المقيم فــي الريح

[1]‬ ثمة من يكتب الشعر تصنعا، وهذا ما صار يغلب على كتابة الشعر اليوم، أو ما يذهب إليه هؤلاء، في ما يسمونه «قصيدة نثر»! وثمة، من يكتبون الشعر بداهة، أو بالبديهة. أعني بدمهم، بعرقهم، بالجراح التي تسكن نفوسهم، وتقيم فيها، في حشرجاتهم التي تنطوي عليها أرواحهم الهشة، البليلة بمرارات لا تفتأ تضاعف آلامها. ومبارك الراجي، واحد من هؤلاء. فهو، منذ قرأت نصوصه الأولى، أدركت أنه شاعر يكتب بحرقة، بمعاناة، يجوب الشوارع والأزقة، لا ليبحث عن فكرة، أو صورة، أو نغم ما ليكون مقدمة لأحد نصوصه، بل إن الشوارع والأزقة هي ما يجوب روحه، دمه، أنفاسه، لأنه شاعر يقيم في العراء، أو يقيم في الريح، كما اختار أن يسمي نفسه.

‫[2]‬

في أعماله التي نشرها، كان مبارك الراجي يكتب ليستدرج جراحه لتتكلم، لتفضح عراءها، لتعترف بما يعتمل فيها من قلق، ومن مرارة. فهو، في حياته الخاصة، لا يقول، ولا يشتكي، بل إنه منطو على آلامه، وعلى مراراته، وكأنه يريدها أن تتخثر في نفسه، ليكتبها، أو ليحولها إلى كلام، إلى شعر يجري في أصابعه مجرى ريح لا تعبأ بهشاشة أجنحة، ريشها لم يكتمل بعد، بل إنه، وهو يكتب، يفضح نفسه، بفرحها، ونشوتها، وبخساراتها ومراراتها أيضا، قبل أن يفضح هذا الوجود الذي اكتفى بإفشاء سخافاته، ووضعها في مهب ما يشربه من سجائر، أو ما يلقي به من جمر في الريح.

‫[3]‬

في ديوانه هذا «شذرات من كتاب الغربان»، يواصل مبارك الراجي وعده الشعري. ينتصر للشعري، للصور المفارقة، ولذلك النغم الدفين في تراكيبه الشعرية، أو ما يمكن اعتباره إيقاعا تتضافر حواس الشاعر كاملة لتعزفه في النص. فهو لا يترك «النثر» يستولي عليه، كما أنه لا يتصنع الشعرية في النص، بل إنها تأتي طوعا إليه، لأن طبيعة الرؤية الشعرية، عند مبارك الراجي، تبتني شعريتها بهذا النغم، وتحرص على تطويعه انكتابا، لا كتابة، كما يجري في ذلك الكثير من «الشعر» الذي يتصنع الشعر. ليس في شعر مبارك الراجي غموض، أعني أن جملته الشعرية، فيها بساطة في التعبير والتصوير، لكنها بساطة مركبة. فيها عمق، بقدر ما فيها من امتلاء، وبقدر ما فيها من ماء. فهو في ما يكتبه، يحرص على أن يكون هو، أن يقول ما يراه، لكن بعينه هو، لا بعيون من يستدرجهم ليكونوا شركاء له في الألم، وفي شقاء ما يعتمل في روحه من عذاب.

‫[4]‬

إن بوهيمية مبارك الراجي، وجوده في عراء الوجود، أتاحا له أن يرى ما لا يراه غيره من تفاصيل، هو أدرى بخيوطها، أو بما تنطوي عليه من أسرار. فهو خبير بصمت الليل وبصخبه. يعرف متى تكتنف الظلمة النص، ومتى يظهر فيه النور، أو بعض بقع الضوء، حتى لو كانت الشمس ما تزال لم تخرج من فراشها بعد.

‫[5]‬

هذا الديوان، هو عودة مبارك الراجي للكتابة. فهو يحيا حياة قاسية، لكنه رغم قسوة المرض، وضنك العيش، لا يفتأ يكتب، لأن ما يكتبه، هو مكابدة، لكن في صمت، يشبه صمت الرهبان، المتعففين، ممن اعتبروا المكابدة، جزءا من المغفرة، أو الطريق التي تفضي إلى الجنة. ومبارك الراجي، رأى في الكتابة شفاء من سكيزوفرينيا هذا الواقع الذي انطوى في جسمه، في أنفاسه، في روحه المليئة بفرح الشعر، وبعنائه، وهذا هو مصدر الغناء الذي نستشعره في شعره، لأنه تعويض عن نثرية وفجاجة هذا الوجود.
تذكرني كتابات مبارك الراجي بمحمد الماغوط، فهو لا يقلده، أو يسير في طريقه، بل إنهما معا امتلكا خبرة بالعراء، بما شربته روحيهما من هشاشة، وما اصطليا به من رغبة في فضح هذا الوجود، نكاية في الوجود ذاته، وفي من استسلموا لهذا الوجود، بدون أن يكتبوه شعريا، أو يحولوه إلى غناء في قلب العناء.

‫[6]‬

يبقى الشعر، في نهاية الأمر، عند مبارك الراجي، سحابة الدخان التي ينفثها في الريح، بدون أن يعبأ بما قد تتسبب فيه من مطر، لأنه شاعر تعنيه السنبلة التي سيصير زرعها خبزا، هو ما يقتسمه مع الشعراء، بدون تقسيط، أو خوف من أن ينفرط فتاته، لأن ثمة طيورا في الريح، هي ما يضع عليها مبارك عينيه، أو ينتظر هبوطها لتقتات من ماء هذه السحابة المفرطة في سخائها الشعري.

٭ شاعر مغربي

المقيم فــي الريح

صلاح بوسريف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية