بيان حركة الذبابة أو الكتابة بخمس أعين

حجم الخط
0

المزعجة المقزّزة المقرفة القذرة القميئة القبيحة الحقيرة المحقَّرة المبعَدة المطرودة المطارَدة الملحاحة العائدة المتعاودة الشّاهدة شاربة الدّم آكلة القيء المدنِّسة المدنَّسة المعدية الدّليل.
أينما حطّت ذبابة يكمن الواقع.
طارت الذبابة… أنصت إلى المخيّلة.
أيزعجك طنين جناحيها وأنت تستجدي النّوم كما تستجدي آلات سحب النّقود (جداريّات القرن العشرين) بعد أن قطع الشّهر رأسه.
طبعا لا بدّ لك من رأس آخر أحمر في النّصف السفليّ من الشّهر تسدّ به ثقوبك (درئا للنّوايا المقرفصة نوضّح: الدّيون ثقوب في ميزانيّتك ورأس الشهر الأحمر هو ما تسمّيه أنت الحساب البنكي الأحمر). تقف أمام الجدار، بيد تحكّ أيرك وبأخرى تداعب آلة السّحب. تمرّر أناملك على أزرارها، تفكّ شيفرتها. تضغط على زرّ اللّذّة ويدك الأخرى قد غابت خلفك.
مُدّ يديك الآن، فالآلة تستمني.
هكذا إذن يزعجك طنين الذّبابة والأرق يدغدغ أذنيك القصديريّتين. لكنّ النّوم لا يأتي من الجدران.
جرّبت كلّ أنواع المبيدات الحشريّة… تموت الذّبابة ويبقى الطّنين.
لن نخبرك بالسّرّ كي لا نعطّل عجلة الاقتصاد المثقوبة (فأنت تشتري كلّ ثلاثة أيّام مبيدا حشريّا بثلاثة دنانير وسبع مائة ملّيم أي ما يعادل سبعة وثلاثين دينارا شهريّا. لنقل ثمّت خمسة آلاف من المنزعجين أمثالك. جمليّ مصاريف الانزعاج شهريّا حوالي مائة وخمسة وثمانين ألف دينار.)
كلّ ما فعلته الذّبابة أنّها حرّكت جناحيها فكانت المخيّلة. المخيّلة مستنقع نغرف منه كلماتنا.
لماذا لا نكتب الرّوائح ولا نرسم الموسيقى؟
تستشعر الذّبابة نداء ساقطا من الزمن فتحطّ عليك أينما كنت: كنتَ منهمكا في أكل مرق الفاصوليا بكُرات اللّحم المفروم الذي ستتغوّطه وتحمله المجاري إلى المخيّلة. في الصّحن تسقط ذبابة. كنت منغمسا في ممارستك فلم تتفطّن إلاّ والذّبابة بين فكّيك الميكانيكيّتين، ستتقيّأ طبعا.
تحطّ ذبابة على قيئك، تتذوّقه: لذيذ كلحظة بكاء صادقة، طازج ككلّ شيء آت من الأعماق، دسم حدّ الوضوح.
أكلت منه الذّبابة ثمّ طارت وقالت: ‘لا تنس أنّه أينما أحطّ يكمن الواقع وأينما الطّنين تكمن الفكرة.’
معتوه من يسمع سياسيّا يتكلّم (‘يتكلّم’ على سبيل الاستعارة) ولا يتقيّأ ثمّ يترشّف قيأه وينصت إلى طنين الذبابة.
وأنت تترشّف قهوتك الصّباحيّة في المكتب أو في البيت أو في السّيّارة أو… في المقهى (لا مبرّر لهذا الإسراف اللّغويّ ما دامت جميع الأمكنة مرتعا للأفكار نفسها، أفكار سمينة حقّا، جذورها تعرّش في البطن وأوراقها الشّحم. كيف تستغرب وجود الذّباب وأنت لا تحصد غير الجيف؟)
تحطّ على دماغك ذبابة فتهشّها. نسيتْ حركة يدك الميتافيزيقيّة فحطّت على جبينك. تهشّها فتنسى ملامح وجهك المفرطة في الحنين وتحطّ على أنفك فتهشّها. تنسى الذبابة أعصابك الكالشة فتحطّ على عينك. تطردها رموشك وتطاردها يدك لكنّها لا تتذكّر أنّك كنت إنسانا قبل خمس ثوان. تطأ خدّك، تذكّرك خطواتها بأنّك حيّ فتهشّها وهي تستعدّ لغرس رايتها. بحدس النّسيان ترى كيس قمامة أسود مكتنزا بين شفتيك. تشدّها جاذبيّة المعنى النّتنة فترخي طنينها. أنت دائما تنسى أنّها تنسى فتهشّها واللّعنة تسبقها إلى السّقف.
الكتابة نسيان.
تتركك الذبابة خارج نسيانها. هل تشعر بالرّاحة الآن كمن تغوّط بعد عسر؟ استمتع بقهوتك إذن وانس أمر الذبابة الملعونة.
الذبابة على السّقف، الذبابة على الجدار، الذبابة على الجدار، الذبابة على الأرض، الذبابة على السّقف، الذبابة على الجدار، الذبابة على اللاشيء، الذبابة على السّقف، الذبابة على الأرض، الذبابة على الباب، الذبابة على اللاشيء، الذبابة تترشّف لعنتك… الذبابة في الفنجان.
ليس انتحارا بل هو لا سقوط حرّ.
هكذا هي القصيدة بين لعنة تلاحقنا فنلحقها ونسبقها إلى… فتسبقنا إلى…

لن تأخذ دورتُك الدّمويّةُ المنحنية بالوراثة شكل رائحةٍ رخوةٍ. وحده طيران الذبابة لا هندسيّ (لا قانونيّ). طيرانها لا هندسي لأنها لا تسمع طنينها. طيرانها لا ينتمي إلى الحركة لأنه سكون والسكون أصل كل حركة. طيرانها لا هندسي لأنها ترى بخمسة أعين. هي أكبر من الهندسة لذلك لم تكن تدخل على أفلاطون. لا تفزع فهذا مرض غير معد لكنّها تصرّ على امتصاص دمك ليكون لأصابعك العاطلة وظيفة: تهشّ بها على جسدك، تحكّ أثر الذبابة، تحاول صيدها…
وقد تنجح…
لن تجد تحت جناحيها سوى الطّنين.
إن فقأتها بحذائك فقد دست دمك.
سيقول دمك: ‘لو أنصتّ إلى طنين الذبابة لسمعتني’.

*شاعر من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية