الاحتلال المحلي وهوامش أخرى

حجم الخط
0

ـ كيف يمكن للاحتلال المحلي أن يكون أبشع وأشد وطأة من احتلال العدو الأجنبي؟ سؤال يحاول الروائي اللبناني أنطوان الدويهي الإجابة عليه في روايته (حامل الوردة الأرجوانية)، حين ينبهك إلى خداع النظر الذي نتعرض له في أوطاننا المنكوبة، «حيث تبدو مؤسسات الدولة بحكومتها وبرلمانها وقضائها، كأنها تعمل بانتظام وتتجدد في أوقاتها، لكنها وهم لا طائل تحته، لأن شبح الاستبداد الوافد إليها، تسرب عميقا إلى حناياها، بحيث أضحت واجهة كبيرة متعددة الأشكال والأقنعة لنظام الطغيان». يشعر بطل رواية الدويهي بالحزن والذهول، لأن شبح الاستبداد لم يسيطر على مؤسسات الدولة فحسب، بل تسرب إلى الإنسان أيضاً، وبعد أن كان يعتقد أن الشخص الطبيعي السائد في البلاد هو «الإنسان المتمسك بحريته، المنفتح على الآخر، المتسامح، المحب للعلم ولتعدد الأفكار، المحترم للحقيقة، المؤمن بالصالح العام، التائق إلى تحسين نوعية الحياة، القائم سلوكه والمستندة مواقفه على مجموعة من القيم والمفاهيم الواضحة والثابتة»، اكتشف أن مثل هذا الإنسان هو «الاستثناء الذي يصعب العثور عليه وهو الطائر النادر في مجاهل هذه الغابة، فالقسم الأعظم من الناس معروض للبيع والشراء، ولكل ثمنه، «كم يساوي فلان؟» هي العبارة الشائعة في السر والعلن، ومن لا ثمن له من ذوي الشأن والدور المؤثر، يتم اغتياله أو اختطافه أو إخفاؤه، أو الزج به في السجون بتهم ملفقة، وإذا حالفه الحظ، تم نفيه إلى الخارج».
يتأمل بطل الرواية كيف نجحت سياسة العصا والجزرة التي يستخدمها النظام الاستبدادي بشكل مذهل في تحويل أناس كان يعرفهم منذ حداثة سنه، منهم المفكرون والباحثون، ومعظمهم من أبناء العائلات المرموقة، ليفاجأ بهم وقد «تنكروا بين ليلة وضحاها، ليس لأقوالهم فقط، بل لكل ما ضمّنوه كتبهم ومقالاتهم من أفكار ومواقف»، ويرى قضاة لا تنقصهم الكفاءة ولا الشهادات الرفيعة وهم مستعدون مقابل المناصب المسندة إليهم لأن يقفوا كشيطان أبكم وكشاهد زور أمام الظلم، وتساهم تقاريرهم الخرساء في التعمية على جرائم خطيرة ومساعدة مرتكبيها في الإفلات من العقاب، «وليس هذا أو ذاك إلا مثالا من بين ألوف المثقفين والمتخصصين الذين هم في الوضع نفسه، وقد اختاروه وارتضوا به فكيف بعامة الناس؟».
يدرس بطل أنطوان الدويهي الطريقة الفعالة التي يمارس بها النظام الاستبدادي ثنائية الترهيب والترغيب، فيفصل عملها كالآتي: «في مرحلة أولى يعمد النظام عن طريق القوة وأحادية القرار إلى مصادرة جميع الوظائف والأدوار والمصالح المتوافرة في المجتمع. في مرحلة ثانية يقوم بإعادة توزيعها، ليس على أساس معايير، مثل العلم والاختصاص والخبرة والنزاهة، كلا بل على أساس معيار واحد أوحد: الطاعة العمياء للنظام والولاء المطلق لشخص الحاكم. تؤدي هذه العملية إلى هيمنة السلطة هيمنة تامة على المجتمع، وفي الوقت نفسه إلى تخريب منهجي لقدرات البلاد، وشل طاقتها المعرفية والمادية، وإغراقها في التخلف، ورميها على قارعة الطريق خارج حركة التاريخ»، وحين يحدث ذلك تكون النتيجة الطبيعية انهيار الحريات والقوانين والعدالة والإزدهار، وقيم العلم والعمل والمثابرة والنزاهة، «وتضمحل فكرة الصالح العام، وتنعدم حركة التقدم، فتبقى في المجتمع الواقع تحت هيمنة الاستبداد، حركة واحدة خاوية هي الآتية: يتسابق معظم الوجهاء لتقديم أنفسهم للنظام، ويتسابق معظم الناس لتقديم أنفسهم للوجهاء، ومن لا يسر في هذه الحركة ينتظره بؤس المصير»، وهو ما يجعل بطل الرواية يشعر أنه في بلد محتل، لكنه «محتل من أبنائه أنفسهم، وقد تسربت روح الاستبداد إلى معظمهم وسلبتهم ذواتهم، فأضحوا بلا هوية وفي غربة عن ارضهم».
ـ في رواية (هوا مصر الجديدة) للكاتب مجاهد الطيب، يرد نموذج متكرر في أوساط المثقفين بشكل خاص، هو نموذج وصفته مرة بأنه «المثقف الفهرس»، ويكتب عنه مجاهد قائلاً: «يقف على ناصية سطحية ما، يمكن وصفها بالعمق، هي شغلته وحظه في الحياة، لذا فيما لا يهتم بالتالي، سيتبحر في المداخل بكافة أنواعها، يغطس إلى مستويات سحيقة في السطح، ويتحقق من فروق دينية بين ألوان جادة متشابهة، تعز على غيره، تخصصه يقف عند المقدمات، وهذا ما يفسر وقوفه الدائم على منصة إطلاق رؤوس الموضوعات بصياغات غاية في التماسك، لكنها سرعان ما تذهب إلى هدف مجهول، ويستمر في الإطلاق»، ليصبح متخصصاً في ميلاد الأفكار دون اهتمام بحياتها أو موتها، وهو ما يصفه مجاهد بأنك تقف في حضرة هذا الشخص كأنك تقف في حضرة «مختارات/ فهرس/ واحد من كتب الحماسات، كُتِب بلا تحمس».
ـ نموذج مشابه في الجوهر ومختلف في التفاصيل لهذا الصنف الرديء من المثقفين، يقدمه الكاتب محمد ناجي في روايته (رجل أبله امرأة تافهة)، حيث يصف المثقف المدعي بقوله: «مرات يحاول أن يجرني لنقاش ليثبت أنه مثقف، أتفاداه بابتسامة ساخرة، هو مجرد كيس معلومات لا رأي له في أي شيء، ثقافة أخطر من الجهل، يناقشك، يخالفك أو يوافقك لأسباب لا علاقة لها بالرأي، أسباب شخصية، وإذا تعقّد النقاش يُخرج الحيّات من الكيس ويلقيها في وجهك: ناصري، شيوعي، إسلامي. يدعي العلم بوقائع ليستدرجك للبوح بتفاصيل أكثر دقة، يشتري من لسانك اليوم، ويبيع لأذنك في الغد، وحين يعجبه رأيك في مسألة يخطفه منك، ويجادلك بعد ذلك أمام الناس بنفس المنطق الذي جادلته به، لعب حواة». وحين زهق بطل الرواية منه قرر أن يلاعبه، فحدثه عن كتاب وهمي اختلق عنوانه واسم مؤلفه وناشره، ليفاجأ به بعد أيام ينصح غيره بقراءة ذلك الكتاب، فقام بفضحه، وكان يظن أنها ضحكة وستمر، لكن ذلك المدعي رد على دعابته بطريقة وحشية فقام بالانتقام منه في سطور مقالة فحذف منها وبدّل كلماتها، فقام البطل بتمزيق المقال ورميه في وجهه ليوقفه بذلك عند حده، وهي شجاعة لا يحظى بها الكل، لأن كثيرين تضطرهم الحياة إلى التعايش مع هذه الأصناف الرديئة من البشر. وقد كان محمد ناجي نفسه رحمه الله واحداً من هؤلاء الذين اضطرتهم الحياة إلى الصبر على الأدعياء وعديمي الموهبة.
ـ نظام «انفتاحي معشوأ»، منذ أن قرأت هذا التعبير لم أنساه أبداً، كانت الكاتبة سلوى بكر قد صكته في روايتها «ليل ونهار»، وهي لم تكتف بصك المصطلح بل قامت بتعريفه في هامش الرواية كالآتي: «انفتاحي معشوأ: دابة إنسانية ظهرت وانتشرت انتشارا مريعا منذ بداية الزمن الساداتي، واتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي على الغرب، وتتميز هذه الدابة الإنسانية بفجاجة الشكل والسلوك، وقدرتها العالية على توظيف القيم والعادات والدين والأخلاق السائدة لصالحها، كما تتميز بقدرتها العجيبة على القفز والتسلق الاجتماعي، وهي قادرة على التحول والتحور، لتبقى المهيمنة والمتسيدة، فتبدو تارة في عباءات دينية وتارة في ملابس عصرية، وهي مع كل المذاهب السياسية والاقتصادية، أما من حيث الشكل فلها فم مربع قادر على التهام أي شيء، ولها خضم ضخم لمص الدماء، وعقلها أدنى ما فيها، مصاب باختلاطات معرفية، وانحطاطات ثقافية، يجعلها لاتعرف إلا السطحي والمباشر، ولا تهضم إلا الغث والهش، وتنفثه حولها نفث الحية للسم». وأظنك ستوافقني أن تعريف التعبير لم يعد صالحاً للتطبيق على فترة سياسية بعينها، بل صار عابراً للعصور والأزمنة، ولن يكون هناك خلاص لبلادنا إلا بالخلاص منه.

٭ كاتب مصري

الاحتلال المحلي وهوامش أخرى

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية