نقض ابن خلدون في رواية «العلامة» لبنسالم حميش

حجم الخط
0

«القدس العربي» ـ من عبدالدائم السلامي: إن النشأة الإسلامية للكتابة التاريخية العربية، حفزت المؤرخَ على أن يتصف بشروط رواة الحديث النبوي، حتى يحوز صدقية ما يؤرخ له من أحداث، بل ومكنته من ملامح راوي الحديث، وهي ملامح ارتكزت في أغلــــبها على صفات ذات علاقة بالورع والتقـــــوى والعدالة ومعرفة الرجال والتفقه في طرائق النقل. إلا أن دخول التاريخ، مدونةً ومؤرخين، ضمن بنية الرواية مكـــن كُتابَها من إعلان مواقفهم من التاريخ العربي الإسلامي، وجعلهم يعيدون مساءلته من جديد، حول ظروف كتابته وملامح كتابه.
وهي مساءلة بلغت حد انتهاك قداسة المؤرخ والشك في نزاهته العلمية والأخلاقية، حيث وقفنا في رواية العلامة لبنسالم حميش على مظهرين من مظاهر ذاك الانتهاك: أولهما انتقاد ابن خلدون للمؤرخين، ولنظريته في العصبية، وثانيهما القدح في سلوك المؤرخ السياسي والاجتماعي.

مؤرخ ينتقد مؤرخًا

اتكأت رواية العلامة في نقدها لعلم المؤرخين وسلوكهم على شخصية السارد (وهو المؤرخ ابن خلدون)، كما لو أنها ترغب في هدم هيكل قداسة هؤلاء المؤرخين من الداخل، أي بيدي مؤرخ مثلهم، وفي ذلك ما ينبئ برغبة الروائي في تسليط يقظته الفكرية على مدونة تاريخنا العربي الإسلامي، والوقوف على ما فيها من هَنات، إذ سيقف قارئ هذه الرواية على حقيقة أن نقدها ينصب على أعمال المؤرخين الذين زاغوا عن جادة الصدق في تدوين الأخبار ومالوا فيها إلى تغليب مصالح معيشهم الشخصي على مصالح بناء المعرفة التاريخية. وإذ يوصف بطلها ابن خلدون لكاتبه «حمو» ملامح هؤلاء توصيفا فيه كشف لما بلغه علم التاريخ من تهافت وضحالة عندهم، وقد جاء ذلك في قوله: «سجل، حياك الله، أن حكمي على المؤرخين ليس بالجملة أو على وجه الإطلاق، بل أخص به اللاصقين بركاب الدولة الغراء، سماسرة الأخبار والإشاعات، عبدة رنين الدينار وأمكنة البذخ واللمعان» ذلك أن في عبارتي «سماسرة الأخبار والإشاعات» و«عبدة رنين الدينار» ما يشي بكون ابن خلدون قد تقصدهما، بحمولتهما الدلالية السلبية المحيلة إلى الانتهازية والكذب والتربح، لكي ينفي عن هؤلاء صفة المؤرخ، ويجردهم من كل صدقية. وقد استعمل ابن خلدون في انتقاده لهؤلاء المؤرخين الحجة والدليل الممزوجين بالسخرية لكي يكون حكمه عليهم صادقا دونما تقولٍ منه عليهم أو وقوعٍ تحت تأثير ثأر شخصي منهم. فمن الدليل أنه «يُحكى عن أحدهم ـ وهو من أهل الشكائر واللزوق، الذين ما أكثرهم ـ أنه سئل: لِمَ أنت زربية في قصور ذوي الجاه والسلطان؟ فقال: لأن وعيي غارق في أوعية حضرتهم، ومعدتي لا ترتاح إلا إلى موائدهم». ويُرجع ابن خلدون أسباب وقوع وعي المؤرخ في أوعية السلطان إلى كونهم أهملوا التعمق في فهم التاريخ وتبين وظائفه السياسية والاجتماعية وشروطه العلمية التي هي منه جوهره. وفي رأيه، أنه متى أهمل المؤرخ شروط علمه، صار نقّال أخبار السلاطين وتناسى حركة المجتمع وأحداثه، وفي ذلك يقول: «تصور لو كنتُ حيال العمق في مجهلة، لكنتُ نقال أخبار السير السلطانية والمفاخر والمآثر الأميرية، كاتبا بماء الذهب عن أرباب الوقت والرقاب، عن حركاتهم وسكناتهم واستعمالهم لليل والنهار». ويخلص بطل العلامة من انتقاده لسلوك بعض المؤرخين من «سماسرة الأخبار والإشاعات» و«عبدة رنين الدينار» إلى تقرير حقيقة أن «هلاك فن التاريخ إنما يكون على أيدي محترفيه المنتظمين في سلك التعيش والارتزاق، ومثلهم كمثل العساكر والكتبة والجواسيس، أو كمثل أدباء البلاط ومنجميه وسائر خدامه. الحقيقة لديهم ليست ما نقاربه بعد لأي واجتهاد، بل ما تمليه القوة القائمة والسلطة المتربعة، إنهم دوما مع الغالب». وهو إذْ يؤكد هذه الحقيقة، يعري بها ما لحق التاريخ العربي الإسلامي من تشويه لأحداثه وتزييف لها حتى غاب عن كثير من متونه وهجُ الصدق.

مؤرخ ينتقد علمَه

لم تكتف رواية العلامة بانتقاد المؤرخين، ومن ورائهم متونهم التاريخية، وإنما سعت إلى حفز المؤرخ، وهو بطلها ابن خلدون، على ممارسة النقد الذاتي، وتَبينِ هَناتِه في تعامله مع المعرفة التاريخية. وهو ما نراه يمثل دعوة منها ظاهرة إلى واجب إنجاز مراجعات تاريخية حتى نقف على بعض وجوه حقائقنا السياسية والاجتماعية والثقافية التي قد تكون مغيبة في التاريخ، ونكتشف من خلالها عيوب ماضينا باعتباره «سلطة تحذير وتنبيه، كديوان للمعايير والأقيسة المضادة للأهواء»، ومن ثمة يكون كل ذلك سندا نتكئ عليه لتجاوز تلك الهنات ونحن نصنع تاريخنا الآتي.
فأن يعترف مؤرخ، في حجم ابن خلدون، بأنه ذو أخطاء في ممارسته التاريخية، وصورة ذلك في قوله: «مجمل القول، يا حمو، أني في المعرفة ذو أخطاء»، هو أمر من الشروط العلمية لأي عالِم أحدُ أركانها، ذلك أن اطمئنان المؤرخ إلى صدق علمه أمر قد يوقعه في مطبات التعميم ويفقده اليقظة الفكرية الحامية له من كل نزوع إلى شخصنة المعرفة والاعتداد فيها بالرأي. وقد كشف بطل العلامة عن موضعين لم يحسن فيهما التقدير العلمي ولم يلتزم فيهما بحذَر العالِم، وهما نقده لبعض الصوفية والاعتداد بنظرية العصبية. في الموضع الأول، غلبت ميول ابن خلدون السياسية على ميوله العلمية، فراح ينتقد بعض الصوفية تلبية منه لدعوة محاربة فشو التصوف، وهو ما اعترف به في قوله: «أما ذنبي البليغ، فقد اقترفتُه في بعض كلامي عن صوفية أبرار. لذا يُحق مَن يقول إن رسالتي (شفاء السائل) عمل فج هزيل، محكوم باستجابة لدعوة سياسية إلى مناهضة فشو التصوف الشعبي والزوايا». وهي دعوة طغت فيها رغبة السياسي في تطويع الديني بجميع عقائده وملله والاستحواذ عليه، بل وتسخيره لخدمته بسبب ما كان يمثل له من خطر على عرشه وسلطانه.
وقد سخر السياسي لهذا الأمر كل أعوانه من الساسة والفقهاء والعلماء لدحر كل مخالف لمذهب السلطان أو ديانته، ومن هؤلاء ابن خلدون الذي لا يُخفي اعترافه بأنه دخل في هذه اللعبة التي تنبه في ما بعدُ إلى مزالقها، حيث يقول: «ففي مقطع من مقدمتي ـ أتمنى حذفه ـ أرمي تلك الفرق [المسيحية] كلها بالكفر وأقول بالحرف: (لم يبق بيننا وبينهم في ذلك جدال ولا استدلال، إنما هو الإسلام أو الجزية أو القتل). كلام في غير وقته ولا سياقه يا حمو، كلام أشبه ما يكون بمنطق العاجز المتنطع». أما في الموضع الثاني، ونعني به الاعتداد بمفهوم عصبية النسب واعتماده قانونا لتفسير كل أحداث العصر، فإننا نقف في الرواية على اعتراف العلامة بمبالغته في تنزيل هذا المفهوم منازل غير مناسبة لمنطق الواقع، وبسبب ذلك يقول: «من مواضع سهوي وكبوي يا حمو أني تعبدتُ بعصبية النسب، رافعا مفهومَها إلى سدة المفاهيم». ولعل تعلق ابن خلدون بمفهوم عصبية النسب هو ما انزاح به صوب الوقوف مع الغالبين ضد المغلوبين، وهو أمر منافٍ لأي شرط من شروط المؤرخ، لأن من شأن ذلك أن يجعل انتماءات المؤرخ تعمي بصيرته عن التنبه إلى أسباب كل حادثة، وتورطه في استنتاجات غير صائبة، وهو ما يصوره العلامة بقوله: «فكنتُ في هذا الموضع المخصوص أقف مع المتغلب الأقوى، فأحصر التاريخ في الأخبار عما يكتبه منطق الغلبة والقوة، وأُبقي خارجه جماهير المغلوبين ومن لا تعضدهم عصبيةٌ».
ثم إن الرواية تتدرج ببطلها المؤرخ شيئا فشيئا إلى نسف نظريته في العصبية عبر حفزه على الجهر بالدعوة إلى «تبديلها» ومراجعتها، وهو ما يصيب قداسة المؤرخ في جوهرها. وإذا كان من الصعب على عالِم أن يُعلن عن تهافت نظرية ارتكز عليها كل مُنجَزه العلمي، فإن التنبه إلى خطل بعض وجوه تلك النظرية أفضل بالنسبة إلى ابن خلدون من مواصلة الارتهان إليها في الكتابة التاريخية، فهو يجيب عن سؤال كاتبه حمو: «كيف تفرط في فكرة تقوم في علمك مقام المسبار وقطب الرحى، صراع هي العصبية وعنف أكيد، ولكن غاية شوكتها ستظل دوما الرياسة والمُلك. ولا أرى لهذه السُنة تبديلا؟» بالقول: «بل هذا بالذات ما يلزم أن يتبدل، لا بد للتاريخ من بذرة أحسن وأرقى حتى يبدل جلده ومجراه». وهو قول يمثل بالنسبة إلى الرواية اعترافا يمكن أن يكون السبيل إلى إعادة النظر في مدونة تاريخنا العربي الإسلامي وتنقيته من شوائبه غير العلمية وخضوع المؤرخين لميولهم الشخصية على غرار ميل ابن خلدون إلى الدفاع عن خلفاء بني العباس دونما تحكيم منه لبصيرته العلمية. وهو ما يتجلى في اعترافه الذي يقول فيه: «ففي باب المثالب، الذي أخصص الإملاء فيه، كم تركتُ العاطفة تُتلف عقلي، وتعمي بصيرتي أمام الواقع. هكذا، مثلا، أطنبتُ في الدفاع عن خلفاء عباسيين ضد تُهم تعاطي الخمر والتهتك والفسق، وكان الأحرى بي أن أسكت أو أفوض الحكم إلى الله تعالى، لا سيما أني في النظرية أعتبر تلك الزلات وليدة كل حضارة مترفة باذخة». ويقدم العلامة حُجة واضحة عن خطل تقديره العلمي في الدفاع عن الخلفاء العباسيين وصورتها هي أنه «إذا كانت أرض الكنانة لا عصائب فيها، وإنما هي راع ورعية، وكان أهاليها ليسوا أقل ضيقا وانقباضا من سواهم في بلاد المغرب، فلا سبيل إذن إلى رد كل البلايا إلى العصبية».
والظاهر أن نقد رواية العلامة لسلوك المؤرخ، سواء في جانبه السياسي أو في جانبه الاجتماعي، يندرج ضمن إطار نزوعها إلى نفي صفة الصدقية عنه، بل السخرية منه. وهو نزوع يروم تبين نقاط قوة مدونتنا التاريخية ونقاط ضعفها حتى يسهل تحديد أسباب ذاك الضعف وتحييدها في فعلنا الحضاري الراهن. ومن ثمة، وجدنا في الرواية صورة للمؤرخ تنزل به من علياء قداسته إلى محل اجتماعي يُظهر مطامعَه السياسية وهفوات سلوكه الاجتماعي.

نقض ابن خلدون في رواية «العلامة» لبنسالم حميش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية