اللجوء إلى السرد الوامض في «هروب» المغربي أنس اليوسفي

حجم الخط
0

في قصص «هروب»، القصيرة جدا لأنس اليوسفي، الحائزة جائزة القاص والروائي الراحل محمد غرناط في دورتها التجريبية، نقرأ أربعين نصا قصصيا صغيرا، أطوله لا يتجاوز 77 كلمة، كما نقرأ تجربة واعدة في القصة الوامضة، التي أصبح لها حضورها القوي كمنتوج أدبي وفني في المشهد الثقافي العربي، وقد ساهمت في تداولها وانتشارها مجموعة من العوامل والتحولات، تمثلت في الانفتاح علی أشكال السرد الوجيز والوامض في التراث القديم، كالخبر والأمثولة، وكذا أشكال التعبير الحديثة كقصيدة الومضة، السينما، التشكيل والقصة القصيرة، ثم التأثر بالتجارب اللاتينية، علاوة علی الإيقاع السريع للحياة والثورة الرقمية والمعلوماتية. وعلی العموم فإن هذا الجنس الأدبي الحديث حقق حضورا كبيرا في العالم العربي، وتنامت ملتقياته وورشه، وتجاربه القصصية والنقدية.
وللمغرب القصصي مساهماته اللافتة في تداولها نصوصا ونقدا ومهرجانات واحتفاء بها في ملتقيات ومسابقات تكرس هذا الخطاب الجديد. لا يمكن المرور على هذه المجموعة الموسومة بـ«هروب» بدون أن تثير فضول القارئ باعتبارها ميثاقا وعتبة أولى، هكذا نلاحظ أن الهروب جاء «نكرة»، ويعني لغة « الفرار والابتعاد». ومادام الهروب اختيارات ومواقف، فهذا من شأنه أن يفتح شهية السؤال عن شكل هذا الهروب الذي يقترحه القاص عنوانا مركزيا. هل هو تملص وانسحاب وانهزام في مقابل المواجهة؟ أم هو فرار من واقع جارح لا يتحمل التمعن في وجهه لكثرة ندوبه وبشاعته وتناقضاته، ومن ثمة مواجهته وتعريته بالكتابة؟ تلك مجموعة أسئلة لا يمكن الإجابة عليها إلا بعد الدخول إلى «هروب»، وقراءتها نصوصها، لأنه لا يمكن فصل النصوص القصصية عن العنوان المركزي لأنه رأس حربتها ورأسها المدبر. وعليه، يكون الخيط الناظم لهذه القصص القصيرة، هو الابتعاد والهروب من كل أشكال المشاهد التي ما فتئت تتكرر، لدرجة أنها أمست خردة من فرط معايشتها والاصطدام معها، ثم العودة إليها من خلال حيلة الكتابة لمكاشفتها والنبش في سيئاتها التي ستحاصر القارئ من كل الجهات.
بهذا الوعي يمكن قراءة مجموعة «هروب» التي توحي بدهشة الهروب التي توازي المواجهة نفسها، باللجوء إلى القصة القصيرة جدا، وتوريط القارئ في أجواء من المكاشفة والاستفزاز الإيجابي، وراء لغة مكثفة ومقتصدة، تقود إلى الكشف عنها أحداث بسيطة بيد أنها تكشف عن نهايات غير متوقعة ومستفزة، نقرأ في قصة «براءة»: «أعياها غلاء الأسعار.. ومرض ابنتها المزمن.. وقفت على حافة الرصيف، تحت أضواء الشارع، تنتظر ثمن الطبيب مقابل اغتصابها»,
بقصص وامضة كهذه يقارب القاص أنس اليوسفي، مواضيع مستقاة من واقع الناس وحياتهم اليومية، سواء أكانت هذه المواضيع نفسية أم اجتماعية أم سياسية، لكن بعيدا عن النقل الفوتوغرافي المباشر والبارد، وتساوقا مع التخييل، وجمالية اللغة وطرافة الحدث المستفز أحيانا.
في قصة «إدراك» يحضر جرح عطالة حملة الشهادات، والأكثر منه، الاستهتار بكرامتهم وتبخيس محصلاتهم العلمية: «حصد كل الشهادات.. أمضى زهرة شبابه في التعلم، ما زال ينتظر التوظيف.. أخبروه عن مباراة، انطلق كأرنب فر من قناص، قبل أن يوقع على العقدة.. أوقفوه.. عفوا عزيزي: «لقد تجاوزت سنك التقاعد».
هذا الشاهد النصي صورة فظة وقاسية في وطن سادي يتفنن في تعذيب أبنائه، بل يسلب من البطل القصصي زهرة عمره بحثا وانتظارا، وحين يصل الفرح ـ التشغيل متأخرا، يجد أنه لم يبق في العمر سوى إهانته وتحقيره: «قبل أن يوقع على العقد.. أوقفوه.. عفوا عزيزي: لقد تجاوزت سنك التقاعد».
كذلك في قصة «الرغيف الأسود»، يغدو العمل نفسه استشهادا وتبخسا:
«الفقر المتطاير في بلده، جعله يفكر في ذلك الغار العميق.. بخطى متسارعة اتجه نحوه، ليعانق رغيفه المفقود.. كان همه الأوحد أن يلتقط ما تبقى من الفحم، عجن الرغيف بألم الموت.. بلاغ عاجل: أقدم رجل فقير على الانتحار».
هنا يحضر الفقر الكافر، والحاجة للعمل حتى لو كان موتا، وهو الذي حصل للبطل القصصي، بحثا عن خبز أسود في منجم عميق للفحم، لتكون الخاتمة استشهادا وإدانة للضمائر الخائبة، إلا أن إيقاع السرد سيختل بقفلة صادمة ورمزية «بلاغ عاجل: أقدم رجل فقير على الانتحار» توحي بمدى استخفاف ما هو رسمي بحياة المعذبين فوق الأرض وفي مناجمها.
أما قصة «جزاء»، فتتناول مشهدا مختزلا لتكريم مغشوش وخارج لغة الاستحقاق:
«قرعت طبول الحرب.. دافعا عن وطنيهما ببسالة.. استشهد الأول.. استبسل الآخر إلى أن حرر الحدود.. شوهد وهو يصفق بحرارة لوسام يعلق لأحسن راقصة». أمام هذا النص القصصي، لا بأس أن يحتفى براقصة بدل الجندي المعني بساحة النصر، ولا بأس أن يشارك العسكري حتى لا يفضي الأمر إلى لعبة أخرى أكثر غموضا وقلبا للأوراق. ومساهمة من قصص المجموعة في المكاشفة والتقاط كل مشاهد الفساد، نقرأ في قصة «عدالة»: «قدمت للقاضي دلائل ومستندات تفضح لوبي العقارات.. نظر في هاتفه.. حكم عليّ بالإفراغ وعلل حكمه بروح الدستور». في هذا النص القصصي يلتقط السارد بعين ذكية وماكرة أساليب بعض الضمائر الحافية والعارية من العدالة، وبذلك يكون العنوان الذي اختاره الكاتب وفق تقنية تسمية الأسماء بأضدادها سخرية لاذعة ماكرة وكاشفة.
في قصة وامضة بعنوان «فتنة، نقرأ: «طالب الشعب بحقهم في العيش الكريم.. نبههم الحاكم لما يقع في الجوار».
هنا، يحضر أفظع ما نعيشه اليوم، أي الإيهام بالاستقرار الهش والتخويف بما تورطت فيه البلدان الأخرى من فوضى وقتلى جراء الحروب، وهو خطاب يروم الإقناع بأن أي مطالبة بالتحول والاستقرار الحقيقي يؤدي إلى الدم.
بخصوص التقنيات السردية في المجموعة، يلاحظ استحضار القاص لشخصيات تنتمي إلى العصور القديمة والحديثة «يوسف، أيوب، كافكا»، نقرأ في قصة «تحول»: «كبلته القيود.. كلما فكر في شهواته، يحاور الضمير بقانون العفة، كلما شاهد فتاة تذكر «يوسف».. أحس بالوهن يتسرب إليه، نفذ رصيد «أيوب».. من خلال نافذة خياله، ضاجع كل النساء، قذف سائله في بركة صغيرة، تكفلت حشرة بأبنائه تذكر «كافكا».
إن استدعاء هذه الشخصيات لم يكن استدعاء حرفيا ونصيا، بل استدعاء ساهم في تخصيب النص وتهجينه، وكذا في تشييد النص وبعده المعرفي والدلالي، الذي يحيل على شعرية عجائبية وكفكاوية هي صورة لواقع ممسوخ. لكن الأمر لا يقف عند الانفتاح على التراث الإنساني، بل نجد في القصة الموسومة بـ«وفاء» تناصا مع القرآن الكريم، نقرأ فيها: «مر عقد على زواجهما.. وما زال يتمنى أن ينادى بكلمة «أبي».. كلما تذكر تحسر.. بكى.. ثم يصلي حمدا لله .. طلبت منه زوجته أن يبحث عن أم لأطفاله.. دعته أن يحب امرأة أخرى، رد قائلا: «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه». يكشف هذا الاستحضار للشخصيات التراثية والتناص مع القرآن عن ثقافة القاص وانفتاحه على مرجعيات متنوعة، وكذا عن قدرته على استثمارها في نصوصه القصصية للتعبير، وهذا ما نقف عليه في القصة أعلاه حيث استثمار القاص للآية الرابعة من سورة الأحزاب» «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه»، كي يضرب مثلاً حِسِّيٌّا للقارئ، ويقطع باستحالة وجود قلبين في صدر أي رجل! ولعل القاص أنس اليوسفي استطاع الاستفادة من النص المرجعي وإيجاد نوع من الموافقة أو المفارقة بين نصه الجديد.
هكذا نتم ملامستنا السريعة، غير الوافية، لأن النصوص الماتعة واللذيذة، تقبل قراءات متعددة وبأنفاس الخلق.. وخير إسدال للستار كلمة لجنة التحكيم: «مجموعة «هروب» مجموعة قصصية منسجمة، اعتمد كاتبها العديد من التقنيات السردية، وتوفق إلى حد كبير في توظيفها، كالحذف والتقطير والتكثيف والإيحاء والحمولة الدلالية الرمزية للوحدات المعجمية».

٭ كاتب مغربي

اللجوء إلى السرد الوامض في «هروب» المغربي أنس اليوسفي

عبدالله المتقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية