أثار تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» بشأن حرية الإعلام في ليبيا، والصادر مؤخرا، مخاوف الكثيرين داخل البلاد وخارجها بشأن مستقبل هذا البلد المغاربي المترامي والغني بالثروات الطبيعية. فما تضمنه التقرير بشأن التجاوزات الحاصلة للإعلاميين ولوسائل الإعلام، تم الاتفاق على أنه كارثي إلى أبعد الحدود ويقتضي التعجيل بضبط الأوضاع وقبل فوات الأوان.
فـ»الأزمة غير مسبوقة» حسب وصف المنظمة، التي عبرت صراحة عن مخاوفها، والصحافيون، حسب التقرير الصادر في 16 شباط/فبراير الماضي، يغادرون البلاد بعد سبع سنوات من الإطاحة بحكم القذافي. وحرية الصحافة الوليدة في ليبيا، بتعبير البيان، تترنح بسبب الوضع الأمني المزري والأزمة السياسية التي لا تعرف حلا رغم مضي سبع سنوات على الإطاحة بالقذافي.
الوضع السياسي
ومن الأسباب التي تثير المخاوف، حسب التقرير، انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب في ليبيا والتي يستفيد منها مرتكبو الانتهاكات على الصحافيين الأمر الذي يتسبب في مغادرة الكثير منهم الأراضي الليبية. أما من لا يغادر فإنه يضطر مكرها إلى الانقطاع عن ممارسة مهنة المتاعب خوفا على حياته وحياة أسرته في وضع وصفه التقرير بأنه لا يطاق.
وحملت مراسلون بلا حدود الأطراف المتسببة في الانقسام الحاصل في ليبيا بين الشرق والغرب أي السلطتين في طرابلس وطبرق جانبا من المسؤولية في التدهور الحاصل في المشهد الإعلامي الليبي. فهذا الانقسام في رأيها، والذي تفككت به الدولة الليبية، يمس استقلالية الصحافة من جهة ويساهم في تعريض حياة الصحافيين إلى الخطر.
وحسب المنظمة فقد قتل على الأقل 18 صحافيا في ليبيا منذ ثورة شباط/فبراير 2011 ولجأ ما لا يقل عن 67 صحافياً إلى المنفى واضطرت 8 منابر إعلامية ليبية إلى التواصل مع جمهورها من خارج البلاد. ولم يشر التقرير إلى جنسيات الضحايا، وهل أن الرقم المتعلق بمن تمت تصفيتهم يشمل الصحافيين الليبيين فقط؟ أم أن من سواهم هو ضمن هذا التعداد؟
فالاستقطاب الذي يميز الوضع السياسي، بتعبير البيان، جعل ممارسة الإعلام أمرا مستحيلا في بلد بات فيه إسكات الصحافيين هو الشغل الشاغل لعدد من الجماعات المسلحة أو من المسؤولين في طرابلس وطبرق. فحتى تغطية الحفلات الخاصة باتت مثارا لقلق بعض الأطراف الليبية التي ترفع الشعارات الدينية، حيث أشار التقرير إلى إيقاف مصور وكالة «فرانس برس» على مدى يومين في بنغازي، شرق ليبيا، لأنه قام بتغطية حفل عام حضره شبان وشابات من طلبة الجامعة.
تراجع الإصدارات
وفي هذا الإطار تعتبر الصحافية الليبية فاطمة غندور في حديثها لـ«القدس العربي» أن الأزمة السياسية تلقي بثقلها على المشهد الإعلامي في ليبيا وعلى أداء الصحافيين بمراوحتها بين حالة اللاسلم واللاحرب، وما زالت التحديات قائمة وأهمها حرمان الصحافيين من ممارسة عملهم في إطار يضمن حقهم في حرية التعبير والرأي. فقد توقفت عشرات الصحف والمجلات عام 2014 وهي نشريات انطلقت مستقلة، حسب محدثتنا، وأصدرتها تيارات مختلفة إبان ثورة شباط/فبراير 2011 حينها كانت التقارير الدولية تتحدث عن تحسن ملحوظ في حرية الصحافة في ليبيا.
وتضيف قائلة: «اليوم لا اصدارات صحافية تقريبا في ليبيا، هناك تراجع كبير حتى في ممتهني الصحافة الحكومية الذي يجلس أغلبهم في مكاتبهم الوظيفية دون إنتاج خبر حتى. فما يصدر من مؤسسة حكومية هي هيئة دعم وتشجيع الصحافة – التي ظهر مؤخرا توظيفها لإرهابي مطلوب من الانتربول! -هو فقط صحيفة إخبارية ذات عناوين محلية ودولية مستقاة من وكالة الأخبار، ولا تتجرأ هذه الصحيفة على وضع مقالات رأي أو تحقيقات استقصائية رقابية كاشفة لكثير من التجاوزات التي تحصل يوميا.
السلاح وهيمنة الميليشيات بمظلة حكومية في العاصمة، وهي ميليشيات اختطفت طرابلس من خلال حرب المطار 2014، كلها أمور تتهدد أي حيز حر لعمل صحافي. لكن ذلك لا يمنع من وجود بعض الاجتهادات التي يقوم من خلالها بعض الصحافيين، ومن خلال صفحاتهم على فيسبوك أو تويتر بنشر أخبار البلاد معتمدين على شهود العيان، وهي اجتهادات محفوفة بخطر اكتشاف صاحبها ليتعرض للتهديد ومن ثم الاعتقال».
لقد ظلت المواقع الإلكترونية والفضائيات الليبية التي تغرد خارجا (وإن انحاز أو حمل بعضها أجندة منحازة لانتماءات تقسم البلاد) وحسب فاطمة غندور، بديلا يحاول تقصي ونبش التجاوزات وجمع المعلومات من مصادر لا يعلن عنها عادة. لكن بعض هذه القنوات والمواقع يتحفظ مراسلوها، عن التنقل لعين المكان لمواقف مروا بها تمثلت في تدخل تعسفي لميليشيات مسلحة تطرح محظوراتها المقيدة للعمل الصحافي مما يؤدي إلى تراجع كبير في الأداء مع عدم توفر المناخ الملائم.
انتهاكات يومية
أما هبة الشيباني الصحافية الليبية ومنتجة الأخبار التلفزيونية فتقول متحدثة لـ«القدس العربي» عن الوضع الكارثي لحرية التعبير والصحافة في ليبيا: «مع الأسف واقع الإعلام الليبي اليوم يسير من سيء إلى أسوأ، حيث ان الانتهاكات التي تطال الصحافيين تحصل بشكل شبه يومي وأصبحت روتينا عاديا يمارس من قبل الميليشيات التي تحكم على الأرض مع هؤلاء الذين يتواجدون في مواقع السلطة ولديهم حملة سلاح يقومون بحمايتهم. وتنديد المنظمات الحقوقية بالانتهاكات هو تنديد بما تم تسجيله فقط، وأنا أخشى ان يكون الواقع أكثر رعبا مما تم الإبلاغ عنه، حيث ان التعدي اللفظي والجسدي حاصل على كل من يغطي الأخبار في ليبيا، وخصوصا إذا كان الصحافي ليبي الجنسية، فالتعدي على ابن البلد عادة يكون اسوأ بكثير من التعدي على الصحافي الأجنبي والأسباب على ما أعتقد واضحة».
وتضيف قائلة: «ان أبرز التحديات التي تواجه الصحافيين الليبيين اليوم، غير وفرة السلاح والتهديد الدائم لسلامتهم وسلامة عائلاتهم، هو تحدي القدرة على الوصول إلى المعلومة، حيث ان حق الوصول إليها اليوم أصبح أصعب من أي وقت مضي. وعدم وجود مصادر رسمية وواضحة يفتح الباب أمام الأجندات والأموال الفاسدة للسيطرة على المشهد الإعلامي الليبي وتسييس الأخبار كلً حسب مصلحته الخاصة».
إن ارتباك وتضارب التصريحات بين الحكومات المتناحرة لا يؤدي، حسب محدثتنا، إلا إلى تغييب المواطن والاستخفاف بقدرته على استيعاب ما يجري من حوله، ويؤدي أيضا إلى فقدان الإعلام وخاصة الصحافيين الذين يعملون على الأرض لمصداقيتهم وبالتالي قدرتهم على التأثير في المجتمع وكشف الحقائق. وتتمنى الشيباني أن يعود الاستقرار قريبا للمشهد الليبي وأن يشاهد العالم تطورا واضحا في المواقف الليبية والدولية فيما يخص حماية الصحافيين والتصدي لعمليات التهديد والخطف والقتل التي تطال كل من يحمل القلم او الكاميرا على حدا سواء. كما تتمنى الإعلامية ومنتجة الأخبار الليبية ان لا تعود عجلة الحريات إلى الوراء مثلما هو حاصل اليوم مع الأسف في بعض دول الجوار.
صعوبات
وعن سؤال «القدس العربي» للصحافي الليبي في جريدة «ميادين» الحسين المسوري لإبداء رأيه حول واقع الإعلام في ليبيا اليوم والصعوبات التي تواجه الصحافيين بعد حديث منظمة «مراسلون بلا حدود» مؤخرا عن أزمة غير مسبوقة يواجهها الإعلام في ليبيا بعد سبع سنوات على الثورة، يجيب الصحافي الليبي قائلا: «بالطبع الانقسام السياسي والاصطفاف الحاد وتفجر النزاع المسلح، يتطلب أن يكون لوسائل الإعلام دور في نقل الخبر والصورة ومختلف الآراء التي تمثل كل أطراف الصراع. وبالتالي فقد أصبح الإعلامي مستهدفًا ولا أحد يحميه لأن جميع الأطراف تريد من يطبل لها ولا يقدم مادة إعلامية موضوعية. وخلال هذا الصراع المسلح في ليبيا حصلت انتهاكات ارتكبت من جميع الأطراف، والإعلام كشف هذه الانتهاكات، وبالتالي فإن من لديه السلاح والسيطرة على الأرض لن يقبل بفضحه للرأي العام لذلك يقوم بتهديد واعتقال كل إعلامي ينقل حقيقة ما يجري. أما الصعوبات التي يواجهها الإعلامي في ليبيا فهي أمنية في الدرجة الأولى فهو معرض للتهديد هو وعائلته عبر تفجير سيارته كرسالة تحذيرية مثلًا والضرب والخطف والتغييب القسري وحتى القتل وحملات التشهير التي تتعلق بحياة الإعلامي الخاصة هو وعائلته وخاصة الإعلاميات النساء عبر جيوش إلكترونية في مواقع التواصل الاجتماعي. وبالإضافة إلى ما ذكر من صعوبات، هناك ضعف البنية اللوجستية مثل الانقطاع المستمر للكهرباء وخدمات الاتصالات والإنترنت، كما قلّت فرص العمل المتاحة والرواتب التي تتأخر لشهور».
وعن سؤالنا عن حقيقة ما يشاع من أن عددا كبيرا من الصحافيين في ليبيا انقطعوا عن ممارسة المهنة؟ يجيب المسوري بالقول: «بالطبع عندما تكون حياتك في خطر دائم ومعرض للخطف والقتل في أي لحظة ولا أحد يحميك ولا يقف معك فإن ممارسة المهنة هو نوع من الانتحار. فالبعض آثر السلامة وتوقف عن العمل الإعلامي والكثير خرج من البلاد ووجد فرصة في مؤسسات إعلامية تعمل من الخارج.
فالوضع الحالي أثر بشكل كبير على حرية الإعلام لأن هناك انقساما سياسيا واصطفافا حادا حتى بين بعض الإعلاميين أنفسهم مع وجود وسائل إعلام تتبع أو تمولها أطراف الصراع. فأصبح هؤلاء الإعلاميون، وهم قلة، يؤدون وظيفة الناطق الرسمي أكثر من كونهم إعلاميين، فغابت المهنية والموضوعية في طرح القضايا الهامة».
ويتطلع محدثنا إلى أن ينجح الليبيون في الوصول إلى حل ينهي الصراع وان يبدأوا في بناء دولة المؤسسات التي تفصل بين السلطات وتحترم جميع المواطنين وتحمي حقوقهم وتمكنهم من أداء واجباتهم. وبالتالي سيكون الليبيون حينها، وفي رأي محدثنا، قادرين على بناء مؤسسات إعلامية أكثر قوة ومهنية. أما إنقاذ الإعلام وإبعاده عن أي تجاذبات سياسية في هذه المرحلة فهو أمر صعب، بالنسبة للإعلامي الليبي، وشبه مستحيل لأننا نعيش اصطفافًا حادًا في ليبيا وحتى بين بعض الإعلاميين أنفسهم مع وجود وسائل إعلام تتبع/ أو تمولها أطراف الصراع، ولكن يمكن أن يجتمع المسؤولون في وسائل الإعلام وأن يتفقوا، حسب المسوري على عدم بثّ المواد التي تهدد سلامة النسيج الاجتماعي وعدم إخراج الصراع من ميدانه الحقيقي وهو الميدان السياسي. وعن عدد المؤسسات الإعلامية الليبية التي غادرت ليبيا وتعمل من الخارج سواء كانت صحفا أو إذاعات؟ يؤكد محدثنا انه لا توجد إحصائية دقيقة ولكن هناك المؤسسات التي غادرت وهناك من تأسست في الخارج لعدم تمكنها من العمل من الداخل. ويرى ان أغلب المؤسسات الإعلامية غادرت باستثناء بعض المؤسسات التي تحظى بحماية أطراف الصراع على حد قوله.