لا يوجد مستقبل في أرض إسرائيل

حجم الخط
0

المسلسل التلفزيوني الوثائقي الفاخر، لكن ينقصه فهم المقروء، لدافيد درعي وأورون غلعازر وروتي يوفال، «يا صالح، هذه أرض إسرائيل»، وبالأساس العاصفة التي أثارها على جانبي المتراس السياسي ـ الطائفي، تؤدي إلى اليأس الشديد، ليس بخصوص ماضي الدولة، بل بخصوص مستقبل إسرائيل.
الردود الغاضبة لأبناء معسكر اليمين ـ البرجوازي، العلماني ـ الأشكنازي (ميرتس، العمل ويوجد مستقبل)، أبناء وبنات الحكّام الأشكناز قامعو الشرقيين والعرب (في الخمسينيات)، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة ادعاءات مخالفة أساسية: الاول، الانكار، «هذه الامور لم تحدث أبدا»، الثاني، حكم متساو، أي «ماذا في ذلك؟، نحن ايضا عانينا عندما جئنا إلى البلاد»، الثالث، رأسمالية نقية، أي «متى ستتوقفون عن التباكي». هذه الادعاءات الثلاثة لا تساعد ولا تجدي نفعاً.
سنبدأ بالمنكرين الذين يقولون «هذا لم يحدث أبدا، ولم يكن هناك أي تمييز، بالتأكيد ليس موجها، هذه مجرد أكاذيب وكراهية للأشكناز». هنا معروض أمام هؤلاء الناس، مباشرة أمام أعينهم، دلائل قاطعة مكتوبة ومحاضر جلسات وشهادات، ليس فقط للضحايا، بل ايضا لمن قاموا بها. وماذا يقولون؟ لا شيء، عمى مطلق، قدرة عجيبة على النظر إلى الوقائع وعدم رؤيتها. لا يوجد حيوان كهذا، زرافة، لم تكن ولم يتم خلق شيء كهذا، كذب، كراهية ـ الشمبانزي.
بخصوص «نحن أيضاً عانينا، أقمنا في خيام وأكلنا البعوض»، وهذا العويل ـ أنتم لا ترون الفارق؟ أنتم الأشكناز (وهنا نعمم، كما هو مطلوب في مقال في الصحيفة) تعرضتم للمعاناة، كما تسمّونها، والتي نبعت من صعوبة ونقص تلك الايام. مقابل ذلك، معاناة الشرقيين فرضت عليهم من قبل الحكم الشمولي لتلك الايام. ليس فقط أن نمط حياتهم البائس فرض عليهم بطرق تحايل وعنف، بل ايضا من أراد التحرر من هذا السجن الذي أُدخل اليه، هدده نظام الحكم بالحرمان من السكن ومصدر الرزق، وإخراج أولاده من سلطته، وحتى التجويع. هل هذا يبدو لكم نفس الشيء؟.
وبخصوص «متى ستتوقفون عن التباكي؟». إذا شاهدتم المسلسل، لا يمكنكم عدم فهم أن نتائج القمع والتمييز في حينه تستمر حتى الآن، وعدم رؤية أن نقطة الانطلاق لزملائكم الشرقيين في العمل أو في الحي كانت وما زالت أدنى بكثير من نقطة انطلاق آبائكم ونقطة انطلاقكم. مثلا، مكنوا آباءكم من جعل بيتهم ملكا لهم، في حين أنه لآبائهم لم يمنحوا هذه الامكانية، وحتى لو بالاموال. كما أنهم أرسلوهم لتعلم الخراطة والنجارة في الوقت الذي ذهبتم أنتم إلى الجامعات. ألا تعتقدون أنه قد حان الوقت ولو لشيء قليل من التمييز المعدل؟.
الآن سننتقل إلى الجانب الثاني من النسور في أعقاب الفيلم، إلى الجانب اليميني المتعصب، الديني الشرقي (الليكود وشاس). ايضا ردود هؤلاء على المسلسل وعلى الواقع في الخمسينيات وما بعدها التي توصف في المسلسل، يكتنفها الانكار وعدم فهم مرير لما حدث في حينه وما زال يستمر إلى الآن.
إن نجاح القمع العنصري لا يقاس فقط بمقاييس سياسية واجتماعية واقتصادية ومقاييس ملموسة اخرى. هو يقاس ايضا، وربما في الاساس، بنجاح القامع العنصري (في هذه الحالة، الموطن الاشكنازي الحاكم) في غرس سلم قيمه العنصرية في أوساط ضحايا قمعه العنصري، والتي وفقاً لها فإن الانسان الأبيض الاشكنازي يتفوق من كل النواحي على الانسان الأسود وعلى اليهودي الشرقي الأدنى.
من هذه الناحية، القمع الاشكنازي للشرقيين هو نجاح باهر. الشرقيون الآن (مرة أخرى بتعميم)، أبناء وأحفاد جيل المقموعين، أخذوا على عاتقهم وأدركوا جيدا الرأي القديم الذي زرعه فيهم الحكّام الاشكناز القامعون، والذي يقول إن الشرقيين ايضا ليسوا يهوداً «كما ينبغي»، وبشكل عام هم مخلوقات أدنى من كل النواحي من اخوانهم الاشكناز المتنورين، لأنهم يشبهون بشكل كبير، تقريبا مثل العرب.
كيف رد الشرقيون منذ ذلك الحين وحتى الآن (مرة أخرى بتعميم) على القمع والتمييز من قبل السادة الاشكناز لجيل آبائهم؟ هنا ايضا توجد ثلاثة ردود اساسية بارزة… يبدو أن الشرقيين عادوا إلى معقل الدين ومعقل الاخلاق لـ «بيت الوالد» الذي طردوا منه تحت نظام القمع الاشتراكي الاشكنازي، مثل الشعار الاول والقديم لـ «شاس» حول «اعادة التاج إلى مجده السابق». ولكن هذه العودة لا تعتبر عودة أبدا. «التوبة» الشرقية تمتاز ليس فقط بالعودة إلى تقاليد الدين الليبرالي الشرقي، بل بالضبط إلى تقاليد الدين المتعصب وغير المتسامح، الاشكنازي. حيث يوجد لهذه العودة وغير العودة هذه تعبير بأغطية رأس اشكنازية، مثل القبعة المنسوجة والقبعة الاشكنازية الليطائية، التي يعتمرها الذين يعيدون ظاهريا التاج إلى مجده السابق. كل ذلك في الحقيقة للاثبات لليهود الاشكناز الذين يحكمون بأننا، نحن الشرقيين، يهود جيدون بالضبط مثلكم أنتم الاشكناز.
الامر الثاني هو أن الشرقيين قاموا بتطوير، بتشجيع من الحكّام الاشكناز بالطبع، عقلية وطن كما يبدو «لكراهية العرب». لقد أزالوا عن أنفسهم أي علامة عربية. كم هو مثير للسخرية أن ميري ريغف، رئيسة الصارخين ضد قمع واضطهاد الشرقيين وثقافتهم، هي التي تقود سن قانون لالغاء اللغة العربية كلغة معترف بها في إسرائيل، بالضبط مثلما فعل الحكّام الاشكناز الذين تقف ضدهم، لكنها في الحقيقة تعمل في خدمتهم. ليس هذا فقط، الشرقيون ايضا تحولوا إلى جنود مخلصين جداً وحرفياً لقمع الاشكناز الكولونيالي، حيث أن حركة الاستيطان بشكل خاص والصهيونية بشكل عام هي حركات كولونيالية بيضاء من وجهة نظر الفلسطينيين. الآن هما تصنعان باخلاص لاخوانهم العرب ليس فقط ما صنعه الاشكناز لهم ولآبائهم، بل اضعافاً مضاعفة من ذلك.
وأخيراً، بعد أربعين سنة، وهي عدد السنين التي ضاع فيها شعب إسرائيل في الصحراء، على الوقت الذي تمكنوا فيه من حسم من سيقود إسرائيل، يستمر الشرقيون حتى الآن في أن يختاروا بأنفسهم ولأنفسهم اشكنازي إثر اشكنازي، فقط اشكنازي، كقائد. وحتى لا ربع ولا ذرة من شرقي. ليس هذا فقط، بل انهم يتعاملون مع الاشكنازي الذي ملكوه عليهم، من بيغن وحتى نتنياهو، كملك، ويغدقون عليه العطايا ويقبلون قدميه والتراب الذي يسير عليه. لماذا كل ذلك يا اخواننا الشرقيين؟ هل تعتقدون حقا مثلما علمكم الحكّام الاشكناز أنكم لا تساوون وغير مؤهلين لتكونوا شيئاً سوى سمكريين ونجارين، وفقط الاشكناز يستطيعون وجديرون بقيادتكم وقيادتنا جميعا؟.
لماذا اليأس؟ إذا كانت الامور على هذا الشكل، بعد سبعين سنة من عمر الدولة، في العلاقة بين الاشكناز والشرقيين، في الوقت الذي نشاهد فيه أننا جميعا أخوة، يهود بالدم والسلاح، فأي أمل يمكن أن يكون لنا ذات يوم بمستقبل ما منظور في أن نصل إلى حوار حقيقي، وليس التحدث عن السلام والمساواة، مع إخواننا وأبناء بلادنا الفلسطينيين؟ حيث أنه بدون قبولهم، سنعيش هنا إلى الأبد على حد السيوف، حتى لو أصبحت سيوفاً نووية مع بريق متألق، حتى نصبح ضحايا ويحل علينا الخراب.

هآرتس 14/3/2018

 لا يوجد مستقبل في أرض إسرائيل
التمييز ضد الشرقيين لا يزال موجوداً وزرع فيهم أنهم أدنى من الأشكناز
كوبي نيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية