ماذا يعني تفجر الاوضاع في البلدان التي يحكمها ‘الاسلاميون’؟ هل حان موعد تنفيذ الفصل النهائي من مخطط اسقاط ما سمي ‘المشروع الاسلامي’؟ من هو المخطط، ومن هم مصممو سياسات تنفيذ المخطط، ان كان هناك ثمة مشروع بهذا المعنى؟ وهل ثمة علاقة بين تصاعد ظاهرة الارهاب التي تمارس باسم ‘الاسلام’ ومشروع الاجهاز على مشروع ‘الاسلام السياسي’؟
الامر المؤكد ان حدوث اضطرابات كبيرة في البلدان ذات الايديولوجية السياسية الاسلامية في وقت واحد ليس صدفة، ولا يستبعد ان تشهد الساحة العربية تصاعدا في ظاهرة استهداف النشطاء الاسلاميين بذرائع شتى، كما حدث في مصر. فقرار ‘حظر’ عمل جماعة الاخوان المسلمين ليس عاديا، بل يحتاج لاصداره توافق بين العديد من الدول المستعدة لتحمل نتائج ذلك القرار الذي لا ينسجم في شكله ومضمونه، مع روح التغيير التي افرزها الربيع العربي، وهو ربيع توالت عليه السنوات ليتحول خريفا قاتلا. ومهما كانت ‘أخطاء’ تلك الجماعة، فانها لم ترتكب ما يبرر اتخاذ قرار بهذه السرعة، خارج الاطر القانونية والمنطقية، بمنع نشطائها من التمتع بحقوقهم المدنية، بالاضافة لسجنهم ومصادرة اموالهم.
واعتقال النشطاء الاسلاميين بمصر، بل ان دولا عديدة قامت في العامين الاخيرين باستهدافهم، ومنها البحرين والسعودية ودولة الامارات العربية. فلو اقتصر الامر على ما يجري في مصر فربما أمكن تفسيره بتجربة العام الواحد من حكم الرئيس محمد مرسي، ولكن تكرره في عدد من البلدان جعل من غير الموضوعية تجاوز افتراض وجود مخطط أشمل لاجتثاث مشروع الاسلام السياسي من الحياة العامة. يضاف الى ذلك ان ظاهرة ‘التخويف من الاسلام’ لم تعد محصورة بالعالم الغربي، بل اصبحت تمارس في العالمين العربي والاسلامي. ولا شك ان ظاهرة العنف باسم الدين ساهمت في تعميق ذلك التخويف، وتدفع الكثيرين لرفض مشروع الحكم المؤسس على الشريعة الاسلامية. ووفقا لسياسات دقيقة تم الربط بين مشاهد العنف والدم على شاشات التلفزيون بالبعد الاسلامي، خصوصا ان فظاعات ترتكب باسم الاسلام، لتصبح ‘حقائق’ في ظل صمت العلماء والقطاعات الاسلامية التقليدية والمعتدلة.
في بداية مرحلة الصحوة الاسلامية قبل اربعين عاما عملت الحركات الاسلامية على تربية الفرد كأساس لبناء المجتمع الذي يطالب بالحكم الاسلامي، وانتجت تلك التجربة جيلا اسلاميا واعيا، يتميز في غالبيته بالوعي والاعتدال والاستقامة والحياة الجادة، ويعتمد الاساليب القرآنية المنطقية في الدعوة والتغيير السلمي الهادىء والتدريجي، الامر الذي وفر قواعد صلبة للمشروع الاسلامي وجعل اعداءه يخشونه ويخططون للقضاء عليه. ولكن تطورات العقود الثلاثة الاخيرة وضعت هؤلاء الاسلاميين امام الامتحان واوصلت بعضهم الى الحكم. وفي اغلب الحالات لم يكن اداؤهم موفقا لاسباب من بينها المعوقات والخطط التي وضعها مناوئوهم امامهم، والاعلام المعادي لمشروعهم، وبث ثقافة العنف بين قطاعات شبابية واسعة لاضعاف قبضة الحركات الاسلامية المعتدلة على القطاعات الشبابية. هذا بالاضافة لاغراءات الحكم والحياة المادية المرتبطة به. ولذلك بدأت الثورة المضادة ضد حكم الاسلاميين في العديد من الدول العربية، ويعتبر الانقلاب في مصر بداية مشجعة لقوى الثورة المضادة للاجهاز على بقية التجارب.
تشهد تونس منذ اسابيع اضطرابات واسعة تضافرت فيها جهود محلية وخارجية للمطالبة بسقوط حكومة ‘الاسلاميين’.
واصبحت حركة ‘النهضة’ التي يقودها الشيخ راشد الغنوشي مستهدفة بشكل مباشر برغم حرص رئيسها على انتهاج خطاب يبالغ في الاعتدال، ويشتمل على تنازلات غير قليلة في مجال التطبيق العملي للمشروع الاسلامي. وتونس اليوم لا تختلف في مظهرها الاخلاقي العام عما كانت عليه سابقا، لان حكومة الاسلاميين فضلت عدم الاستعجال في ذلك. والواضح ان خطاب الحركة ‘المعتدل’ لم يشفع لها طويلا، وما يزال اسقاط حكومتها اولوية لدى قطاعات مجتمعية وجهات اجنبية تسعى للاجهاز على ما تبقى من ظاهرة ‘الاسلام السياسي’. ويمكن القول بان ظاهرة العنف التي ربطت بالاسلام كان لها الدور الاكبر في تهيئة الظروف لخلق مناخ معاد للمشروع الاسلامي. والواضح ايضا ان ضعف اداء قادة الحراك الاسلامي في اغلب البلدان، خصوصا رفضهم التصدي لمصادر التخطيط ضد مشروعهم، واستعدادهم اما لمسايرة المشروع الطائفي او السكوت عليه، كان لكل ذلك أثر سلبي ساهم في تشجيع قوى الثورة المضادة على الاستمرار في مخطط الاجهاز على الاسلاميين. والامر الذي زاد الامر ايلاما تلاشي الحماس الشعبي للمشروع السياسي الاسلامي، والاستعداد للقبول بخيارات غير ديمقراطية، بديلا للاسلاميين. وشيئا فشيئا أصبح الشعور بالانتماء للمذهب او الحزب او الفئة المجتمعية أقوى من الشعور بالانتماء للمشروع الاسلامي. والمذهبية هنا ليست ‘دينية’ بل ‘تراثية’ و ‘قبلية’، ومن يقاتل من اجلها لا يقاتل من اجل المشروع الاسلامي الذي يتضمن الايمان بالعقيدة والشريعة، بل لان الانتماء المذهبي اصبح، في نظر الاتباع، هوية شخصية، كما هو الانتماء للقبيلة او الحزب. اما المشروع الاسلامي فهو يؤسس لبناء الفرد ويسعى لتحقيق مفهوم ‘الشخصية الاسلامية’ فيه، ويعمق لديه الرغبة في ما يسميه القرآن ‘اقامة الدين’. هذه الإقامة تتضمن مبدأ جوهريا يتمثل بوحدة الامة ‘أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه’. بينما الانتماء المذهبي او القبلي او العرقي ينطلق في اساسه من قاعدة ‘الاختلاف’ مع الآخر، وتمايز هوية المنتمين لبقية المذاهب والاحزاب والاعراق. انه الصراع التقليدي بين ‘الأممية’ التي تميز المشروع الاسلامي و’الخصوصية’ التي تصنعها الاجتهادات الفقهية او الشخصية. وكلما تعمقت هذه الظاهرة، ابتعد الانسان عن مشروع ‘الاسلام السياسي’. الصراع هنا يشمل هوية الحكم والموقف ازاء مقولة ‘ما لله لله، وما لقيصر لقيصر’. وسيظل هذا السجال محتدما بسبب الاختلاف على موقع الدين في الحياة العامة، وما ا ذا كان دوره يتجاوز الاهتمام الشخصي ويتصل بالهم المجتمعي. المشروع الاسلامي يتبنى مبادىء يسعى مناوئوه لطمسها. فهو يؤكد اطروحة ‘الامة’ بدلا من الطائفة، ويتعاطى مع قضايا المجتمع بالاضافة لبناء ‘الشخصية الاسلامية’. انه يرفض ما يقال عن ‘الخصوصيات’ التي تطرح كمبررات للانكماش والانفصال عن المشروع العام، ويهتم بالقضايا الكبرى التي تهم ‘الامة’ ولا تخص ‘الشعب’، وتلك التي ترتبط بـ ‘البشرية’ ولا تنحصر في اطار ‘الملة’.
ظاهرة تمدد الشريعة في التصور الديني مرتبطة بالحركات الاسلامية التي عملت منذ سقوط الدولة العثمانية لاستعادة دور الاسلام كجامع لامة المسلمين في مواجهة التكتلات الدولية الهادفة للسيطرة على بلاد المسلمين والهيمنة السياسية عليهم. ولذلك تمت مواجهة هذه الحركات في العقود السابقة بقسوة مفرطة، وسمح لأنظمة الاستبداد بالتصدي للظاهرة الاسلامية في بعدها السياسي. وكانت استجابة المسلمين في بداية عصر الصحوة واسعة، خصوصا في اوساط الطلاب والشباب. وبرغم القمع الذي قوبلت به الظاهرة الا انها تمددت وتوسعت آفاقها خصوصا بعد ان انتصرت اول ثورة اسلامية في العصر الحديث ضد قوة تعتبر رمزا للهيمنة الغربية على العالم الاسلامي. ولا يمكن لاية ثورة حقيقية ان تكون ‘مذهبية’ وان كان روادها منتمين لهذا المذهب او ذاك. بل ان ثورات التغيير تتجاوز الانتماء الديني، وان كانت ‘اسلامية’. فهي تنطلق على اساس ان الدين يحتضن الجميع وان التخندق وراء العصبيات الدينية او المذهبية لا يخدم الهدف السياسي العام، بل يؤدي الى التفتيت والتشرذم. وما هي الا عشرة اعوام بعد ثورة ايران حتى بدأت قوى الثورة المضادة تخطط بجد ووعي ضد مشروع الاسلام السياسي. وقد استغرق التخطيط ربع قرن من الزمن تم خلالها وضع أطر الحراك المناوىء للطرح الديني، وتم استقطاب قطاعات واسعة من الاجيال الشابة التي تأثرت بالدعاية الغربية، واصبحت اسيرة للثقافة الليبرالية الغربية. في البداية استهدفت التجربة الايرانية بشكل مكثف، ومورست عليها كافة الضغوط الاعلامية والسياسية والامنية حتى وصل تأثير ذلك للقطاعات المجتمعية الايرانية نفسها. وقد تجلت مقاومة مشروع الاسلام السياسي الايراني في اوضح صورها في الاحتقان الذي ساد البلاد في إثر الانتخابات الرئاسية الايرانية في العام 2009. ولكن القيادة الايرانية استطاعت احتواء تلك الهجمة باساليبها الخاصة الامنية والاعلامية والتربوية. مع ذلك ما تزال الظاهرة مقلقة للنظام الذي لم يستطع احداث التغيير المطلوب في العقلية الجمعية التي تتقبل حكم الشريعة.
التحدي الاكبر لاعداء المشروع الاسلامي انطلق من مصر بعد ثورات الربيع العربي. وكان مفاجئا فوز الاخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فكان على تلك القوى التخطيط للانقلاب ضدهم، ووضع نهاية لتوسع دائرة الاسلام السياسي. لكن الانقلاب في مصر ليس كافيا، خصوصا بعد صعود الاسلاميين للحكم في عدد من البلدان العربية. وهكذا بدأ استهداف التجارب الاخرى بشكل ممنهج. فها هي تجربة حركة النهضة في تونس، وهي امتداد للاخوان المسلمين، تتعرض لتحد مشابه لما حدث في مصر. فالاتحاد العام للشغل اصبح يقود المظاهرات والاحتجاجات التي يطالب المشاركون فيها باستقالة الحكومة التي تهيمن عليها حركة النهضة الاسلامية. وجاء اغتيال اثنين من المعارضين في الاثني عشر شهرا الماضية ليؤجج الصراع بين العلمانيين والاسلاميين، وليعمق المطالبة باسقاط حكومة النهضة. ويوما بعد آخر تتصاعد الاحتجاجات التي يتوقع ان تحقق ما يريده المحرضون عليها متمثلا بانهاء تجربة الاسلاميين. ويلعب الاعلام دوره في تهيئة الظروف للاحتجاج والتأليب، خصوصا مع وجود قوى اجنبية تخطط منذ زمن لمنع استمرار الاسلاميين في الحكم.
وفي السودان تصاعدت الاحتجاجات في الايام الاخيرة مطالبة بسقوط حكم البشير الذي يعتبر نظامه في جوهره ‘اسلاميا’، باعتباره امتدادا للاخوان المسلمين. وسقط عشرات القتلى في المواجهات بين قوى الامن والمتظاهرين بسبب رفع الدعم عن اسعار البنزين، الامر الذي عمق الشرخ بين النظام ومناوئيه. فثمة استهداف للنظام السوداني الذي يحسب في خانة الانظمة التي تتبنى الشريعة الاسلامية، برغم ما في تلك التجربة من تعقيدات ومثالب. وبرغم تقسيم السودان واعطاء المسيحيين دولة تسيطر على ثلث مساحته، فان استهداف النظام الذي يرأسه الفريق عمر البشير ، يعني استمرار سياسة استهداف المشروع السياسي الاسلامي. ويستغل المناوئون بقاء عمر البشير رئيسا للسودان قرابة ربع قرن، وهي تجربة غير مشجعة على التحول الديمقراطي المنشود. ان محنة السودان لا تختلف عن معاناة بقية اصحاب الاطروحات المؤسسة على ‘الاسلام السياسي’ برغم ان الشخصية الاولى فيها هو البشير الذي كان ضابطا بالجيش قبل الانقلاب الذي قام به في 1989. وطوال تلك الفترة شعر الغربيون ان استمرار حكم الاخوان في السودان سيؤدي بشكل سلبي لوضع مشابه للوضع السوري.
مطلوب اعادة النظر في جوهر مشروع الاسلام السياسي الذي يعتبر الثمرة الاهم للصحوة الاسلامية التي يبدو انها دخلت مرحلة الشيخوخة. فليس سرا القول بان الاعلام المناوىء للمشروع السياسي الاسلامي يصعد اعلامه المضاد ويشوه صورة الاسلاميين مستغلا انتشار ظاهرتي العنف والطائفية، فهاتان آفتان تفتكان بالمشروع السياسي للاسلاميين وتسهل مهمة المتصيدين لهم. ولاسباب عديدة من بينها ضعف اداء بعض فصائل الاسلاميين في السلطة واستدراجهم لمواقف دفاعية هشة، تراجعت ثقة الجمهور بالمشروع الى المستوى الذي جعل الكثيرين يرحبون في البداية بالانقلاب العسكري في مصر. وهناك من يتمنى ان يكون هناك ‘سيسي’ آخر في العراق ليسقط حكم الاسلاميين هناك. وليس من قبيل الصدفة ان تحدث الازمات في اغلب البلدان التي وصل الاسلاميون الى الحكم فيها، وان يحدث ذلك بعد ما جرى في مصر. اصحاب المشروع الاسلامي اصبحوا مطالبين باعادة حساباتهم من جهة، وربما العودة الى مرحلة التثقيف والتربية التي سبقت العمل السياسي، خصوصا مع نضوب الكوادر الكافية لمواجهة التيارات المعادية لهم ، واستنزافهم بالتنكيل والسجون طوال العقود الثلاثة الماضية، واستعادة قوى الثورة المضادة المبادرة في التصدي لمشروع الاسلام السياسي. وربما لم تمر فترة ضعف فيها رواد المشروع وكوادره كالفترة الحالية. وما لم يتم تجديد دماء رواد المشروع واساليب طرحه، واحداث انقلاب في الثقافة والتصورات الجماهيرية لتستوعب المشروع الاسلامي، واصلاح البيت الاسلامي من الداخل، فسيكون التراجع سيد الموقف ولن يكون للمشروع نصيب من النجاح.
‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن