النبأ السار من اللقاء العتيد بين دونالد ترامب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ اون، فاجأ الإنسانية ومنح بضع ساعات من الهدوء للسلام العالمي الذي يقترب. ها هي هنا عملية عظيمة خارقة للمسلمات بقوة نكسون في الصين والسادات في القدس، والتي تضرب الخبراء وتدهش الدبلوماسيين. ولكن لأن موضوعنا هو ترامب، فإنه خلال فترة قصيرة استبدل الأمل بالخوف، ورؤية يوم القيامة تحولت إلى كوميديا. لقاء، نصف لقاء، تساءلوا في عواصم العالم، هل هذا حقيقي أم أننا نحلم.
كما هو معروف فإن الاتصالات من أجل قمة أمريكية ـ كورية شمالية، أيضا إذا رافقتها تناقضات، تراجعات وتشويش عام، هي أفضل من التصريحات الهجومية المتبادلة بين كيم وترامب، التي قبل أشهر معدودة كأنها تدفع الطرفين نحو الحرب. ربما الكيمياء الشخصية بين الزعيمين ستخلق رد فعل مدهشا، ربما يؤدي إلى تهدئة الوضع، وحتى إلى البدء بنزع السلاح النووي لكوريا الشمالية. حسب هذه النظرية، التي يراها إسرائيليون كثيرون حالة تجريبية لإيران، فإن التهديدات الفاضحة لترامب بتدمير كوريا الشمالية وزيادة العقوبات على بيونغ يانغ حققت نتائجها المرجوة، رغم أنف من يكرهون ترامب والمهنيين المتشائمين.
الاحتمال الآخر الذي يقف التاريخ إلى جانبه، هو عدم تنازل كوريا الشمالية في أي يوم عن طموحاتها النووية ورغبتها في اعتبارها دولة عظمى إقليمية ذات ثقل في شرق آسيا. كيم يدرك نقاط ضعف ترامب، وفي تطلعه في أن يترك بصمة مميزة على التاريخ، وهو يتسلى بهذا الأمر ويغريه بتعهدات ضبابية دون تغطية. في هذا السيناريو السيء فإن كيم يسير في أعقاب والده كيم جونغ ايل، الذي أصاب رؤساء أمريكيين بالجنون: لقد استهزأ من ترامب وتسبب بفضيحة للولايات المتحدة. في السيناريو الأسوأ، الخدعة التي تخرج عن السيطرة، حيث شبه الجزيرة الكورية تنزلق نحو الحرب.
في الحقيقة استجابة ترامب لاقتراح لقاء كيم تمنح زعيم كوريا الشمالية هدية ثمينة لم يمنحها زعماء سابقون: اعتراف وشرعية. منذ عهد جيمي كارتر وحتى عهد براك اوباما فإن رؤساء كوريا الشمالية أظهروا رغبتهم في الالتقاء مع نظرائهم الأمريكيين، لكن جميعهم رفضت طلباتهم. سلف ترامب أدرك، وأحيانا متأخر جدا، أن بيونغ يانغ تلعب بهم بالكلمات وحتى باتفاقات مكتوبة. ترامب هو الأول الذي لم يطلب تعهدات قاطعة بخصوص المستقبل، واكتفى بتعهد من كوريا الشمالية بعدم إجراء تجارب نووية أو بالستية قبل إجراء اللقاء. خلافا للإجراء السياسي المطلوب، فإن ترامب أيضا وافق على المشاركة في لقاء من دون الإعداد له مسبقا ومن دون تحقيق توافقات بخصوص مضمونه أو نتائجه. هو يعمل حسب مقاربة «على باب الله». هو يؤمن أن حكمته العليا وشخصيته الجذابة ستغطي على كل شيء.
الأمر استغرق بضع ساعات منذ الإعلان الاحتفالي الأول عن اللقاء المرتقب من أجل أن يبدأ البيت الأبيض بما تم اعتباره خطوات تراجع. إعلان المتحدثة سارة هاكبي ساندرز، عمل على تبريد الحماسة العالمية وأثار الشك فيما إذا كأن اللقاء سيجري في النهاية. البيت الأبيض سارع إلى الإعلان أن الولايات المتحدة لا تضع شروطا جديدة، لكن المشاهدين أصبحوا مشوشين.
التصريحات المتناقضة بالتأكيد ليست الأخيرة، تعبر عن الصراع الذي يجري خلف الكواليس في واشنطن، ليس فقط بين الصقور والحمائم، بل أيضا بين القدامى العقلانيين ومنهم عدد من مستشاري ترامب نفسه الذين يخشون من مقاربته غير التقليدية وبين الرئيس ومتملقيه الذين يؤمنون بأن مقاربته الفاضحة والزئبقية ستصفع وجوه الخبراء المتصلبين الذين فشلوا حتى الآن.
الردود على نبأ إجراء اللقاء أظهرت مجددا الرياء غير المفهوم الذي يرافق سياسة الغرب في عصر الاستقطاب العنيد. أولئك أنفسهم الذين يهتفون الآن لترامب على جرأته، كانوا سيعلقون باراك اوباما في ميدان المدينة لو أنه تجرأ على الموافقة على الالتقاء مع زعيم كوريا الشمالية بدون أن يحصل منه مسبقا على تنازلات ملموسة. هذا هو اليمين الأمريكي نفسه الذي اعتبر اوباما متملقا وضعيفا أمام عدوانية الرئيس بوتين، والآن هو يتجاهل الهجوم المباشر والفاضح للكرملين على ديمقراطية الولايات المتحدة، ويتجاهل الاتهام بأن وكيله لتنفيذ المؤامرة كان ترامب نفسه. هذا يذكر بشكل خاص بزعماء الليكود الذين كانوا أمراء سلطة القانون والأخلاق عندما فسد اهود اولمرت، والآن يتصرفون كآخر خادمي العراب الذي ضبط متلبسا.
من يؤيدون ترامب في إسرائيل يريدون وصف لقائه مع كيم كمرآة لسلوكه في الشرق الأوسط: حسب هذه النظرية، استعداد ترامب لاتخاذ خطوات مصممة وتحطم الوضع الراهن ـ الاعتراف بالقدس، الخضوع للسعودية، الاستعداد للمخاطرة بحرب ضد إيران ـ يقوي إسرائيل والولايات المتحدة ويردع الأعداء ويسرع احتمال إزالة التهديدات، ليس من خلال حرب وسفك دماء. إذا كان ترامب مستعدا الآن لمدح وتعظيم الشخص الذي سماه في الماضي غير البعيد بـ «الرجل الصاروخ»، فمن سيضمن أنه سيقوم في صباح يوم ما بعد وجبة دسمة من الرياء الإيراني ويعلن أنه في الحقيقة الحديث يدور عن زعماء عقلانيين، يشكل أيمانهم الديني ملهما لهم أو أن نتنياهو بتفكير ثان هو خاسر غبي. من بالضبط يضمن أن الرئيس المستعد للوقوف في يوم ما على يمين لوبي السلاح في الولايات المتحدة، وفي اليوم الثاني يدعو إلى نزع تام للسلاح، لن يقرر تغيير جلده بين عشية وضحاها ويتحول من أحد الذين صنعوا معروفا لليهود، إلى أحد الذين يحتمل أن يقفوا ضد إسرائيل.
نحن لا نريد الحديث عن أنه في الوقت الذي يدعو فيه ترامب ضد الاتفاق النووي اللعين مع إيران، والذي لم يكن ما هو أكثر فظاعة منه، يقوم موظفوه بالتوقيع غدا صباحا على اتفاق مشابه مع كيم، لو أنه فقط وافق على ذلك. هكذا، إلى جانب إمكانية أن موقفا صلبا أمام بيونغ يانغ ستردع أيضا طهران وتقنعها بالموافقة على تغيير الاتفاق النووي، هناك الإمكانية المعاكسة في أنه خلال اللقاءات مع كوريا الشمالية يقرر ترامب فجأة بأن الاتفاق مع إيران ليس فظيعا بهذا القدر، ولا سيما إذا تم نسيان أنه وقع من قبل اوباما.
نتنياهو حقا يصف ترامب كجرف صامد يقف دائما إلى جانب إسرائيل، لكن فعليا الحديث يدور عن زعيم رئاسته ليست أكثر من دورة روليت. في نهاية الأسبوع ذكروا اسم ترامب كمرشح محتمل لجائزة نوبل للسلام، لكن بنفس تلك المعقولية يمكن أيضا وصفه بالولد الشقي الذي يلعب بعود الثقاب قرب برميل فيه مادة قابلة للاشتعال. الانفجار سيحدث حتى لو تأخر.
هآرتس 11/3/2018