«زهرة الصمت» للروائي رؤوف مسعد: ما بين الأسطوري والتاريخي والعلاقات الشائكة في المجتمع المصري

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: الكاتب والروائي المصري رؤوف مسعد يُعد صوتاً مختلفاً من أصوات الرواية المصرية والعربية، أسلوباً وموضوعاً ولغة، إذ دوماً تبدو عوالمه الروائية من المحرمات العربية، بداية من عمله الأشهر «بيضة النعامة»، والأكثر عمقاً «مزاج التماسيح»، مروراً بأعمال مثل.. إيثاكا، غواية الوصال، زجاج معشق، وأخيراً رواية «زهرة الصمت»، التي تمت مناقشتها مؤخراً ضمن الندوات الأسبوعية التي يقيمها (منتدى المستقبل للفكر والإبداع)، في مكتبة خالد محيي الدين، في حزب التجمع في القاهرة. أدار الندوة الشاعر علي عطا، بمشاركة كل من الشاعر جمال القصاص والناقد يسري عبد الله، كذلك بعض من الكتاب والروائيين، منهم.. نعيم صبري ويحيى مختار.

من «مزاج التماسيح» إلى «زهرة الصمت»

بداية أشار الناقد علي عطا، إلى الإهداء الذي أفرده رؤوف مسعد في رواية «زهرة الصمت»، إلى «الشهداء من جيش مصر الحديث في حروبه المتعددة، وإلى شهداء الشرطة والجيش بمواجهة الإرهاب الحالي، وإلى شهداء التمييز الديني في مصر والدول العربية». كما أشار إلى الاستعانة ببعض شخصيات وأحداث رواية «مزاج التماسيح» في «زهرة الصمت»، استكمالاً ولو بشكل غير مباشر لأحداث وتفاصيل، أو البحث بمعنى أدق، أو كما يقول رؤوف مسعد نفسه بأن «مزاج التماسيح تعد نبوءة لم تكتمل». وكما كانت تدور أحداث «مزاج التماسيح» موضحة العلاقة المتوترة بين مسلمي ومسيحيي مصر، تأتي «زهرة الصمت» لتواصل البحث عن علاقة المصري بالآخر/المحتل، وكيف ستكون مصر طوال تاريخها في هذه الإشكالية أو العلاقة المتوترة دوماً بين سكانها والغزاة على مرّ العصور.

اللعب على مفاصل التاريخ والأسطورة

بهذا العنوان جاءت المداخلة النقدية للشاعر جمال القصاص، حيث أشار إلى التداخل ما بين التاريخي والأسطوري في «زهرة الصمت»، ويدور سؤاله.. هل قصد الكاتب البحث عن المهمش والمسكوت عنه في الشخصية المصرية بكل تعرجاتها وامتدادها في الزمان والمكان، هل أراد من خلال اللعب على حافة التاريخ والأسطورة أن يربط بين الماضي والحاضر، وكأنهما ظلال لأشياء انقضت، أو كأن الأسطورة والتاريخ هنا حريتان تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي في النهاية حرية الوطن والإنسان معا؟ يرى القصاص أن الأسطورة تعد نواة أساسية لفعل القص، ويوظفها الكاتب لتصنع حالة متجددة من الموازاة مع الأزمنة اللاحقة عليها، حتى تصل إلى الراهن المصري المعاش. في سياق الموازاة هذه تبرز أسطورة إيزيس وأوزيريس، مشكلة النواة ومركز الثقل في الرواية، ومحور إيقاعها في الوقت نفسه، فتتوازى معجزة بعث إيزيس بعد الموت مع معجزة مريم العذراء وإنجاب المسيح، بل تصل إلى حد الإحلال والتجسُّد، كما يشير الكاتب نفسه في ختام الرواية، فكلاهما (حورس والمسيح) ولدا من رحم الأسطورة، التي تشكل تجسيدا لمعجزة الخلق، رابطا في الوقت نفسه فكرة استنهاض الأسطورة وبعث الروح من جديد، بفكرة استنهاض الوطن كله، فكأن الأسطورة تمثل ضمنيا وعي الوطن الأعمق المستتر في ركام التاريخ وتعاقب الأزمنة. على ضوء هذا تشكل الرواية مجموعة من الرسائل المهمة، محاولة من خلالها أن تصحح بشكل أساسي اللغط حول انتشار المسيحية في مصر، خاصة في ظل الاضطهاد الروماني للأقباط المصريين، وما أعقبه من تمييز ضدهم لا يزال ينشب مخالبه في جسد مصر حتى الآن. من أبرز هذه الرسائل ما تكشف عنه الرواية، ويمكن وصفه بالعلاقة الحميمة بين الأقباط والحضارة الفرعونية، فهي الألصق بهم، بل كثيراً ما يرون أنفسهم امتدادا عضويا لها، على عكس النفور والتملص والهروب من الانضواء تحت العباءة الإسلامية بعد فتح العرب لمصر. ويختتم القصاص كلمته مع المشهد الختامي الدال في «زهرة الصمت»، حيث اشتعال ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وواقعة ماسبيرو الشهيرة، وما تعرض له المتظاهرون من محاولات دهس بمركبة للجيش أمام مبنى التلفزيون. فبينما يلمح جندي الحراسة على باب المبنى في الليل، زهرة تشق أرض الشارع أمامه، تتفتح، ثم تختفي حين داستها عرب تبديل الحراسة الطائشة، إلا أنها تنهض وتتفتح من جديد كأنها في نوبة حراسة أخرى مقدسة، تسلم خلالها الليل للنهار، ليولدا كل يوم من رحم أسطورة الشهيد، الذي رحل عن الحياة بالجسد فقط، بينما روحه لا تزال كامنة في مسامها، تماما مثل أسطورة إيزيس.

إشكالية النوع الأدبي

من ناحيته أشار الناقد يسري عبد الله إلى أن رؤوف مسعد من عمله الأول «بيضة النعامة»، يخرج عن فكرة النوع الأدبي، ويتحقق هذا تماماً في «زهرة الصمت»، حيث تبدو الرواية خليطاً من الأفكار والتصورات والمقابلات النصية، وهو ما يبتعد بها عن طرائق الكتابة التقليدية، لذا كانت تستلزم القراءة وفق مناهج نقدية مغايرة، غير المناهج المعروفة، التي يرتكن إليها النقاد دوماً. كذلك يشير عبد الله إلى الجدل الدائم في النص ما بين المرويات التاريخية والحكاية المتخيلة، حيث استند مسعد إلى كتاب بتلر «فتح العرب لمصر»، و«مصر في فجر الإسلام» لسيده كاشف، إضافة إلى العديد من المراجع الأخرى، لينتهج النص منحى توثيقياً يمتد لمناطق مختلفة كثيرة من الرواية، ليصبح الأمر بحثاً لما حدث لمصر والمصريين بين سيوف العرب وبشاعة الرومان. كذلك تواتر العديد من النصوص والتعاويذ الدينية، التي يتوافق حولها وجدان الشعب المصري.

عن «زهرة الصمت»

لم يفت الحضور المقال الذي كتبه صلاح فضل واصفاً زهرة الصمت بأنها (لا رواية)، ودار نقاش طويل حول فضل ورأيه. ونرى أن فضل أصبح ككهنة النقد في مصر، ويريد أن يؤمّن الجميع على كلماته، لكن الرجل وما يعيشه من دوغما اليقين المعرفي الذي يعمه في غيه، فاته أيضاً أن هناك بعض النصوص التي تخرج عما هو متعارف عليه، لكن اللافت أن بعض الحضور لا يريدون التصريح بخطأ الرجل، فقط دارت بعض الكلمات بأنه لم يقصد، وهكذا من العبارت التبريرية عديمة الجدوى، ففكرة عبادة الكهنة لم تزل مسيطرة على بعض العقول. هناك أيضاً مداخلات اهتمت أكثر بمضمون العمل، بدون التهافت وراء كونه رواية أم لا. فالروائي نعيم صبري، على سبيل المثال، أشار إلى أنه لا أحد يمتلك تعريفاً للرواية، فهي شكل فني لم يستقر على حال حتى الآن، وفي الآونة الأخيرة أصبحت شكلاً من أشكال البحث العلمي، ولم تعد قاصرة على مجرد كونها حدوتة أو حكاية، فهي تسخير لرؤية فنية للكاتب. كما أشار الكاتب يحيى مختار إلى أن رؤوف مسعد دوماً منشغل بالمواجهة بين المسيحيين والمسلمين، حيث الإحساس المسيحي بالاضطهاد، يناقش مسعد ذلك دونما حساسية أو خوف، كما يحدث مع الكثيرين من الكتاب.

من «زهرة ماسبيرو» إلى «زهرة الصمت»

وفي الأخير جاءت كلمة الكاتب رؤوف مسعد، مشيراً إلى عنوان الرواية الأصلي «زهرة ماسبيرو»، الذي تحوّل نزولاً عند نصيحة بعض الأصدقاء إلى «زهرة الصمت»، حتى تفلت الرواية من الرقابة ـ أشار مسعد إلى خوفه من عمال المطبعة بأن يستفزهم هذا العنوان، فيقومون بتشويه النص، سواء بحذف بعض المقاطع أو تبديلها ــ كما أشار مسعد إلى الطبيعة الملتبسة الآن للشعب المصري، الذي يرحب بالأجنبي والغريب على اعتباره سائحاً، لكنه في الوقت نفسه يمارس نحوه العنصرية والتميز، هذه العنصرية التي تمارسها الدولة ضد مواطنيها، وبالتالي يمارسها المواطنون ضد بعضهم بعضا، وقد ضرب التحوّل المجتمع، الذي أصبح يعيش الهوية الدينية مقابل الهوية الوطنية، ولعل في أحداث ماسبيرو وتبعاتها التجسيد الكامل لما تعيشه مصر اليوم.

«زهرة الصمت» للروائي رؤوف مسعد: ما بين الأسطوري والتاريخي والعلاقات الشائكة في المجتمع المصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية