■ قدر الشاعر في الحياة أن يكون صانع الجمال، فهو يحيا بعينينٍ تحدّقان إلى السماء لالتقاط المعنى وتصطدمان، أحيانًا، بلوثة العالم السفلي فتلتقطان ذلك النقص الذي يكتنفه. غير أنّ سعي الشاّعر يظل خائبًا مكتفيا بربح معنويّ خالص في مثل هذه المناسبة. هكذا يمضي الشّاعر المغربي حسن بولهويشات إلى الله في ديوان «قبل القيامة بقليل» (دار مخطوطات) الذي يشي بحضور مشروط بالزمن، فالقيامة في دلالتها تكشف عن نهاية عالم، وبداية تشكّل عالم آخر. كما يوحي ملفوظ «قبل» الذي تَصدّر العنوان باستطراد مؤقت مانع لتشكل عالم ميتافيزيقي مثالي، لكنه عالمٌ وارد وقوعه. وعلى الرغم من الحضور الميتافيزيقي الذي يكتنف العنوان، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة انطباع المجموعة بالرؤية الميتافيزيقية الصلدة بقدر ما ينمّ عن فسحة تأمّل الحياة وهي مقبلة نحو النهاية، ورصد الأتراح والخسارات بشكل أساسي، إذ يغدو العالم شبيهًا بمصير الإنسان الذي «يولد ويكبر ثم يموت» بتعبير القديس أوغسطين، ومن ثمة تستحيل الذات الكاتبة إلى دون كيخوتة جديد يصارع تقلبات الوجود ويتعثّر بمتاهاته وأوهامه.
وإذا كان عالم الجمال والمعنى عصيّ التحقق، فإنّ الشّاعر ينزع نحو الهدم متوسّلا بسخريّة سوداء، ذلك أن أي محاولة تغيير، لا بدّ أن يكون أساسها الهدم حسب المفكر الفرنسي ألكسي دوتكفيل، في الوقت الذي يصبح الشعر لبنة البناء الوحيدة والملاذ الأوحد:
«أن أقرأ أشعاري في إسطبل الدّواب،
ويصفّق البدو بحواجبهم الكثة
أن أكون أمازيغيّا،
وأنتسب للعرب بقوة الشعر
أن أهرب قصائدي إلى لندن والشام،
وأشتم اتحاد كتاب المغرب
وبيت الشعر
بلا سبب واضح».
فلا شيء يؤشّر إلى الطمأنينة في هذه المجموعة الشّعرية، ولا مكان للورود والعصافير، حيث اللغة تميل نحو الأعطاب والخسارات والبقع السوداء، وتتماهى مع العذاب الإنساني، لدرجةٍ تستحيل الولادة إلى هزيمة فظيعة، إنها الهزيمة التي تحيلنا إلى الفيلسوف إميل سيوران الذي يقول في كتابه «مثالب الولادة» «يوم يفهم كل منا أن الولادة هزيمة، سيبدو الوجود وقد بات أخيرًا أخف وطأة، شبيهًا باليوم الموالي للاستسلام شبيهًا باستراحة المهزوم وتنفسه الصعداء» فهل تتحوّل الولادة عند الشّاعر إلى ورطةٍ وجودية فيخلص من خلالها إلى التكهن باللاجدوى؟
»لا أدري
كيف التصق أبي بأمي كقنفذ،
وانزلقت مثل صابونة،
وجئتك أيها العالم عاريًا،
حافي القدمين
وبثلاثة كيلوغرامات على الأرجح»
ولا تقف قصائد «قبل القيامة بقليل» عند شروخ الذات وتشظياتها وحسب، بقدر ما تسبر أغوار الهموم الإنسانية والمشترك الكوني الذي يكتنف العلائق الإنسانية، خصوصًا تلك المتصلة بهموم المهمشّين ومعطوبي الوطن، بل أكثر من هذا عندما «تخبط برجليها على بلاط الساحة مع حناجر المحتجين والغاضبين» بتوصيفٍ صاحب الديوان نفسه في أحد حواراته الصحافيّة، يقول الشّاعر:
«من أعلى الجبل
رأيتُ العاطلين يمسحون وجه النهار
قرب حوانيت صغيرة
ومتقاعدي الجيش يزجّون الوقت
بالسّعال ولعبة الورق نكاية بالجنديّ القديم.
رأيتُ عمّال الأرض
بفؤوس ومعاول على الأكتاف
وربطات نعناع ذابلة في الأيدي
فيما الخير والشر
يسيران جنباً الى جنب كصديقين حميمين»
والهمّ نفسه، تقريبًا، يحضر بقوة في قصيدة «كأن يغمز الزلزال في درس الجغرافيا» حيث يتقوّى الشعور بالمأساة التي تُحايث الشعوب الواقفة على حواشي الحياة، فيمتزج الألم باللذة، والفرح بالحزن، والاطمئنان بالخوف، والخير بالشر، والصدق بالكذب:
«أمريكا الحنونة لولا فاكهة الدم
وهذا الرصاص،
آسيا الوجه الأصفر الشبيه ببطيخة،
أوروبا الوسيمة.. أيّ جرحٍ قديمٍ
وأيّ سلامٍ تحمله حمائم البابا؟
إفريقيا الطفل المعبأ بالذباب
أين وجهي؟
وطني النائم بين فكّي أفعى
أين حصّتي؟»
إنّنا أمام كتابة شعرية تستثمر تقنيات السرد بشكلٍ لافت بدون أن تتنازل عن توهّج الشّعر وألقه، في الوقت الذي تتكئ أنفاس القصيدة على سطوة الخيال الجانح نحو السخرية التي تمّ توظيفها في أغلب نصوص الديوان التي اتسمت بالترابط العضوي باستثناء النص الأخير «أشتري تذكرة خيال وأسافر» الذي جاء شذرياً وأكثر تكثيفا.
وفي المجمل، إنّ قصائد ديوان «قبل القيامة بقليل» تنتصر لمأساة الإنسان في هذا العالم بلغة ساخرة أشبه بضربات الكرباج. المأساة الموزّعة بالتساوي على ثيمات القسوة والتشظي والخراب، لكنّها، أيضًا، قصائد مُحرّكة لروح الجمال. وقطعًا ليس بمقدور الشّاعر أن يهدم العالم بمعول الشّعر، ولكنه يستطيع، على الأقل، أن يشير بالأصبع إلى القبح الذي يلوّن هذا العالم، ذلك أن الشّعر مؤامرة كبرى ينقلب فيها الشّاعر على نفسه، وعلى الحياة والعالم.
٭ شاعر مغربي
ياسين الحراق