هل أتاك حديث الصفح؟
محمد بنعبد القادرهل أتاك حديث الصفح؟عبر مشاهد فيلم لجنة الحقيقة لأندريه فان إين نتابع جلسات الاستماع العمومية في قاعات متواضعة أشبه بقاعة أي محكمة عادية، غير أن الموقف هنا يبدو أكثر مهابة واستشفاء، هنا ينهار الجلاد العنصري ويتوسل في طلب الصفح والمغفرة من ضحية يعاني جروحا ما كان لها أن تندمل فقط بسقوط نظام الابارتايد، هنا يستمع الحضور إلي الشهادات والاعترافات بين انهمار الدموع وزفير التراتيل، هنا يعترف رئيس اللجنة الاسقف ديزموند توتو أنه عندما يدخل إلي قاعة الاستماع يحس بأنه داخل في محراب عبادة لهول الموقف وجلال المشهد.تقدمت أرملة بيكي تشهد أمام الملأ كيف عثرت علي أشلاء زوجها ممزقة في المرآب وفي لحظة قصوي من شهادتها المزلزلة تسأل كيف يمكن أن اصفح عن هذا السفاح. لتجيبها ياسمين سوكا مندوبة اللجنة بكامل الهدوء صحيح ان هؤلاء الاشخاص يلتمسون العفو ولكنك لست ملزمة بالصفح عنهم إن شئت وتضيف في لحظة اخري لست ملزمة بالصفح سيدتي أما نحن فسنعفو عنهم.لعل هذا التقاطع الملتبس بين الصفح والعفو هو الذي شكل الخاصية الاساسية والاستثنائية لتجربة الحقيقة والانصاف في جنوب افريقيا، وهو ما جعل هذه التجربة تندرج ضمن اشكالية فلسفية مفتوحة هي اشكالية الفصل والوصل بين السياسة والاخلاق.لقد كانت بصمات الاخلاق واضحة في تقرير اللجنة، وعندما نستحضر ان رئيسها هو كبير اساقفة الكنيسة الانجليكانية، فإننا لا نستغرب وجود أنفاس دينية في مضامين هذا التقرير الذي شكل في النهاية بؤرة ضوء ساطعة التقت فيها السياسة بالدين والاخلاق بالقانون.لم يكن مفهوم الصفح واردا في المجتمعات البدائية والتقليدية وكان يتم اللجوء لفض النزاعات إلي شريعة العين بالعين والسن بالسن كما نجد في احدي اقدم شرائع التاريخ الانساني التي سطرها قانون حمورابي. ومضت انظمة الثأر والانتقام تتطور عبر التاريخ في مختلف المجتمعات، حيث تتعبأ العشائر والعوائل لضمان أمنها الجماعي عبر إجراءات ردعية متبادلة تلعب دور الضابط الاجتماعي المحافظ علي موازين القوي.ومنذ أن تطورت الكيانات السياسية، وفرضت اجهزة الامن والقضاء سلطتها بدأ الناس يفوضون لها صلاحية معاقبة المعتدي وإن كان مبدأ الثأر سيستمر في صلب فلسفة العقاب ونظام العدالة مع كثير من العسف ما فتئ يولد العنف والعنف المضاد.أما مفهوم الصفح فقد ورد أولا في الوصايا العشر، ولكنه لم يكتسب دلالته القوية إلا مع السيد المسيح الذي صفح عن يهوده وجلاديه وكافة أعدائه.ورغم انتشار المسيحية ظل مفهوم الصفح صعب التحقق بفعل الشروط السياسية والاجتماعية السائدة. وكانت قواعد الفروسية وأخلاق النبلاء تقتضي منازلة الخصم حفظا للشرف وماء الوجه أما الصفح فقد كان مرادفا للجبن والعار.هكذا لم تختف الرغبة في المعاملة بالمثل ورد الشر بالشر من ذهنية الانسان المعاصر وسلوكه اليومي، وإن كان فقهاء اللاهوت وعلماء النفس والاجتماع يتفقون علي ما في سلوك الثأر من مشاعر ذات صبغة سلبية مدمرة، تجعل صاحبها مثقلا بالاحقاد مهووسا باستراتيجيات الثأر التي تؤجح نار الانتقام وتؤول في بعض الاحيان إلي افعال جرمية أو نزعات انتحارية باثولوجية.أما علي صعيد السياسة، فإن سؤال الصفح لا زال مفتوحا علي مصراعيه، إذ لا زال الناجون من معسكرات الاعتقال النازية يلاحقون المجرمين النازيين رافضين لكل صفح أو نسيان، فالجرائم ضد الانسانية في نظر حنا أزندت جرائم لا تغتفر ولا تقبل الصفح، وباسم كرامة الانسان وذاكرة الضحايا يصر فلاديمير جانكليفيتش علي أن الصفح مات في معسكرات الموت، ولا زالت أمهات ساحة ماي في بوينوس أيريس تردد لا صفح ولا نسيان.لكن هناك من يعتقد بالمقابل أن سلوك الثأر ينحو إلي الاختفاء من المجتمعات البشرية وأن الحضارة الانسانية لا بد أن ترفع في مسار تطورها ثقافة الصفح والتسامح إلي مرتبة القيم الكونية السامية. وليست الحركة العالمية المطالبة بإلغاء عقوبة الاعدام إلا مظهر من مظاهر هذا التطور، حيث نجد نصف بلدان العالم قد ألغت عقوبة الاعدام.إذا كانت تجربة الحقيقة والانصاف في جنوب افريقيا لها من الخصوصيات ما جعلها تنقل مفهوم الصفح من مجال الدين إلي مجال السياسة من أجل تحقيق المصالحة الوطنية، فإننا في المغرب نجد جلالة الملك حريصا علي تأصيل مفهوم الصفح انطلاقا من أرضية إسلامية واضحة، هو الذي نصب هيئة الانصاف والمصالحة بالدعوة إلي المصالحة السمحة الكاظمة للغيظ وهو الذي توج عملها بمواساة الضحايا واعلان الصفح الجميل. لا شك أن الارادة الملكية كانت متجهة في البدء والختام إلي استنبات آلية العدالة الانتقالية في تربة مغربية خالصة، ولا شك أن ارتكاز التجربة المغربية علي روحانية الصفح الجميل سيشكل نموذجا لامعا لمختلف المجتمعات الاسلامية التي يمكن أن تستوحي من هذه التجربة ما يجعلها تنتبه إلي ما يزخر به الموروث الاسلامي من قيم الحلم وكظم الغيظ والمغفرة وما تحفل به أسماء الله الحسني من دلالات الصفح، فهو تعالي الرحمان الرحيم والغفور الغفار والثواب والرؤوف والعفو والسلام.للباحثين أن يجتهدوا اليوم في معاني الصفح الجميل من صفح بلا عتاب ولا عقاب إلي صفح مبين للخطأ إلي صفح يرفع العقوبة عن المخطيء متي ما كان الحال يحتم عدم التجاوز والتغاضي.0