تصريحات بن سلمان «النووية» تقلق إسرائيل

حجم الخط
0

«عدد من المراسلين الإسرائيليين حرضوا بيبي ضد السعودية، وقالوا إن هناك تهديداً نووياً سعودياً. وبهذا أنا أقول لهم وللشعب اليهودي: هل السعودية هددت في أي يوم جاراتها؟ الجواب هو لا. هل توجد للسعودية طموحات للتوسع في المنطقة؟ الجواب هو لا. قوموا بقراءة الأخبار جيداً، أيها الشعب الإسرائيلي، شكراً والى اللقاء في المرة القادمة». هذا ما قاله، بلغة عبرية طليقة، لؤي الشريف، مقدم برامج في التلفزيون السعودي ومقرب من البلاط الملكي، في فيلم فيديو قصير أخرجه ونشره في تويتر.
هذه الحملة الدعائية لا تثير الانطباع لدى حكومة إسرائيل أو أعضاء الكونغرس في واشنطن. فهم بدأوا بحملة اعلامية خاصة بهم هدفها منع الادارة من إعطاء المصادقة للشركات الأمريكية بإقامة مفاعلات نووية لانتاج الكهرباء في السعودية خوفا من أن ينقلوا اليهم تكنولوجيا من شأنها أن تستخدم كبنية اساسية لانتاج السلاح النووي. هذا الخوف لا يحتاج إلى إثبات. هذا جاء من فم ولي العهد السعودي، الامير محمد بن سلمان، الذي اوضح بصورة لا تقبل التأويل بأنه إذا حصلت إيران على القنبلة النووية فستكون للسعودية قنبلة مثلها. في مقابلة مع الـ «سي.بي.سي» وضع الامير بصورة واضحة معادلة ردع نووي، ليس بين السعودية وإيران، بل أيضاً بينها وبين الولايات المتحدة: «نحن فقط نريد حقوقاً متساوية مع الدول الاخرى»، أي، إذا كانت واشنطن تتمسك بالاتفاق النووي مع إيران، الذي يمكنها من تخصيب اليورانيوم بمستوى منخفض، أيضاً السعودية تستحق ذلك.
توجد للسعودية مقارنة مع إيران، يورانيوم، وهي تريد تخصيبه بنفسها، هذا هو لب الخلاف بين واشنطن والقدس من جهة وبين الرياض من جهة اخرى. حسب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية من العام 1954 فإن من صلاحية مجلسي الشيوخ مراقبة كل عرض لبيع التكنولوجيا النووية الأمريكية لدولة أخرى، وعند الضرورة منع تخصيب اليورانيوم من قبل تلك الدولة. حسب هذه المادة، وقع في 2009 اتفاق لبناء مفاعل نووي مع دولة الامارات. ولكن حسب وجهة نظر نتنياهو هذا غير مُرض. في هذا الشهر شارك نتنياهو رأيه مع اعضاء لجنة الخارجية والامن في مجلس الشيوخ، الذين عدد منهم تبنى موقف إسرائيل. ترامب في المقابل، يدفع نحو المصادقة على إقامة المفاعلات، على ضوء الارباح المتوقعة للشركات الأمريكية ومنها «ويستينغ هاوس» التي يوجد احتمال كبير بأن يتم قبول عرضها. اضافة إلى ذلك فإن ترامب مدين للسعودية التي وقعت قبل بضعة اشهر على اتفاق لشراء سلاح أمريكي بأكثر من 35 مليار دولار.
السعودية أعلنت عن نيتها بناء مفاعلات «لأهداف سلمية»، أي، انتاج الكهرباء والابحاث، كجزء من رؤية ولي العهد للعام 2030. هذا التفسير يستند إلى الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة في المملكة، وخفض الاعتماد على النفط والاستعداد لليوم الذي سينفد فيه، على خلفية التزايد المتواصل لاستهلاك الكهرباء في السعودية. من أجل ذلك هي تخطط لاقامة 16 مفاعلاً نووياً، وفي المرحلة الاولى 2، كل واحد منهما ينتج 12 ـ 16 ألف ميغاواط. معارضو المشروع يقولون إن للسعودية، التي لديها احتياطي النفط الثاني في العالم، لا توجد أي حاجة لهذه المفاعلات. كما أن التوجه العالمي هو الانتقال من الطاقة النووية إلى الطاقة الطبيعية التي مصدرها الشمس والرياح التي توجد بوفرة في السعودية. مهما كان الامر فإن اقوال محمد بن سلمان تحول هذا الخلاف إلى أمر غير ذي صلة.
سواء كانت السعودية جدية في نواياها أم لا، فان معادلة الردع النووي التي طرحتها تضع واشنطن في معضلة صعبة. إذا رفضت بيع السعودية تكنولوجيا نووية، تستطيع هذه التوجه إلى دول أخرى مثل الباكستان، التي توجد لها معها علاقات ممتازة، أو إلى الصين أو روسيا. وهذه ليست لديها مشكلة في بيع السعودية تكنولوجيا نووية حتى لأبعد مما هو مطلوب لاغراض مدنية. من أجل تعظيم هذا التبرير اوضح وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أن بلاده فحصت انشاء مفاعلات مع عشر دول على الاقل. وحتى أنها أجرت مفاوضات متقدمة مع الصين. في سيناريو كهذا، يقولون في الادارة الأمريكية، سيمنع أي موطىء قدم للولايات المتحدة في الصناعة النووية السعودية، وروسيا أو الصين ستتحولان إلى الشريكتين الاستراتيجيتين للمملكة. هذا اضافة إلى الارباح الاقتصادية التي ستوفرها المفاعلات.
من ناحية الولايات المتحدة ثمة مخاطرة أكبر، لأنه خلافاً لإيران فإن السعودية لا توجد لديها تجربة أو خبراء في بناء المفاعلات أو في انتاج السلاح النووي. هكذا، فإن أي دولة عظمى ستفوز بالعطاء سيطلب منها (وستكون مسرورة بذلك) تشغيل المفاعلات وصيانتها. مثال على ذلك المفاعلات التي تمولها وتقيمها وتشغلها روسيا في مصر بالتعاون مع مهندسين مصريين، أو المفاعل الذي سيتم تدشينه في تركيا قريبا بحضور فلادمير بوتين. وخلافا لمصر وتركيا، اللتين توضحان بأنهما لا تطمحان إلى الوصول إلى الذرة العسكرية، فإن السعودية لا تستبعد ذلك.
هذه الاحتمالية تقلق إسرائيل بشكل كبير، التي تعمل بجدية في المجال الدبلوماسي منأاجل اقناع ترامب واعضاء الكونغرس بأنه حتى لو كانت السعودية تعتبر الآن الصديقة المقربة لواشنطن، إلا أنها غير مستقرة، وأن حركات إسلامية راديكالية تحظى فيها بحرية عمل وأن بناء المفاعل سيؤهل جيلاً من المهندسين والخبراء المحليين، الذين سيمكنهم مستقبلا تطوير مشروع نووي عسكري. السعودية التي استأجرت الخدمات الثمينة لثلاث شركات أمريكية من الصف الاول، ستوضح في المقابل أنها إذا أرادت الحصول على السلاح النووي فهي يمكنها شراءه مباشرة عن الرف، وأنها ليست بحاجة إلى اعداد خبراء خاصين بها. وزارة الخارجية الأمريكية تفهم هذا الادعاء جيدا وتطرحه أمام الرئيس كذريعة للموافقة على بيع تكنولوجيا أمريكية للسعودية، وبهذا الزامها بالرقابة الأمريكية المتشددة.
إلى حين نضوج ميزان الردع النووي بين السعودية وإيران، إذا حدث ذلك، يتوجب على الولايات المتحدة الاتفاق مع الرياض، ليس فقط في موضوع تخصيب اليورانيوم. موضوع مشتعل آخر يقتضي من ترامب إعطاء إجابة مقنعة للكونغرس، هو الرقابة على المفاعلات في السعودية.
نموذج الرقابة على إيران يثبت نفسه في الوقت الحالي، على الاقل حسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة النووية، وبامكانه أن يستخدم كقاعدة لأي اتفاق مع السعودية. ولكن كما تبين عندما طلبت الوكالة الدولية للطاقة النووية تشديد الرقابة على المشروع النووي العراقي (الذي لم يكن قائما)، وكما يدلل غياب الرقابة على باكستان والهند وكوريا الشمالية وإسرائيل، التي لم توقع على اتفاق حظر انتشار السلاح النووي، وكما أثبت أيضاً الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي الكامن في التشخيص المتأخر للمفاعل السوري فإن الدول تستطيع التقدم إلى مراحل خطيرة في تطوير السلاح النووي من دون أن يكتشف مراقبو الأمم المتحدة أو وكالات الاستخبارات ذلك. السعودية، التي لم توقع على البروتوكول الاضافي لميثاق منع انتشار السلاح النووي، الذي يتضمن اجراءات الرقابة الاكثر صرامة بكثير من الميثاق الاصلي، لن تجد صعوبة في الانتقال من النووي المدني إلى النووي العسكري من تحت الرادار.
السؤال هو هل سيتطور الصراع حول طلب السعودية، وهل ستضطر الولايات المتحدة إلى الرد بإيجاب من أجل الحفاظ على العلاقة الجيدة بين الدولتين، أو أن توافق السعودية على الاكتفاء ببدائل متواضعة اكثر مثل اتفاق دفاعي متطور مع الولايات المتحدة والتعهد بالدفاع عنها أمام أي تهديد، أيراني أو غيره. ولي العهد يمكث في الوقت الحالي في الولايات المتحدة في زيارة مدتها ثلاثة اسابيع، وستنتهي في وقت قريب من الموعد الذي سيطلب فيه من ترامب الحسم في موضوع الاتفاق مع إيران.
التناقض يكمن في معارضة السعودية للاتفاق. المملكة التي تطرح الردع أمام إيران كمبرر قوي لحاجتها إلى السلاح النووي، يجب عليها كما يبدو تأييده واقناع ترامب بعدم الانسحاب منه. فهو يحيد التهديد النووي الإيراني ويمنحها وقتاً كبيراً لتطوير برنامج نووي خاص بها من دون المخاطرة بحرب اقليمية من شأنها أن تتحول إلى حرب عالمية. بعد أن فشلت في اليمن وتلقت ضربات شديدة في سوريا، فهي لا تستطيع السماح لنفسها بحرب كهذه تكون فيها متعلقة باستعداد الولايات المتحدة للقيام بالعمل بدلا منها.
إسرائيل التي تحث ترامب على الانسحاب من الاتفاق أو أن يدخل عليه تعديلات من المشكوك أن توافق عليها إسرائيل، من شأنها أن تجد نفسها أمام دولتين عظميين نوويتين بدل دولة واحدة: إيران التي اعلنت أنها ستجدد برنامجها النووي إذا تم الاخلال بالاتفاق، والسعودية التي تريد الحصول على السلاح النووي بنفسها من أجل ردع إيران المحررة من قيود الاتفاق.

هآرتس 23/3/2018

تصريحات بن سلمان «النووية» تقلق إسرائيل

تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية