عندما يكتب فيلسوف عن الحب، يبدو الأمر غريباً فالحب لطالما كان من اختصاص الشعراء والروائيين، أما الفلاسفة فيعرّفون كل شيء من خلال العقل، لذلك يبدو الحب بالنسبة لهم، كأنه حدث طارئ يشوش المشاعر ويصيب العقل بالفوضى.
وعادة ما نجد كتب الفلسفة أو البيولوجيا على رفوف منفصلة، أما الكتاب الذي أنا بصدد عرضه هنا فقد صدر بالألمانية للفيلسوف الشاب ريتشارد برشت، ومن خلاله تجاوز المسافة بين الفلسفي والاجتماعي والأنثروبولوجي تحت عنوان: «الحب، كشعور فوضوي».
الإنسان هو الحيوان الوحيد القادر على الحب
حول منشأ الحب تتعدد الفرضيات البيولوجية، أهمها ربما التي تقول باستدارة المرأة أثناء ممارسة الجنس، مبتعدة عن الوضع المألوف للجنس عند الثدييات، حينها نظر الرجل في عينيها ووقع في الحب.
لا أجوبة حاسمة يقدمها لنا الكتاب من خلال علم الأحياء، لكنه يأخذنا عبر رحلة استكشاف في عربة نقل المعلومات «الجينات»، واصفاً إياها بأنها جينات أنانية لا تختار إلا الأفضل لتكاثرها، وهذا يفسر مثلاً انجذاب أغلب الرجال لنساء بحوض واسع، بسبب ارتباط هذا بالخصوبة، وعدم انجذابهم مثلاً للخصر الواسع. وبعيداً عن القلب، يشرح الكتاب ما يحدث في الدماغ عند الوقوع في الحب، استناداً للباحثة فيشر التي تربطه بثلاثة أنظمة شعورية في الدماغ: الحب الرومانسي، الرغبة الجنسية، الارتباط.. وهكذا يستطيع الإنسان أن يحب شخصاً واحداً تجتمع فيه كل تلك الصفات، ولكنه أيضاً، وهنا الأخطر، قادر على أن يحب ثلاثة اشخاص في آن واحد، وأن يكون صادقاً، وهذا ينطبق على الرجل كما على المرأة.
أما الاختلاف بين الجنسين فهو بيولوجي بالدرجة الأولى، يبدأ ببنية الجسد حتى يصل إلى المخ واختلاف حجمه بين الجنسين، بدون أن يكون لهذا علاقة بالذكاء، وبغض النظر عن أن النصف الأيمن المرتبط باللغة أكثر نشاطاً عند المرأة مقارنة بالرجل، لكن امتلاك المرأة لملكة الكلام يعود أيضاً إلى أنها تحمل رضيعها بين ذراعيها وتحاكيه، ووجهه في مقابل وجهها.
كذلك التفضيلات الجنسية للجنسين لا تحكمها فقط كيمياء الدماغ، أو ما يطلق عليه «الهورمونات»، فمن وجهة نظر بيولوجية المرأة تنجذب إلى رجل قوي البنية يبدو كمخزن مليء بهرمون التسترون، ولكن خوفها من الخيانة وبحثها عن الحنان، يجعلانها في النهاية تنحاز إلى رجل بتقاطيع ذكرية وأنثوية معاً. وقس على ذلك الكثير من الظواهر التي لا يستطيع العلم شرحها إلا جزئياً، فالإنسان بالنهاية ليس كوكتيل هرمونات، ولا لوحة مفاتيح في الدماغ، بل هو عقل ومقاربة منطقية تضبط حتى الهرمونات وتهدئ من روعها، وهو الحيوان الوحيد القادر على وضع الغريزة جانباً، والتخاطب مع ذاته بما يمتلك من آليات تفكير مرتبطة بالعصر الذي يعيش فيه.
إذن يتعذر وصف الحب من منظور بيوكيميائي بحت، لأن الحب عالم متكامل من الأفكار والمفاهيم الثقافية بالإضافة للمشاعر التي هي غراء يجمع أجزاء الإنسان في كيان واحد.
أحبك…لأبحث عن ذاتي
من منظور بيولوجي لكل شيء وظيفة، لكن الفروق بين الرجال والنساء ليست كيميائية أو فيزيائية، بقدر ما هي اختلاف في تصوراتنا عن ذاتنا، ولهذا لا نبحث عن التكاثر و«الجينات الأفضل» عندما نمارس الحب، بل نبحث عن أنفسنا. ومن منظور نفسي كل شيء هو تعويض عن فقدان الرباط مع الأم، في الواقع لا نحتاج في الحب إلى معالج نفسي ولا إلى حب نتماهى به مع الحبيب وننكر ذاتنا، بل على العكس نبحث عن ذاتنا في الحب وعما يستفزنا عاطفياً ويشعل رغبتنا، ولهذا أضاف المعالج النفسي شنارش إلى أنظمة الدماغ الثلاثة المنسوبة للحب والمذكورة سابقاً، غريزة رابعة أطلق عليها «خلق الذات».
كذلك شعورنا بأنوثتنا أو ذكورتنا لا علاقة له بالهرمونات بقدر علاقته بنظرة الشريك لنا. وبسبب عدم وجود هرمون مرتبط بـ«إثبات الذات» يشرح العلاقة بين الجنسين، أوجد علماء النفس مصطلح «خريطة الحب». وهي الخريطة التي يتبعها القلب منذ الطفولة، وتتشكل وفقاً لها صورة الشريك في عمر خمس إلى ثماني سنوات، وفي ما بعد يسقط كل عاشق خريطته على المعشوق، ويشعر كلاهما بأن حبهما مختلف، ولكن كلما شعرا بهذا شابها الآخرين أكثر، حتى أصبح المميز حقاً أن يقول العاشق إنه يحب كالآخرين. ولأن لا أحد في النهاية يستطيع ان يلبي كل التوقعات التي ينشدها الآخر، يخبو بريق الحب مع الزمن وينطفئ.
بلا عين الاجتماع الحب أعمى
الحب منذ القدم واحد في ما يتعلق بالمشاعر وهورمونات الإثارة، التغير يحدث في تأويل تلك المشاعر. كتب الفيلسوف لاروش فوكو: «لم نكن لنقع في الحب لو لم نسمع به قبلاً»، بمعنى أن الأدب والفن، بل حتى أساطير الأطفال تجعلنا نتعرف على الحب منذ صغرنا قبل أن نعرف ماهيته حقاً. أما فوكو عالم الاجتماع الفرنسي فقد رأى في الحب اختراعاً مجتمعياً، ووفقاً للمجتمع الذي نعيش فيه نقوم بتأويل الحب بطريقة مغايرة، كذلك كان نظيره الألماني لومان متمرداً على الصيغ المجتمعية التقليدية. لومان من جهته كان يرى أنه كلما ازداد تطور المجتمع نقص إحساس الفرد بتميزه عن الآخرين، وهذا يجعله في حاجة أكبر للحب الذي يمنحه قيمة لذاته المشتتة. أما التواصل مع الآخر في لعبة الحب، فهو حسب لومان لا يتم فقط من خلال الكلام والعناق، بل من خلال قواعد أكثر تعقيداً تحكمها التوقعات التي يسقطها العاشق على معشوقه. ولأن التوقعات كلما زادت قل تحقيقها، ينتهي العاشق إلى حالة من «عدم الإشباع» تجعله في النهاية يحب «حالة الحب» بحد ذاتها.
الحب ديني
في زمن لا يسمح فيه للمرء أن يكون ذاته يصبح الحب هو الملجأ، فيه يبحث الإنسان عن الآخر حتى يجد نفسه، وينفصل عنه كي يعود لنفسه من جديد. ويعتبر عالم الاجتماع بيك من أشد المدافعين عن الفردية كمفهوم، وهو يجد في الحب تقاطعاً مع الدين، فمن خلالهما يبحث الانسان عن الاشباع الروحي، مع الفرق في أن الدين محصور في جماعة، بينما الحب يقتصر على شخصين، «أنا وأنت في مواجهة العالم»، وهذا يجعل كل تصور عن الحب صغيراً كما التصور عن الله والموت. وفي مقابل الفردية أوجد عالم الاجتماع هوندريش مفهوم «المفعول الرجعي» والمقصود به البيئة، أو القيم التي نشأ وتربى عليها الإنسان، وهي قيم لا تتغير كثيراً مع التقدم في العمر على عكس الوعي والثقافة. وتلك القيم هي التي تعود للظهور في كل شجار مع الشريك لتعيده من جديد إلى الجذور «العائلة»، وكأنها تكمل مفهوم «خريطة الحب» التي تتشكل في الطفولة، مع الاختلاف في أن «المفعول الرجعي» لا يتحكم في اختيار الشريك، بل في استمرار أو فشل العلاقة مع الزمن.
صلاحية الحب
الحب شعور فوضوي متناقض فيه القرب والبعد، القوة والضعف، الرقة والعنف، التقديس والفجور، ومن الصعب اختصار كل هذه المتناقضات في مصطلح محدد. أما صلاحية الحب فهي على أبعد تقدير ثلاث سنوات، بعدها تتحول الفراشة التي كانت تطير في الأحشاء عند الوقوع في الحب إلى دودة صغيرة، وهي المدة القصوى لولادة الأولاد، الذين قد لا يكونون أطفالاً من لحم ودم، بل بنات أفكار ومطالب وتطلعات.
الغريب في الأمر أن الأشخاص الأكثر تلويناً لحياتنا قد يكونون الأقل ملاءمة لعلاقة طويلة الأمد، وبالمقابل قد تبهت ألوان الرومانسية الوردية إلى الرمادي، بدون أن يمنع هذا من الاستمرار في علاقة زوجية طويلة، فالقليل من الرمادي يمنح الألوان بريقها.
وتبقى كلمة السر في الزواج هي الروتين، الذي لا يعني موت الحب، بل تغير إيقاعه، ونجاح الزواج مرتبط بمدى القدرة على احتمال هذا التغير واعتياده.
المشكلة الأخرى في الزواج تكمن في أن العاشقين يتحولان إلى أبوين بكل ما في الأمر من عبء ومسؤولية، وحتى قبل أن ينطق الطفل بـ«ماما» أو «بابا»، يكون شيئاً ما قد تغير في الحب. فالحب عصي على المأسسة، لأنه يمنح الإنسان الحرية ويطلقه من قفص نفسه، وبه نحتاج الارتباط بقدر ما نحتاج المسافة، كما نحتاج الشراكة بقدر الاستقلالية، فإن تحب شخصاً لا يعني مطلقاً مشاركته كل فكرة وإحساس. وهكذا في الحب يأخذ كل شيء معناه من نقيضه، فلا وجود لذوبان بلا شعور الوحدة، ولا سعادة بلا حزن، ولا رومانسية بلا روتين، وإذا جردنا الحب من تناقضاته هذه تحول إلى إحساس باهت، حيث جزء من سحره في أنه غير بديهي.
التمساح المستطيل
اشترى رجل تمساحاً صغيراً في أكواريوم، كبر التمساح وبقي الأكواريوم على حاله، في النهاية صار للتمساح شكلاً مستطيلاً. تشبه حكاية التمساح حكاية الحب، يمنحه العاشقين إطاراً لينمو، يبقى الإطار على حاله ولكن الحب يتغير… ويبقى السؤال مفتوحاً، هل المشكلة في التمساح أم في الإطار؟
إن تبتسم لي في القارب
الحب حزين حتى آخر رمق، مليء بتناقضاته… في تعريفه كتب كافكا: «حلاوة الألم والحب، أن تبتسم لي تلك المرأة ونحن في قارب، هذا هو الإحساس الأجمل، إحساس بأنك على وشك الموت أو تنشده، ولكن هناك ما يمنعك من ذلك، هذا في حد ذاته هو الحب». وعند هذا الاستشهاد، انتهى كتاب الحب. وكأن الكاتب بعد أن ساق كل البراهين العلمية والتفسيرات الفلسفية، عاد إلى الأدب وعدمية كافكا، ليسلم بأننا مهما حاولنا أن نفهم فلن نعود إلا خاليي الوفاض أمام هذا الشعور العصي على الفهم والتأويل.
٭ كاتبة سورية
آية الأتاسي