صباح 5 يونيو/حزيران 1967 وصل المذيع الشاب حمدي قنديل وزملاؤه المصورون إلى قاعدة فايد الجوية، في انتظار وصول الفريق طاهر يحيى رئيس وزراء العراق وحسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية القادمين لتفقد القوة العراقية المرابطة في فايد، فوجئ الجميع بدوي انفجارات متتالية، رأى بعدها حمدي قنديل طائرة تحترق على المدرج، وطائرة اسرائيلية تمرق في الجو، ومع تتالي الانفجارات، قرر فريق التلفزيون أن يتجه نحو نادي الطيارين على ضفاف القناة، ليرى حمدي هناك نحو 20 طياراً يتصايحون بهستيرية، ظل واحد منهم يخبط رأسه في جدار حتى سال منه الدم، وعرف حمدي أن معظمهم فقدوا طائراتهم قبل أن يصلوا إليها، وأن ثلاثة فقط استطاعوا الطيران، لكنهم لا يعلمون مصيرهم، بعد قليل فوجئ بوصول سيارة جيب فيها حسين الشافعي وجندي، ليسأله نائب الرئيس عما إذا كانت لديه معلومات عما حدث، ثم يقول إنه سيعود إلى القاهرة، ويسأله: تفتكر ناخد أي طريق؟»، فنصحه حمدي بالطريق الصحراوي.
طول عودته إلى القاهرة ظل حمدي قنديل يسمع أصوات قصف وتحليق الطائرات الإسرائيلية، وحين مر بثلاثة مطارات عسكرية هي، أبو صوير ثم بلبيس ثم أنشاص، وجد النيران تتصاعد منها، في حين كان راديو السيارة يتحدث عن عشرات الطائرات التي أسقطتها القوات المصرية. في الليلة نفسها كان عليه أن يقدم نشرة أخبار التاسعة المليئة بالأكاذيب، وبعد أن أنهاها استدعاه محمد فائق وزير الإعلام ليعاتبه على عبوس وجهه وهو يقرأ النشرة، وحين حكى له تفاصيل يومه الدامي، قال له الوزير: «لكن الموقف تحسن الآن، وقد أبلغتني القيادة العسكرية بتفاصيل مطمئنة»، يقول حمدي قنديل إنه يوقن بأن محمد فائق كان صادقاً وقتها، لأنه لم يكن على شاطئ القناة ليتحرى الوضع بنفسه، وأنا بدوري أصدق تصديقه لفائق، لأن الحكومات العسكرية تحتاج إلى أناس مثل محمد فائق يصدقون كل ما يقال لهم من رؤسائهم بدون تفكير، ويلعبون الدور الذي يرسم لهم بدون اعتراض، سواء كان دوراً مشرفاً كالذي لعبه فائق في ملف مناصرة حركات التحرر الإفريقي، أو دوراً مؤسفاً كالذي لعبه كوزير لإعلام النكسة، أو دوراً مخزياً كالذي يلعبه الآن كمتواطئ مع جرائم القمع والقتل التي يمارسها نظام السيسي، الذي اختاره رئيساً للمجلس القومي لحقوق الإنسان، ولعلك لا تستغرب سر ذلك الاختيار.
يتحدث حمدي قنديل في مذكراته عن شخصية أخرى لم تمل دولة الضباط من استثمارها حتى آخر نفس، هي شخصية وزير الإعلام محمد عبد القادر حاتم، الذي كلف قنديل في مايو/أيار 1971 بالتحقيق في ملابسات تخريب الاحتفال بعيد العمال الذي ألقى فيه السادات خطاباً على الهواء، وتم اتهام مخرج الاحتفال بالتركيز على صور عبد الناصر وهتافات بعض الحاضرين ضد السادات، ونقل صور مسؤولين يظهر على وجوههم الاشمئزاز من خطاب السادات، وحين قال قنديل وزملاؤه في تقرير لجنة التحقيق، إن ما جرى لم يكن مدبراً، اتهمهم الوزير بأنهم سذج ولا يدرون بأن ماسبيرو يحتشد بالشيوعيين، ثم طلب تشكيل لجنة أخرى اعتذر قنديل عن المشاركة فيها، وحين تم عزل ونقل عشرات من الموظفين ذوي الميول الناصرية بتهمة الاشتراك في التآمر على السادات ومعارضتهم لعهده «الجديد»، لم يكن قنديل من المعاقَبين، لأن حاتم كان يثق في ولائه. وبعد مرور ثلاثة عقود على تلك الأحداث، جمعت الأقدار قنديل بحاتم، الذي كان قد تعدى التسعين، لكنه ظل حاضر الذهن، كان قنديل قد ذهب ليأخذ شهادته على حكم قديم صدر ضده بالحبس لتهربه من التجنيد، وكانت ملابسات صدور الحكم خاطئة، ويستوجب نقضه شهادة حاتم كوزير سابق، ففوجئ بحاتم المتابع لما يجري على الساحة يقول له: «لازم أصالحك على الرئيس مبارك»، معدداً حسنات مبارك «الطيب الذي يعمل من أجل خير البلد»، ثم رفض حاتم أن يدلي بشهادته في المشكلة التي جاءه قنديل من أجلها.
شخص آخر عرض على حمدي قنديل أن يصالحه على مبارك، هو العقيد معمر القذافي، حين قام قنديل بمحاورته عام 2005، لم يستسغ القذافي إجابة قنديل على تساؤله عن سر هجومه على مبارك، وحين سأله عن سر اعتراضه على جمال مبارك، أجابه قنديل: ليس عليه اعتراض كشخص، لكن الجمهوريات لا تورث يا سيدي، فلم يعلق القذافي وقال: حين آتي إلى القاهرة في المرة المقبلة سأصطحبك إلى الرئيس مبارك لأصالحكما، ولم يرد قنديل. بعد أربع سنين كان حمدي قنديل طرفاً في مكالمة غاضبة بين مبارك والقذافي، حين ظهر في قناة «الليبية» بعد وقف برنامجه في قناة دبي، بتدخل رسمي مصري، فاتصل مبارك منزعجاً من دعم ليبيا لبرنامج قنديل الذي سبق إيقافه في التلفزيون المصري وقناة «دريم»، وكما عرف أحد أصدقاء قنديل الذين كانوا جوار القذافي وقت المكالمة، فإن مبارك حين لم يعده القذافي بإجراء محدد لوقف البرنامج، قال في ابتزاز واضح للقذافي إنه قبل أيام منع إحدى الصحف القومية من فتح النار على القذافي، وطلب منه صراحة أن يتخذ موقفاً لا يقل حسماً، فلم يكتف القذافي بوقف البرنامج، بل أوقف بث القناة نفسها وضمها إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية.
حين عاد حمدي قنديل إلى القاهرة بعد نهاية تغريبته الغريبة، أعلن في أكثر من برنامج أن الرئاسة كانت وراء إيقاف برنامجه في قناة «الليبية» وقناة «دبي»، ليتصل به المهندس أسامة الشيخ حاملاً رسالة من وزير الإعلام أنس الفقي تبلغه ألا أحد في الرئاسة ضدك، والكل يرحب بعودتك ولا يمانع في عملك في أي مؤسسة مصرية، بعد أيام اتصل به رئيس ديوان رئاسة الجمهورية زكريا عزمي ليبلغه الرسالة نفسها، فرد قنديل بدون أن يفكر في ما سيقوله لاحقاً: لكن ذلك غير صحيح، أنتم الذين أوقفتم البرنامج، وحين سأله زكريا إن كان يملك دليلاً، أجاب قنديل بالإيجاب، ففوجئ بزكريا يقول له: إذن نلتقي ونناقش الأمر، ووعده عزمي بالعودة إليه لتحديد الموعد والمكان، وبالطبع كانت هذه آخر مرة يسمع صوت زكريا عزمي، الذي كان وقتها يطبق سياسة يحب مبارك اتباعها أحياناً، وهي ممارسة الأذى بدون تبيان العضو الذي يتم به الأذى، وهي سياسة لم تعد متبعة في زمن «الحفر على الناشف».
في مذكراته الممتعة قدم حمدي قنديل ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ نقداً خجولاً للتجربة السياسية الناصرية، التي كان من وجوهها الإعلامية، واعترف بشجاعة بخطئه المهني والأخلاقي في إجراء حوارات مع معتقلي الإخوان في السجون، وربما لأنني أقدره وأحب شخصه، أظنه لو أعاد كتابة المذكرات الآن، لكان أكثر وضوحاً في نقده للفترة الناصرية المؤسسة لما تعيشه مصر الآن، ولقال لقارئه أنه حين يحكم الضباط الإعلام، ويصبح من حقهم المنح والمنع، أياً كان حسن النوايا ونبل الشعارات وكفاءة الأشخاص، فإن ما بدأ بمحمد فائق وعبد القادر حاتم، كان لا بد أن يوصل إلى صفوت الشريف وأنس الفقي، ولم يكن غريباً أن ينتهي بعباس كامل وسعيد حساسين، والمقبل أسوأ وأضل.
…
«عشت مرتين» حمدي قنديل ـ دار الشروق
٭ كاتب مصري
بلال فضل