعــــــنى أوضح أن كل وزير أو مسؤول تخصص في نوع معــــين من التجارة لا يزاحــــمه فيه أحد، حيث يوجد مسؤول احتكر تجارة الدقــــيق، وآخر تخصص في مشـــاريع البناء والمدن السكنية وتخصص مستشار من مستشاري رئيس الجمهوريه في تجارة المواشي، حيث يمتلك ثلث مواشي السودان وهكذا، ولأن الكل مجرم ومدان أمام الآخر غابت المساءلة وعم التسيب، وتوقف الإنتاج وأصبح الوزير لا يستطيع محاسبة الغفـــير، ولأن التوظيف لا يتم إلا بالانضمام إلى الحزب الحاكم، انضم إليه أغلب الشباب الراغبين في التوظيف، وأدى ذلك إلى تضخم الحزب، مما أدى بدوره إلى زيادة الفساد والنهب، فعجزت المؤسسات عن إشباع هذه الأفواه النهمة وقل الإنتاج وتوقفت الصادرات وحدث العجز في الموازنات، وترافق مع الفساد صعود صاروخي للأسعار، حيث كان سعر جوال الدقيق عندما استلم الحزب الحاكم السلطة يساوي 32 جنيها، والآن يساوي 300 ألف جنيه، وكان سعر الدولار عند استلام حزب المؤتمر الوطني الحاكم يساوي 12 جنيها والآن يساوي 8500 جنيه. ومن الأسئلة المطروحة ما هو مستقبل هذه الاحتجاجات, وهل ستتوسع؟ وهل هي عفوية أو منظمة؟ وللإجابة على هذه الأسئلة يجب على القارئ معرفة الآتي، وهو أن نظام الإنقاذ نظام دكتاتوري، وإلا لماذا لم يتغير منذ عام 1989، وكحال الأنظمة الدكتاتورية فإن لديه ممارسات تضمن له بقاءه في الحكم، ومن هذه الممارسات إشعال القبلية. من المعروف أن السودان متعدد الأعراق والقبائل، وكانت هذه القبائل قبل الإنقاذ تعيش في سلام وتآخ، فجاءت الإنقاذ بقيادة الدكتور حسن عبدالله الترابي مؤجج القبلية في السودان وأشعل فتنة دارفور ولحقت بها كردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق، وأصبح السودان عبارة عن قبائل متناحرة تفصل بينها حكومة الإنقاذ بقوة السلاح، فإذا زال نظام الإنقاذ فستأكل هذه القبائل بعضها بعضا وسيحدث تطهير عرقي لبعض القبائل، ولا أريد التفصيل أكثر في هذه النقطة، وهذه الأسباب وأسباب كثيرة لا يمكن التطرق لها في هذا المقال، هي التي تمنع من توسع الاحتجاجات ضد حكومة المؤتمر الوطني وانتفاء توسع الاحتجاجات ينفي إمكانيتها لإسقاط نظام الحكومة الحالية. ومن الأسئلة المطروحة، هل هذه الاحتجاجات عفوية أم منظمة؟ والإجابة هي أنها عفوية، فالمعارضة الموجودة هي اضعف من أن تقود أو تحرك هذه المظاهرات، والسبب الذي أضعفها هو حكومة المؤتمر الوطني، حيث عملت على تقسيم الأحزاب الرئيسية إلى عدد من الأحزاب، وهذه الأحزاب لا تستطيع إقناع المواطن السوداني بالخروج، لأنه ليس لديه قناعة بها، لأنه جربها في الحكم، لذلك فهذه الاحتجاجات عفوية وإحراق بعض محطات الوقود وحافلات النقل الجماعي، والذي ندينه هو إحراق لمحطات وباصات يمتلكها مسؤولو الحزب الحاكم، مثل باصات والي الخرطوم، ومثل محطات قادرة التي يمتلكها جهاز الأمن، لذلك لم يجد المواطن الذي يتميز غيظا من الحكومة المتنفس إلا في أملاك الحكومة بالإحراق والتكسير.