صفحة من تاريخ الوشاة

حجم الخط
0

حدث ذلك في يوم من أيام 1924، ذهبت فيه مجموعة من طلاب كلية الحقوق في الجامعة المصرية، لزيارة ليمان طرة، أشهر سجون مصر، ضمن فعاليات دورة تدريبية صحبهم فيها أستاذ القانون الجنائي، وخلال تجوالهم في أرجاء السجن، قال لهم مديره، إنه متردد في السماح لهم بزيارة قسم صناعة السِّلال، لأن هناك مسجوناً سياسياً يعمل فيه، كان من زملائهم في الكلية، هو السجين عبد الفتاح عنايت، الذي كان يقضي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، لاتهامه باغتيال السيردار لي ستاك القائد الإنكليزي للجيش المصري، رغم أن عبد الفتاح عنايت نفسه كان قد طلب من المأمور أن يسمح له برؤية زملائه السابقين، فقال الزائرون للمأمور إنهم يرغبون في رؤية زميلهم الذي يفتخرون به وبنضاله، لكن عبد الفتاح عنايت حين رأى زملاءه لم يتمالك مشاعره، وانهار في البكاء، فطلب مدير السجن المتعاطف معه من زملائه أن يغادروا قسم صناعة السلال مسرعين، تاركين عنايت لدموعه ولسلة كان قد بدأ في صناعتها.
لم تغادر تلك الذكرى ذهن محمود كامل المحامي والصحافي والكاتب المسرحي أيضاً، وحين أصدر في عام 1935 عدداً خاصاً عن البوليس المصري من مجلة «الجامعة» التي أنشأها وكانت تلاقي نجاحاً كبيراً في أوساط الشباب، قرر عمل حوار مع سليم زكي رئيس القسم السياسي في محافظة القاهرة، الذي تمخضت عنه بعد ذلك أشهر الأجهزة الأمنية المتخصصة في قمع السياسيين جيلاً بعد جيل، ليسأله عن طبيعة عمل ذلك القسم الذي بدأ نشاطه بشكل منظم في مطلع عام 1924، وتسبب في القبض على عدد من زملاء محمود وأساتذته بتهم سياسية، فقال سليم زكي إن القسم مشغول الآن بمراقبة الأرمن المقيمين في مصر، خاصة المنتمين منهم لأحزاب سياسية، ومراقبة الشيوعيين، سواء الأجانب الذين يتم نفيهم من مصر قبل محاكمتهم، أو المصريين الذين يتم إحالتهم إلى المحاكمة بعد «ثبوت إدانتهم ببث الدعوة الشيوعية»، ومراقبة الفوضويين الذين يدعون لعدم الاعتراف بالحكومات والسعي لقلبها وعدم الاعتراف بالملكية، واعتبارها سرقة «وهم قليلو العدد جداً».
حين سأله محمود كامل عن أبرز الطرق التي يتوصل بها رجال القسم لكشف المؤامرات السياسية، أجابه سليم زكي، إن ذلك يتم بواسطة المرشدين، وضرب مثلاً بأشهر القضايا التي أنجزها ذلك القسم، وهي قضية القبض على المشاركين في اغتيال السيردار لي ستاك، التي اعتمد فيها القسم على المرشد نجيب الهلباوي، الذي كان سليم يعلم صداقته بالأخوين عبد الرزاق وعبد الفتاح عنايت، حيث اتفق معه على استئجار غرفة في أحد بنسيونات القاهرة، ثم تم تكليف الصاغ حمدي مساعد سليم باستئجار الغرفة المجاورة، والاستماع من خلال الباب الفاصل بينهما إلى الحديث الذي يديره الهلباوي مع الأخوين عنايت، وتم استحضار قنابل من الجيش الإنكليزي، تم إخراج البارود منها وإعطاؤها لنجيب، لكي يستخدمها في إقناع الأخوين عنايت بخطورته، قبل أن يحدثهما عن سخطه على الذين قاموا بقتل السردار لما تسببوا فيه من أضرار لمصر، فيضطرهما إلى الدفاع عما جرى، ليقوما بعد ذلك بحكم صداقتهم القديمة، بمصارحته باشتراكهما في القتل، فيظهر لهما رغبته في زيارة قبر مصطفى حمدي أحد الذين شاركوا في الاغتيالات السياسية، ومات متأثراً بجراحه أثناء تدريبه على إلقاء القنابل في جبل المقطم، وتم دفنه في قبر ظل يبحث عنه رجال البوليس عبثاً، وبالفعل أرشداه إلى مقر ذلك القبر، ليتوصل إليه البوليس أخيراً.
في اليوم التالي، تم القبض على محمود إسماعيل أحد المشاركين في القضية، الذين تم الحكم عليهم بالإعدام في ما بعد، وتم استدعاء الصحافيين لتصويره وهو يدخل إلى مقر وزارة الداخلية التي كان إسماعيل صدقي وزيرها آنذاك، وتم تصويره بعد خروجه من مكتب الوزير وإلى جانبه راسل باشا الحكمدار الإنكليزي للقاهرة، الذي وقف أمام الصحافيين مبتسماً، وحين سأل الصحافيون سليم زكي عن سر ابتسامة راسل باشا، قال لهم إن محمود اعترف بأسماء كل شركائه في قتل السردار، ولم يكن ذلك صحيحاً، لكن الصحف نشرت الخبر، وقام سليم بتكليف أحد رجاله بالتنكر في زي بائع صحف وطلب منه التوجه إلى مدرسة الحقوق التي كان عبد الرزاق عنايت طالبا بها، لينادي أمامها «اكتشاف قتلة السردار، اعتراف محمود اسماعيل، تفتيش بيوت المتهمين»، فاشترى عبد الرزاق نسخة، واتجه إلى منزل محمود راشد أحد شركائه، فوجد البوليس محيطاً بالمنزل، فتأكد من صحة ما نشر عن اعتراف محمود، الذي كان في الحقيقة لا يزال صامداً ورافضاً التعاون. في الوقت نفسه اقترح المخبر نجيب الهلباوي على الأخوين عنايت فكرة الهروب بالأسلحة التي استعملاها في قتل السردار، إلى طرابلس عن طريق سكة حديد مريوط، وحين اقتنعا بالفكرة وبدآ في تنفيذها، أبلغ الهلباوي القسم السياسي بذلك، فسافر سليم وإنجرام بك مساعد الحكمدار إلى الإسكندرية بطائرة حربية إنكليزية، وكلف سليم مساعده بتتبع الهلباوي مع المتهمين الهاربين، ليتم ضبطهما متلبسين بالأسلحة بعد أن أخرجاها من مخبئها، ويحكم بالإعدام على أحدهما، وبالأشغال الشاقة على الآخر.
فجّر سليم زكي مفاجأة في حواره مع محمود كامل، حين قال له إن قيام القسم السياسي بالقبض على المتهمين في عام 1924، كان يمكن أن يحدث في عام 1921، بعد اغتيال السردار مباشرة، لولا أن البوليس تعرض لخداع استراتيجي من عبد العزيز راشد، أخو محمود راشد الذي أعدم في حادثة السردار، حيث ذهب إلى سليم بنفسه، وأخبره أنه علم بأن شخصاً يُدعى مصطفى الخيال، يقوم بصنع القنابل التي يُقتل بها الإنكليز، ففتش البوليس السياسي منزله بدقة، فلم يعثروا على شيء، لكنهم عند خروجهم من المنزل، وجدوا قنبلة ملقاة خلف باب المنزل الخارجي، ففهم سليم أن تلك القنبلة دُسّت بواسطة عبد العزيز، الذي اتضح أنه كان مرشداً كاذباً، لكن سليم لم يقم بإطالة مدة القبض على عبد العزيز، بل قام بتسهيل الإفراج عنه، ثم طلب من صديق لعبد العزيز أن يراقبه هو ومحمود، ويبلغه بمدى اتصالهما بحركة صنع القنابل، واتفق معه على أن يحتفظ دائما بعلبة سجاير، ليس فيها سوى سيجارة واحدة، فإذا وجد أن هناك قنابل أو مواد لتصنيع القنابل داخل منزل الأخوين راشد، يقوم برمي العلبة من النافذة، ووقتها لن يشك فيه أحدهما، لأنه يرمي علبة فارغة من السجائر، بعد أن أخذ منها السيجارة الأخيرة، وبالفعل قام المرشد بذلك، ليداهم البوليس السياسي المنزل، ويعثر فيه على قنابل وأسلحة، وتم تقديم عبد العزيز الذي كان موجوداً لوحده إلى محكمة الجنايات، وتمت إدانته، لكن البوليس لم يتمكن من القبض على محمود وباقي أصدقائه، ليتضح أن قتل السردار الإنكليزي تم بأسلحة مشابهة لتلك التي وجدت في منزل الشقيقين عبد العزيز ومحمود راشد، ولتتسبب خيانة المرشد نجيب الهلباوي بعد ذلك في إسقاط من بقي هارباً منهم، فيتعرض بعضهم للإعدام، وبعضهم للسجن، ويتعرض الجميع للنسيان في مصر التي لا تكف عن إنجاب الأبطال والجلادين والوشاة.

ـ «يوميات محام: صور من حياة مصر القضائية والاجتماعية والأدبية» محمود كامل المحامي ـ سلسلة كتاب اليوم عدد يوليو/تموز 1984

٭ كاتب مصري

صفحة من تاريخ الوشاة

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية