حرية الصحافة في تونس إلى أين؟

حجم الخط
3

تونس ـ «القدس العربي»: يتفق جل المحللين على أن من المكاسب الهامة التي تحققت في تونس بعد زلزال 14 كانون الثاني/يناير 2011 إضافة إلى النجاح في بناء نظام ديمقراطي يتحسس خطواته الأولى، هو حرية التعبير التي باتت واقعا، الأمر الذي انعكس ايجابا على عمل الصحافيين. فقد أصبح مباحا للتونسيين، انتقاد أي كان بمن في ذلك رئيس الجمهورية شريطة عدم الثلب أو القذف أو انتهاك العرض أو الكذب والادعاء على الناس بالباطل.
لكن البعض يرى أن هناك تراجعا في منسوب الحريات تعيشه تونس في الآونة الأخيرة وذلك نتيجة انتهاكات حصلت للصحافيين من قبل رجال الأمن خلال تغطيتهم للاضطرابات الاجتماعية التي عاشتها الخضراء منذ قرابة الشهر. وخلقت هذه الاعتداءات أزمة حقيقية بين الإعلاميين والأمنيين وصلت إلى حد دعوة نقابة الصحافيين إلى إضراب عام واستقبال رئيس الجمهورية لرئيس النقابة للتخفيف من حدة الاحتقان، خاصة وقد لقيت دعوة النقابة تجاوبا كبيرا من قبل الصحافيين الذين هبوا لتلبية الدعوة.
وفي هذا الإطار تعتبر الصحافية التونسية منى اليحياوي أن هبة الصحافيين التونسيين دفاعا عن حرية التعبير مردها الأساسي الخوف من التفريط في المكسب الوحيد والبارز إلى حد الآن في مسار «الثورة التونسية» في ظل وجود مؤشرات مقلقة ومن أهمها تواتر وتنامي الاعتداءات على الصحافيين. فلا أحد اليوم، من الصحافيين أو من المجتمع المدني، وكذلك جزء مهم من النخبة، وحتى الطبقة السياسية والرأي العام، مستعدون، وحسب محدثتنا، وتحت أي شكل من الأشكال للعودة إلى الوراء، إلى مربع الطاعة والتضييقات على حرية التعبير بمعانيها الشاملة والمختلفة ومنها محاولات التضييق على حرية الصحافة وانتهاك كرامة الصحافي وحرمته الجسدية والسعي لمصادرة الحق في التظاهر والاحتجاج السلمي المكفول بالدستور.

الخشية على المكسب

وتضيف اليحياوي قائلة: «لقد تتالت في الفترة الأخيرة المؤشرات السلبية المهددة لحرية الصحافة وفي مقدمتها الاعتداءات والتضييقات التي تمارس على الصحافيين من قبل الأجهزة الأمنية وذلك ما دفع بالهياكل الممثلة لقطاع الصحافة والإعلام للتحرك والدعوة إلى يوم غضب والتلويح بكل أشكال التصعيد الممكنة دفاعا عن حرية التعبير وحرية الإعلام. وكشف التقرير الأخير لشهر كانون الثاني/يناير الصادر عن وحدة الرصد في «مركز السلامة المهنية» التابع للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين عن عدة خروقات واخلالات في حق الصحافيين، حيث تم رصد 18 اعتداء، وسجل التقرير أيضا أن الأمنيين تصدروا ترتيب المعتدين بـ8 اعتداءات في حين احتل المواطنون المرتبة الثانية بـ5 اعتداءات وحل النقابيون الأمنيون في المرتبة الثالثة بـ3 اعتداءات. وردا على تتالي الاعتداءات على الصحافيين من قبل الأمنيين طالبت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين رئاسة الحكومة بالتحقيق في «تجاوزات وزارة الداخلية واعتداء أعوانها على حرية الصحافة وضرب جوهر حرية التعبير».
وتعتبر الصحافية التونسية أن هناك نوعا آخر من التهديد لحرية الصحافة التي يعتبرها الإعلاميون في تونس لا تخدم بأي شكل من الأشكال المسار الديمقراطي، وهي تلك الصادرة عن الأحزاب والأطراف السياسية التي يهدد بعضها من حين إلى آخر بمقاضاة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية أو تحميل الإعلام والصحافيين وزر أخطائهم وفشلهم أحيانا في التعاطي مع الشأن السياسي ومع إدارة شؤون الحكم. وتذكر محدثتنا هنا ما أقدمت عليه حركة النهضة مؤخرا من اصدار بيان أشارت فيه إلى «تتالي الحملات التشويهية الممنهجة ضد الحزب وتمادي بعض الأصوات الإعلامية في الحاق التهم الباطلة بالحركة والتحريض على قياداتها»، ملوحة بالتوجه للقضاء لرفع قضايا في الغرض، الأمر الذي اعتبره الصحافيون تهديدا وتحريضا ضدهم رافضين في الآن ذاته «منطق التخويف بالملاحقات القضائية لأنه يصب في دائرة الترهيب وتكميم الأفواه والحد من هوامش حرية التعبير والصحافة».
وتختم اليحياوي بالقول: «أشارت نقابة الصحافيين ردا على التهديد بمقاضاة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية أنها بالقدر الذي تتابع فيه وترصد كل التجاوزات والاخلالات المهنية وترفضها وتدفع باتجاه التعديل الذاتي للقطاع فإنها ترفض التهديد وسياسة التخويف وتعتبر أن صحافة حرة تقوم بأخطاء واخلالات أفضل بكثير من صحافة التعليمات والتعتيم. كثيرون اليوم في تونس وفي مقدمتهم الصحافيون انخرطوا في المسار الديمقراطي ولن يسمحوا بالعدول عن هذا الخيار كما لن يتوانوا عن رفض كل ممارسات القمع وتكميم الأفواه. بالإضافة إلى عدم التردد ولو لحظة في التشهير والتنديد بالرغبات الظاهر منها والمبطن في وضع اليد من جديد على قطاع الإعلام في تونس».

حرية لم تستقر بعد

وتعتبر الكاتبة والصحافية في جريدة «الصباح» اليومية التونسية منية العرفاوي في حديثها لـ«القدس العربي» أنه رغم أن حرّية الرأي والتعبير تعدّ من أبرز منجزات الثورة التونسية إلا أن هذه الحرّية لم تستقرّ بعد، حيث ما زلنا نسجّل انتهاكات جسيمة لحرّية الرأي والتعبير دفعت بالصحافيين إلى إعلان غضبهم من خلال «يوم الغضب» الذي دعت إليه النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين. غضب يتأتّى أساسا من الاعتداءات التي يتعرّض لها الصحافيون والتي تجاوزت الاعتداءات المعنوية إلى الجسدية وحجز المعدّات والمنع من تغطية الاحتجاجات الاجتماعية وخاصّة الاحتجاجات الأخيرة ومن المضايقات الأمنية ومن المنع من قبل السلطات الرسمية من حقّ النفاذ إلى المعلومة في بعض الملفات، وكذلك تعطيل عمل مراسلي الصحافة الأجنبية والتضييق عليهم.
وتضيف قائلة: «لقد شهد الحراك الاجتماعي الأخير موجة من التضييقات على عمل الصحافيين سواء المحليين أو الأجانب في سعي من السلطات للتعتيم على واقع هذه الاحتجاجات ضدّ قانون المالية 2018 والمطالبة بإسقاطه. وهو ما رفضته بشدّة الهياكل المهنية التي نبهت من مغبة الانسياق خلف التعتيم وحجب المعلومة، وتمسّكت بالدفاع عن حرية التعبير وحرية الإعلام لا فقط كمبادئ دستورية، بل كإطار مجتمعي للحوار والنقاش العام يستفيد منها كل أطراف الساحة السياسية والمجتمعية، ولكن للأسف اليوم نعاين أن بعض الأحزاب قد ضاقت ذرعا بحرّية الرأي والتعبير وتلوّح باللجوء للقضاء كما ذهبت إلى ذلك حركة النهضة في بيانها الأخير بتعلّة تعرّضها للتشويه من طرف بعض وسائل الإعلام».
ويتعرّض الصحافيون اليوم، حسب محدثتنا، إلى التهديد والتحريض ضدّهم والتخويف بالملاحقات القضائية وهو ما يدفع في رأيها، وبطريقة أخرى نحو الترهيب وتكميم الأفواه. وتضيف العرفاوي معتبرة أنه عندما ننظر لحجم الاعتداءات التي تعرّض لها الصحافيون خلال شهر كانون الثاني/يناير وتجاوزت 18 اعتداء، واحتل الأمنيون فيها صدارة المعتدين، ندرك حجم المخاطر التي تحيط بحرّية الرأي والتعبير التي تبقى مهدّدة ويبقى الصحافيون عرضة للضغوطات المختلفة التي ستؤثّر حتما، على جودة عملهم وتعطّلهم عن القيام بمهامهم.

ضرورة وضع ميثاق

ويعتبر مروان السراي الباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق في حديثه لـ«القدس العربي» أنه لا يختلف اثنان على أن حرية التعبير هي مكسب تونسي لا محيد عنه و لا أحد يقبل بالعودة إلى الوراء والتنازل عن هذا المكسب. لذلك فإن محدثنا يرى أنه لا بد وضع الآليات التي تنظم العلاقة بين الإعلامي ورجل الأمن الذي يعتبر بدوره مهما لتحقيق الاستقرار في المناخ الديمقراطي المزمع إنشاؤه.
ويضيف السراي: «لا بد أن يجلس ممثلون عن النقابة الوطنية للصحفيين وممثلون عن وزارة الداخلية وان يضعوا ميثاق شرف للتعامل بين الجانبين، ميثاق يحترمه الجميع وإن تم تجاوزه من هذا الطرف أو ذاك يتعرض المعتدي إلى الردع بشتى الوسائل الممكنة. فتونس بحاجة إلى إعلاميين يعملون في ظروف جيدة دون مضايقات أيضا، وبحاجة إلى أمن جمهوري قوي يحفظ النظام ويحترم حرية التعبير ويحمي الصحافيين من الاعتداءات ولا يكون طرفا في خلافات مع أي قطاع».
ويعتبر محدثنا أن المناخ الحالي في تونس غير صحي وغير سليم ومعيق لعمل الصحافي وذلك رغم التحسن الكبير ورغم الريادة التي لا يمكن إنكارها عربيا وافريقيا في مجال حرية التعبير. فالتونسيون، حققوا الكثير في مجال حرية التعبير وما زال ينتظرهم أيضا الكثير في هذه المرحلة من المخاض والبناء لنظام ديمقراطي حقيقي غير طائفي وغير محروس لا من مؤسسة ملكية أو عسكرية لتكون الاستثناء عربيا. وجب التأسيس لعلاقة سليمة بين الصحافي وبين رجل الأمن، علاقة مبنية على الاحترام ومعرفة كل طرف لحدوده والحرص على عدم تجاوزها.
فالصحافي حسب السراي حين يغطي الاحتجاجات يكون بصدد العمل مثل الموظف الذي في الإدارة، وبالتالي لا يجوز صفعه أو الاعتداء على معداته التي يعلم الله وحده كيف تمكن هو أو مؤسسته من اقتنائها بحثا عن لقمة العيش في مهنة المتاعب. كما أن بعض الصحافيين يتجاوزون أحيانا القانون، ووجب على النقابة أن تؤطر هؤلاء وتنجز لهم دورات تكوينية تعرفهم بحقوقهم وواجباتهم وأن تضرب بقوة على أيدي المتجاوزين منهم، وفي النهاية فإن انتهاكات الصحافيين لا تقارن بانتهاكات الأمنيين ولا يمكن المساواة بين الطرفين.
أما عن تهديد بعض الأحزاب السياسية بالتشكي بالصحافيين إلى القضاء، فيعتبر مروان السراي أن على هذه الأحزاب أن تتذكر ماضيها حين كانت تعاني من القمع فلم تجد غير الإعلام لإيصال صوتها. وعليها بناء على ذلك أن تكون صبورة مع الصحافيين وأن لا يضيق صدرها بانتقاداتهم إلا إذا كان التجاوز من قبلهم خطيرا، وعلى حد علم محدثنا فإن هجوم بعض الصحافيين على هذا الحزب أو ذاك ليس بالخطورة التي تجعله يلجأ إلى القضاء للجم الصحافي، اللهم إلا إذا كانوا معتادين على ذلك ونالوا سابقا تعويضات مالية نتيجة ذهابهم إلى القضاء تشكيا بهذه المؤسسة الإعلامية أو تلك ويرغبون في إعادة الكرة.
ويضيف: «قيادات الأحزاب السياسية التونسية كانوا يتمنون مداخلة في هذه الصحيفة أو تلك، وتسابقوا على الحضور في المنابر الإعلامية منذ 2011. واليوم بعد أن أصبحوا مشاهير بفضل الصحافة نجدهم إما يهددون باللجوء إلى القضاء أو يمتنعون عن الإدلاء بتصريحات وعن التواصل مع الإعلاميين، غير مدركين أنهم ناشطون في الشأن العام ومن حق أنصارهم كما معارضيهم أن يعرفوا عنهم كل شيء فيما يتعلق بنشاطهم العام، ولا يتم ذلك إلا بحسن التواصل مع وسائل الإعلام الكفيلة وحدها بإيصال المعلومة إلى الجماهير.
لا يمكن بناء نظام ديمقراطي دون صحافة حرة غير مقموعة تصل إلى المعلومة براحة ودون عناء، يحترم المنتسبون إليها القانون ولا يتجاوزونه خصوصا إذا تعلق الأمر بالنظام العام. ولا يمكن بناء هذا النظام المنشود إذا كان الساسة ممن يضيق صدرهم بالنقد ويلوحون باستعمال سلاح القضاء لترهيب الصحافيين وردعهم عن قول الحقيقة».

حرية الصحافة في تونس إلى أين؟

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية