في نظر الوزير السابق موشيه آرنس، وازاء جيش المعلقين الاسرائيليين الذين يهاجمون نتنياهو صبح مساء، يوجد شبه بينه وبين غولفر في أرض الأقزام: هاكم، أمام «زعيم مشهور» من عمالقة الساسة في أيامنا، يقف قطيع من الاقزام، الأدنى فكريا من أن يقيموا عظمة راعي الشعب (هآرتس، 12/3)، في حين أن النغمة المخجلة لعبادة الشخصية من الايام السابقة التي تصعد من داخل هذا المثال، والتي يتم ابقاؤها من دون اجابة، يجب الاعتراف أنه من نظرة جوهرية واحدة ـ التي تغيب تقريبا عن نظر آرنس نفسه ـ تعكس هذه المقارنة بصورة دقيقة إلى درجة الدهشة علاقة نتنياهو بالدولة الاسرائيلية. كما نذكر، بالنسبة لموئيل غولفر، البطل الرئيس في قصة «رحلات غولفر» التي كتبها جوناثان سويفت، كان أقزام البلاد الغريبة التي وصل اليها بعد تحطم سفينته في البحر. شبيهاً أيضاً بنتنياهو رغم أنه من مواليد البلاد، إلا أنه غريب في دولة اسرائيل بالمعنى العميق لمفهوم «الاغتراب».
فقط غريب تماما، لا يبالي تماما بمستقبل النسيج الغض لمجتمع المهاجرين الاسرائيليين المشبع بالتوتر، يستطيع تحريض بصورة وحشية ومنفلتة العقال، مجموعات مختلفة من مواطني الدولة، الواحدة ضد الأخرى. فقط غريب تماما، لا يرتدع عن قلب قيم أساسية وقاتلة في المجتمع الاسرائيلي، الذي يمكن أن يحدث عندما يرى المزيد من مؤيديه في جهاز تطبيق القانون، العدو الحقيقي الذي يحظر التعاون معه يتجرأ على التحريض ضد حراس العتبة بادعاء ومن دون خجل يتناسب مع رئيس عصابة إجرامية، بأن الشرطة والنيابة العامة تجبر الشهود الملكيين على الكذب من أجل إسقاطه. فقط غريب تماما، رؤية البلقنة العتيدة لبلاده الغريبة، لا تقض مضاجعه. يكون متحمس جداً لتسريع الخطى باتجاه ضم اراضي فلسطينية وتعميق الاحتلال للشعب الفلسطيني.
كارولاينا لنتسمان احتاجت هنا («هل يوجد اسرائيليون في اسرائيل؟»، هآرتس، 2/3) إلى أقوال المحامي يعقوب فنروت، المحامي القديم لنتنياهو، في مقابلة مع ايلانا ديان. فنروت قال إنه حسب رأيه «بيبي في أساسه هو أمريكي، هو ليس اسرائيلياً حقاً». لنتسمان ادعت وبحق أن حقيقة «أن أحداً لم يستأ باسم نتنياهو» بسبب التشكيك من هذا النوع لاسرائيليته، ليس فيه ما يدعو إلى التشكيك في وجود الهوية الاسرائيلية ذاتها، الآخذة في التحطم لمجموعات ومجموعات ثانوية.
لذلك، يجب أن نضيف أن نتنياهو هو فعليا الوكيل الاول لعملية تحطم الاسرائيلية هذه. يبدو أن نجاح العملية يعطيه لذة خاصة بسبب ذلك الاغتراب العميق تجاه المكان الاسرائيلي وتجاه مشروع تشكيل الوعي المحلي ـ الجغرافي الاسرائيلي.
الظهور الاخير لنتنياهو في مؤتمر «الايباك» يعكس الحقيقة التافهة نوعا ما، بأنه يشعر تماما بكونه إبن بيت في مجتمع اليمين اليهودي الأمريكي. وهي ايضا تدلل على ظاهرة فكرية وثقافية ـ سياسية عميقة اكثر، والتي أساسها هو أن الموطن الروحي لنتنياهو يتماثل مع الواقع اليهودي الشتاتي. بوقوفه أمام الجالية اليهودية الأمريكية، التي تنشغل تماما في سياسة الاقناع الشتاتية في صيغتها ما بعد الحداثة، هو يرى نفسه يصل إلى ذروة أحلامه، زعيم شعب اسرائيل في الشتات والخبير بلغة السيد ورموزه الثقافية، والذي يعرف دائما أن يسوي خلف الكواليس شؤون جاليته الخاضعة لرعاية الامبراطورية.
من أجل استكمال تحقيق هذا الحلم، والتغلب بذلك على شعور الاغتراب والاشمئزاز الذي يثيره فيه الواقع الجغرافي الرسمي الجديد لاسرائيل يكرس نتنياهو جهده لمشروع النفي الشامل والعظيم لدولة اسرائيل. كل واحدة من خطواته لتحطيم الدولاتية والهوية الاسرائيلية، يندمج بها بصورة منطقية وعملية جداً، من خلال قلب التوجهات الاساسية للصهيونية الحقيقية.
كما نذكر، «الرحلة إلى بلاد الاقزام» تنتهي بهرب غولفر من بلاد الاقزام، عندما اكتشف أنه تنتظره لائحة اتهام شديدة، غير مبررة وغير معقولة من ملك الاقزام، ناكر الجميل. إذا قدمت حقا ضد نتنياهو لائحة اتهام بقضايا الرشوة المتهم بها، فهل سيذهب آرنس بعيدا في مقارنته بين نتنياهو وغولفر في بلاد الاقزام، من أجل تقزيم بنود لائحة الاتهام بما يتناسب مع بلاد الاقزام؟ مهما كان الامر علينا الأمل بأن الرحلة السياسية لنتنياهو في الارض الغريبة على وعيه الاثني ـ الشتاتي، التي تعارض البنية الاساسية الفكرية للصهيونية الحديثة، ستصل أخيراً إلى نهايتها.
هآرتس 18/3/2018