بيروت ـ «القدس العربي» من ناديا الياس: غيّب الموت أمس الأديبة إميلي نصرالله التي رحلت عن عمر يناهز 87 عاما تاركة وراءها إرثاً أدبياً وثقافياً لا يمحى من الذاكرة اللبنانية والعربية.
عملت نصرالله روائية، صحافية، كاتبة، معلمة، محاضرة، وناشطة في حقوقِ المرأة، وفي رصيدها العديد من الروايات والمجموعات القصصية للأطفال، التي نشرتها وحصلت على العديد من الجوائز، أبرزها جائزة الشاعر سعيد عقل في لبنان، وجائزة مجلة «فيروز» وجائزة جبران خليل جبران من رابطة التراث العربي في أستراليا، وجائزة مؤسسة IBBY العالمية لكتب الأولاد عن رواية «يوميات هر».
آخر كتاب لها، صدر قُبيل وفاتها بأيام عن دار «هاشيت أنطوان/ نوفل هو كتاب «الزمن الجميل» وهو رحلةٌ جديدة تأخذنا فيها إلى لبنان في خمسينيات القرن العشرين.
وقد ودّعها لبنان الرسمي والأدبي والثقافي والعديد من الشعراء والأدباء، ونعاها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مؤكداً أن «ذاكرة لبنان ستحفظها في مكانة غالية كسيّدة رائدة و«أم الرواية اللبنانية».
«القدس العربي»: تحدثت مع صديقتها الشاعرة والتشكيلية باسمة بطولي، التي قالت: «اميلي نصرالله علامة مضيئة في أدبنا العربيّ واللبناني والروائي، لأنها رائدة في موضوعات المرأة والمهاجرين القائمين في الغربة، ورائدة في الرواية. لبنان فقد شخصية نسائية كثير مهمة ولها تاريخها العريق في الأدب وبصمة كتير مهمة بالموضوعات والأدب، وتركت بصمة في أدب الأطفال وهذا الأدب نحن بحاجة إليه كثيراً، ولأنه يوجّه الطفولة نحو القيم السامية التي نؤمن بها.
وعبّر الاعلامي جوزيف قصيفي عن حزنه لرحيل نصرالله فقال: «ينتظر الطير أيلول ليعود إلى وكناته، فاختار شهر السنونوات ليعبر، على مرمى زنبقة يوسفية من عيد الأم…هجر شجرة الدفلى.. انتزع أزرارها الزهراء والبيضاء، ناسجا سجادة الرحيل .ها هو يفرد جناحيه، متهادياً فوق مدارات الصقيع، مقلعا نحو السعادة الحقيقية، حيث الاتحاد بالخالق، غاية ما ترتجيه الروح الوثابة إلى الكمال.. أميلي نصرالله زيتونة جنوبية ضاربة عميقا في رحم أرضنا وذاكرتنا، وتلة خضراء مواراة بالعطر، وقلب لم ينبض إلا حبا .من الكفير إلى العالمية طواف زاده الإبداع. وداعا ايتها القامة اللبنانية والهامة الأرزية، وليكن ذكرك مؤبدا».
وودّع الشاعر جرمانوس جرمانوس الراحلة صاحبة طيور أيلول بقصيدة في العامية اللبنانية:
«ما لحقتْ لولح بـ«الطيور» ووَدّعِكْ،
ولا لحقتْ لملم ها البكي من إصبَعِكْ!
بتذكّرِكْ:
جايي ع مدرستي ومعكْ
«طيور أيلول»
وْسَفَر لفصولْ!
والعمر كنزه خيطها مبلولْ!
وخدتِك معي ع الصيفْ
والصيف ضَيعه إسمها لحقولْ
ويمرّ صوتِك ضيفْ:
مرّات يبقى إمّ! مَرّه سَيفْ!
يا أميلي
بكرا بْيجي أيلولْ»
وتعلّقها بجذوره». وأضاف تيّان: «ارتبط اسم أميلي نصرالله وأدبها بذاكرة اللبنانيين والعرب جميعاً، فنصوصها تُدرّس في المدارس. ونحن في دار نوفل تربطنا بها علاقة متينة عمرها سنوات طوال منذ تأسس الدار التي تشكّل الأديبة الراحلة إحدى أعمدتها».
وتحدثت الدار عن كتاب نصرالله الأخير «الزمن الجميل» وقالت إنه رحلةٌ جديدة تأخذنا فيها الأديبة أميلي نصرالله إلى لبنان الخمسينيات والستينيات. بأسلوبها الدافئ والحنون، ونصّها الغنيّ بدون بهرجة والكثيف بدون استعراض، تجول بنا في عوالمها الخاصة ولا نشعر بالغربة. تغدق علينا الأديبة الرائدة التي كانت لا تزال في جِلد الصحافية تجربتها في «الزمن الجميل»، تذكّرنا بأسماء نسيناها وتقدم لنا أخرى لا نعرفها، من خلال وجوه قابلتها وحاورتها. هنّ نساء في الأغلب. نساء مناضلات، كلٌّ على طريقتها، في المجال العام أو الخاص، جهارًا أو صمتًا: من إدفيك جريديني شيبوب إلى الملكة فاطمة السنوسي، وسيدة الرائدات ابتهاج قدورة، ومغنية الأوبرا اللبنانية الأولى سامية الحاج، حتى البصّارة فاطمة، ومارتا، الطالبة الثمانينية في الجامعة الأمريكية. نساء نصرالله لم يكنّ من حبر فقط. اتّخذن أشكالًا أيضًا على يد الرسام جان مشعلاني الذي دأب على مرافقة الصحافية الشغوفة، وتزيين مقالاتها على صفحات مجلة الصياد على مدى سنوات».
إميلي أبي راشد نصر الله
1931، كوكبا جنوب لبنان ـ 2018 ، بيروت
غادرت إميلي نصر الله قرية والدتها الكفير إلى بيروت لدراسة الصحافة في كلّية بيروت الجامعيّة.
يعود فضل تعلّمها إلى خالها المقيم في الولايات المتّحدة وما إن نالت شهادتها حتّى التحقت بدار الصيّاد وظلّت تكتب في مطبوعات المؤسسة كالأنوار والصيّاد حتّى العام 2000.
1957: تزوّجت من فيليب نصر الله ابن زحلة وأنجبت منه رمزي ومها وخليل ومنى.
عام 1962: نشرت كتابها الأوّل طيور أيلول الذي صيّرها أيقونة.
عن الكتاب قال الشاعر سعيد عقل: «حكاية قرية من قرانا. مؤلّف غير عاديّ يُغني أدبنا القصصيّ الفتيّ : الأرض تعيش وتتألّم كأمرأة تحبّ والبشرُ يرتطمون بقدرهم ، مقدّمًا، قبل أن يتشظّوا بعيدًا في قلب المغامرة».
قالت الناقدة رفيف صيداوي : « كلّ ربيع أعيد قراءة مقدّمة طيور أيلول وأبكي. أبكي على أرضنا الحبيبة الطاردة».
قالت الباحثة سلمى مرشاق: « طيور أيلول كتاب ألمنا الجماعيّ فمن منّا لا أهل له في مغتربات هذه البسيطة؟»
منذ صدوره نال طيور أيلول دعم ميخائيل نعيمة وجائزة سعيد عقل وكرّست إميلي نصر الله أديبة لبنانيّة سرعان ما أضحى أدبها جزءًا من المناهج التعليميّة في الصفوف التكميليّة.
1963 إلى العام 1982:
كتبت مئات المقالات ونشرت مجموعة من المؤلّفات أشهرها شجرة الدفلى والرهينة
ومجموعة من الكتب الموجّهة للناشئة ، أكثرها قراءة يوميّات هرّ المترجم إلى الإنكليزيّة والألمانيّة.
1993 ـ 1986: غادرت وعائلتها إلى مصر بسبب ظروف الحرب حيث مكثت خمس سنوات، عادت إثرها إلى بيروت.
كُرّمت مرّات عديدة آخرها :
2017. ميداليّة غوته.
2018. وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور
قالت :
« لم أتأثّر بكلّ ما قرأت كما تأثّرت بقريتي».
«ببساطة أقول ما أعرف. فأنا فلاحة من الكفير جنوب لبنان. فلاحة تكتب».
« كتبتُ طيور أيلول بدمع العين. بهذه الدموع رويت أرضًا عزيزة لم تحافظ للأسف على أبنائها وبناتها».