التطورات الأخيرة في الساحة الأمريكية ـ الروسية تدل على أن النجاح الزائد يحمل في طياته بذور الاضطرابات، التي من شأنها أن تلغي تماماً إنجازات الماضي. حقيقة أن فلاديمير بوتين «الذي حظي أول من أمس بولاية جديدة، وهذا غير مفاجيء»، تدخل بشكل فظ جداً في الخطاب الداخلي الأمريكي، واستخدام الأدوات والوسائل الشرعية للمجتمع الأمريكي المفتوح من أجل تعظيمه بصورة مصطنعة الشعور باللامبالاة والاغتراب والعداء تجاه المؤسسة بدأ في العمل ضده اليوم مثل السهم المرتد.
هكذا، فإن الشهادات المتراكمة حول اختراق «حصان طروادة» خبيثة ومدمرة عشية الانتخابات، إلى داخل الشبكات الاجتماعية والمؤسسات المدنية والحزبية والتي سحقت بشكل فظ النسيج الليّن لواقع التعددية الأمريكية، ولّدت وتواصل توليد، ردوداً مضادة شديدة من جانب إدارة ترامب والكابيتول.
وكما يبدو، فقد وقع الكرملين في غثيان المرتفعات بعد أن فاز في السباق على المليون. وطوال ثماني سنوات كاملة وقف أمام رئيس متردد هولامي على شكل باراك أوباما، الذي خشي من أي مواجهة أو أي إظهار للقوة. هكذا نجحت موسكو، بالتحديد من موقف ضعف اقتصادي واضح، في أن ترسخ مكانتها الرائدة في الساحة السورية، وأن تضم شبه جزيرة القرم وأن تقضم مناطق في شرق اوكرانيا. هذا بدون أن تواجه عمليات الخرق هذه للوضع الراهن بمحاولة حقيقية من جانب الرئيس الـ 44 لتشكيل سياسة صد، وردع أو احتواء تجاه التحدي الروسي.
هنا يكمن خطأ بوتين الاستراتيجي. فبدل الحفاظ على انجازاته والاعتراف بحدود قوته، ثمل من تسلسل نجاحاته وقرر كسر قواعد اللعب وإرسال جنوده «الواقعيين وغير الواقعيين» مباشرة إلى قلب الديمقراطية الأمريكية. صحيح، في المدى القريب، فقد تحقق هدفه الاستراتيجي على شكل انتصار المرشح للرئاسة، والذي دعمه عملاؤه الخفيون. ولكن من الواضح الآن أن ذلك كان انتصاراً جزئياً، حيث أنه كلما تبين حجم محاولة هندسة تفكير الناخبين كلما تعزز التوجه في أوساط الحكومة والكونغرس والرأي العام للتحرر من العناق الخانق والمهدد للدب الروسي.
على خلفية الخوف من أن يتبنى الكرملن نموذج عمله السري التآمري أيضاً في انتخابات منتصف المدة للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر، وعلى خلفية لائحة الاتهام الصعبة، التي تمت بلورتها من قبل المخابرات ووزارة المالية ولجان الكونغرس وطاقم المحقق الخاص روبرت مولر، قرر الرئيس (خلافاً لموقفه السابق تجاه موسكو) العمل للتنفيذ الكامل لرزمة العقاب الواسعة تجاه مواطنين وجهات استخباراتية كانت متورطة في الجهود الروسية ليس فقط للتأثير على نتائج الانتخابات، بل أيضاً لاختراق البنى التحتية الحساسة (ومنها مجال الطاقة). اضافة إلى ذلك، في الأيام الأخيرة قررت الادارة الانضمام إلى بيان الادانة الشديد لفرنسا والمانيا، اللتين منحتا دعماً كاملاً للخطوات التي اتخذتها بريطانيا ضد موسكو في أعقاب محاولة تصفية العميل المزدوج الروسي السابق سرجيه سكريبال وابنته على الاراضي البريطانية. وإذا لم يكن هذا كافياً، يمكن رؤية في تعيين الصقر مايك فومباو في منصب وزير الخارجية (بدلاً من ريكس تلرسون). في الاسبوع الماضي، إغلاق الدائرة على محاولة إحياء أيام الانفراج بين الغرب والشرق من انتاج ريتشارد نكسون وهنري كيسنجر، وهكذا فإن المواقف الهجومية وغير المتهاونة لبومباو تجاه الكرملين ضمن مسائل أخرى تمنح تعبيراً واضحاً وصافياً لحقيقة أن بوتين قد أحرق طبخته، والآن تقف أمامه دولة عظمى مصممة ومستعدة. عهد أوباما انقضى بلا رجعة.
اسرائيل اليوم 20/3/2018