العرض المسرحي «إضحك لما تموت»: ثرثرة المقاهي وجيل الأموات

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: لم يكن العرض المسرحي «إضحك لما تموت» عرضاً عادياً، بل أصبح عرضاً متميزاً حتى قبل أن يبدأ. فالتميز من عدمه مرهون بمدى الدعاية والتهليل، منذ تعاقد المؤلف على تقديم العمل، وصولاً إلى البروفات وتقنيات العرض الخارجة عن المألوف، التي تناولتها الصحف مراراً. كل هذا يعد من البدهيات في دولة تعيش على الدعاية، لكنها دوماً دعاية سيئة السمعة. ومن سمات التميز أيضاً حضور وزيرة الثقافة وبعض من مديري مسارح الدولة، ما يعني اعترافاً ومباركة رسمية للعرض المسرحي، الذي يتحدث عن ثورة 25 يناير/كانون الثاني، في الوقت الذي أصبح مجرد ذكر (الثورة) أمراً غير محمود العواقب، وبالتالي لنا أن نتخيل كيف سيكون الحديث. العرض أداء.. نبيل الحلفاوي، محمود الجندي، إيمان إمام، تامر الكاشف، زكريا معروف، وحمدى حسن. ديكور محمود الغريب. ملابس نعيمة عجمي. موسيقى هشام جبر. استعراضات شيرين حجازي. من تألـــيف لينين الرملي، وإخراج عصام السيد.

الحكاية

ما بين «يحيى» نبيل الحلفاوي أستاذ التاريخ، الرافض لتاريخه ومهنته، الذي يتحايل على مرضه، فهو شبه ميت، لا يجد سوى الخمر ملاذاً، وبين صديقه «طاهر» محمود الجندي، الفنان التشكيلي والمصور الفوتوغرافي لكل أحداث ثورة يناير، الذي طردته زوجته من بيته وهجرته ابنته، ويريد الانتحار، ولا يجد سوى يحيى ليأوي إليه حتى ينفذ خطة الانتحار. شخصيتان خسرتا كل شيء وتنتظران الموت بفارغ الصبر. إلا أن بيت يحيى يحتل مكانة متميزة بالمصادفة، حيث تطل شرفته على ميدان التحرير، لتكون شاهداً على الحدث الأهم في تاريخ مصر، وهو ثورة 25 يناير، وهي في نظر أستاذ التاريخ مجرد (هوجة) ــ انتقام هادئ من المؤلف بوصفه مثقفاً تقدمياً يحمل قيماً إنسانية ــ وما بين تذكر أحداث الماضي بينهما، حتى أنهما وقعا في حب الفتاة نفسها وقت المراهقة، هذه الفتاة التي لم يزل يعشقها طاهر، ويسميها (حرية) ويختلف يحيى معه بان اسمها كان (حورية)، بينما كل منهما تصورها كما يريد، فالمرأة اسمها الحقيقي (حربية)، وقد أصبحت صورتها غير التي أوجدها خيال كل منهما، وهي رغم سنها المتقدم، تنتوي الزواج من شاب متأسلم ــ كتبت المسرحية وتم نشرها ضمن سلاسل قصور الثقافة المصرية بعد التخلص من الإخوان ــ وتعيش في البيت فتاة من فئة متواضعة «شربات»، فيحيى يتعبرها ابنته، خاصة بعد هجر ابنه له، اعتراضاً على أفكاره وامتناعه عن المشاركة في الثورة. وما بين الثرثرة الفارغة، والكلام لمجرد الكلام، والتهويمات وعدم المنطقية تتوالى الحوارات، والتهكمات الجنسية المعتادة من كبار السن ــ المزحات السخيفة المُستهلَكة ــ ويعرف طاهر حالة مرض صديقه وموته الذي يقترب، يخشى عليه من شربات، ويعتقد أن حالته الصحية لا تسمح له بإقامة علاقة مع شربات، فيعطيها بعض النقود لترحل، فتنزل الشارع وتشارك في أحداث الثورة التي لم تزل قائمة في الخارج، وتعود ومعها أحد الشباب الثوريين، لتبدأ الحوارات والثرثرة المدرسية بين اختلاف الأجيال، ومؤلفات يحيى التاريخية التي يتعلم منها الثوار ــ وكله كذب ولم تكن هناك مرجعيات تنظيرية لأغلب مَن شاركوا في الثورة، خاصة جيل الأموات من المُنظرين ــ المهم الكثير والكثير من الثرثرة، والمغالطات حسب المنطق الدرامي، أستاذ التاريخ لا يجد نفعاً لما يكتبه ويقوله، بل اعتاد حرق مؤلفاته، ويوصي الشاب بقراءة التاريخ جيداً، حتى يعرف المستقبل، أو يستطيع التعايش معه في وعي.
يعني.. ثرثرات «التوك شو» المدرسية. الشخصية الوحيدة التي تحمل سمات درامية هي شخصية (شربات) التي طالها الوعي بمشاركتها الشباب الثورة، فعرفت نفسها وعرفت الحب، وأصرت على النزول إلى الميدان، وترك بيت الأموات هذا.
يبدو الموقف المرتبك للمؤلف من البداية، فهو من جيل طالما أوهمنا بأنه ضد السلطة واستبدادها، ويقدم أعمالاً تمجد حرية الإنسان ــ لا ننسى رفيق نضاله محمد صبحي، الذي أصبح بدوره الآن حكيم زمانه الأوحد ــ لينتهي الأمر بالرملي بتأييد جمال مبارك ومشروع التوريث الذي انهار مع ثورة يناير، وبالتالي وجد الرملي نفسه بعد ثرثرة النضال الزائف في مصاف المشاهد العاجز أمام شباب رفضوا كل شكل من أشكال الوصاية من جيل عاش وتربى في أحضان السلطة، واتضح أنه أحد أهم أدواتها، فكان لابد من الانتقام، وهو ما قدمه في عرضه الهزيل المسمى «إضحك لما تموت».
وكمحاولة أو ضمن إطار هلوسات الرجل، يجعل طاهر ضمن أعضاء الحزب الوطني المُنحل، لكنه يؤيد الثورة، بل يقوم بتوثيقها فوتوغرافياً! بينما صديقه أستاذ التاريخ يتوارث بدوره عن أبيه ميوله الوفدية، هذا الأب الذي عانى من نظام عبد الناصر، وخرج من السجن ليعيش على كرسي متحرك، توارثه ابنه أيضاً، بينما (الحفيد) انفصل عن الجميع ونزل إلى ميدان التحرير، ولا يُعرف مصيره بعد، هل مات أم اختطف. وهكذا تأتي التخاريف والتلفيقات دونما هدف، اللهم إلا أن تكون زلزالاً في وعي الكاتب أحدثته ثورة يناير، فلم يجد سوى التندر والسخرية من الثورة وأحداثها، وهذه سمة العاجز، وشيء من الحقد على جيل كشف للرجل وجيله أنفسهم، وجعل الجميع يرونهم عرايا من كل ما حاولوا التظاهر به طوال تاريخهم.
حالة لينين الرمــــلي ليست الوحيدة، فمعظم ذلك الجيل لا يملك سوى السخرية السخيفة من الثورة وجيلها، والتشفي نظراً لما يحدث الآن، وما التخبط الذي نراه في مواقفهم أو أقـــوالهم إلا تعبير عن الأزمة التي مروا بها وقت الثورة، وقد أصبحوا يتنفسون زيفهم ليل نهار، فلم يعد أمامهم سوى الضحك ــ على أنفسهم ــ حتى الموت.

العرض المسرحي «إضحك لما تموت»: ثرثرة المقاهي وجيل الأموات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية