لا ينفك أبي الغالي ينصحني بأن ‘الحد من الخسارة يعد بحد ذاته مكسباً’، إلا أنني نادراُ ما استطعت مقاومة رغبتي في المغامرة، وأحيانا المقامرة بحظوظي. وأظن أنني لم أكن محقاً، لكنني لم أكن مخطئاً أيضاً.
علمتني تجاربي الباكرة أنني لن ألامس السقف بمجرد الوقوف ومد ذراعي للأعلى. وقد لامست السقف عدة مرات، وللحظات معدودة حتى لا تصعقني كهرباء السقف. في مرات قليلة، قفزت ولم أكن مستعداً- فسقطت وتألمت. في مرات أخرى أكثر منها وُضعت المسامير تحت قدمي وأنا لا أزال معلقا في الهواء. ليس ذلك أمراً غير اعتيادي في سلوك المقامر، بل بالعكس. هناك دائما جزء روتيني من قوانين القمار، لكن هناك أيضا جزء مهم غير روتيني تخبئه المنافسة في اللعب دوماً.
لم أسمع في حياتي بقصة بيت قمار يخسر، لكنني سمعت عن المبتدئ الذي وضع دولاراً واحداً، ثم حقق الجائزة الكبرى المقدرة بعشرات ملايين الدولارات. هذا ما يحدث في لاس فيغاس الأمريكية، فصناعة المقامرة هناك تؤمن بضرورة تساوي الفرص للجميع كجزء من حماية هذا الاستثمار الملياري والمحافظة على مصداقيته. في النهاية فإن بيوت القمار لا تخسر بفوز واحد هنا أو هناك، فالخاسرون أكثر دوماً. لهذا يقال إن ‘بيت القمار يفوز دائما’.
أما في نادي القمار الواقع في جمهورية افتراضية صغيرة تدعى ‘تل الخوازيق’، ‘يصدف’ أن يخسر الفنان الشهير عمر الشريف ـ وهو من أمهر المقامرين- على كل طاولة يجلس عليها، لأن ‘بيت القمار لا يخسر أبداً’ هناك. إن المهارة ليست عاملاً مؤثراً على نتائج طاولة القمار في تل الخوازيق.
في الغالب، فإن على الفائز الوحيد المحظــــوظ أن يكون شخصاً ذا نفوذ، ذا سلطة، ذا قدرة على إغلاق بيت القمار، إن لم تعجبه النتيجة. وتحت هذه الظروف، فإن فوز عمر الشريف في تل الخوازيق لمرة من عشرين محاولة يعادل في إنجازه وصعوبته فوز المقامر المبتدئ صاحب الدولار في فيغاس- نيفادا مرتين متتاليتين. في تلك الحالة، يكون فوز عمر الشريف في تل الخوازيق أبعد ما يكون عن المقامرة المحظوظة وأقرب ما يكون الى المعجزة.
لكن تساوي الفرص ‘المنعدم’ في تل الخوازيق، أو عدم عدالة توزيعها، يجب ألا يجعلنا نعتقد أن نيفادا هي جنة المأوى، وأن ‘تل الخوازيق’ هي جحيم سقر. هناك دائما من يسعى للغش على طاولة المنافسات حتى في أكبر ملهى قمار في لاس فيغاس، وهناك من ينجح في الغش فيها بين وقت وآخر.
أفضل ما في المقامر أنه يؤمن أن الحظ لن يبقى في الطرف الآخر من الطاولة للأبد. بيد أننا نعرف أن الفوز الحقيقي للمقامر في أي مكان، هو في ابتعاده عن القمار، إلا لو صار جلوس المرء على طاولة القمار طريقه الوحيد للنجاة، كما يحدث في أفلام هوليوود أحيانا، وفي تل الخوازيق غالبا.
ليس كل ذلك إلا عبرة مستخلصة لما يجب أن يقوم به المحرومون من تساوي الفرص، سواء كان ضحية هذا الحرمان أنثى في مجتمع يحتقرها، أو ملونا في مجتمع عنصري، أو إنسانا حرا في مجتمع يحب أن يداس تحت الحذاء: مقامرون من ناحية المبدأ، تماماً كمقامري تل الخوازيق.
نحن أيضا نتعلم الكثير عن أنفسنا خلال كل ذلك، حتى ونحن نخسر. لا شك أن أجمل ما في البشر أنهم يضعفون لأنهم بذلك يدركون ما يعيق قوتهم. نحن بدون تجربة الضعف نشبه السيارة الجديدة التي تخرج من الوكالة، فمن المخاطرة أن تتجاوز سرعتها 100 كم/ساعة عند أول استخدام.
عندما يكتشف مقامرو تل الخوازيق أنهم مجبولون على الخسارة، فإن الأضعف فيهم ينكسر سريعا، مهما أدرك الجميع أن فرص اللاعبين متساوية في انعدامها منذ البداية. في المقابل، عندما يقرر البعض المقامرة بحظوظه المنعدمة خارج طاولة القمار وفي خضم المجهول والمعلوم من الحياة، فإنه يتعلم كيف يستشعر كسر المستحيل بأمل تحقيقه، ويباغته بضربة لا يتوقعها بتمسكه بحقه في تحقيق مرة الفوز النادرة التي قد لا تأتي.
أحيانا فإن بيت القمار ‘الذي لا يخسر أبداً’ مضطر للسماح بفائزٍ بين فينة وأخرى حتى لا يبدو أن هناك جريمة متعمدة تحدث فيه، ومن الجيد أن يحاول المرء أن يكون ذلك المحظوظ اللعين.
أظن أن الفرق الوحيد بيننا وبين عمر الشريف، هو أننا لو فشلنا مرة فلن نجد من يساعدنا في النهوض أو يلتمس لنا الأعذار لو قمنا بصفع امرأة في مهرجان سينمائي كما فعل. على العكس، لابد أننا سنضطر لمواجهة سهام الاصطياد في كل مرة. لذا، علينا أن نحاول أن نغش مكنة القمار لمرة واحدة على الأقل، علنا نفلت بالجائزة الكبرى رغما عن بيت القمار. عدا عن ذلك علينا أن نستمر في اللعب حتى لو كنا لا نملك خيارا في أي مكان آخر، لأننا على طاولة القمار نملك خيار شراء الوقت باللعب والخسارة وإبقاء بيت القمار في حالة رعب مستمر من احتمال تدخل الأقدار، لنفوز مرة واحدة على الأقل. إن اقتراب فرص مقامري تل الخوازيق من العدم يجب أن يجعل منهم مخدرين من حزن الخسارة، أكثر هياجاً لحلم الفوز، وهذا يعني أن استسلامهم يصبح أقرب للمستحيل.
..ذلك لأن الفوز بدولار واحد رغما عن بيت القمار في تل الخوازيق، عظيم معجِز بقدر ربح الجائزة الكبرى في فيغاس مرتين متتاليتين.
‘ كاتب وإعلامي إماراتي