الانتخابات ليست «فرح العمدة» على إيقاع الأغاني الوطنية… ومكان الرقص ليس لجان الاقتراع

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: أغلقت اللجان الانتخابية أبوابها وبدا الرئيس عبد الفتاح السيسي مهيئاً لولاية جديدة بأغلبية كاسحة وفق ماهو مخطط له سلفاً ليزداد وقع الهجوم على السلطة رغم سجونها المفتوحة على مدار الساعة لكل من يضبط بشبهة معارضة أو حتى تبرم. وبدت كلمات أنور الهواري رئيس تحرير «المصري اليوم» الأسبق أكثر دلالة حينما أكد أن الانتخابات بدأت بإكراه المرشحين على عدم الترشح، وانتهت بإكراه الناخبين على التصويت، الإكراه في السياسة ديكتاتورية محضة. وتابع قائلا: السيسي لم يتورع عن شيء في سبيل الوصول إلى السلطة، ولن يتورع عن شيء في سبيل البقاء في السلطة.
وجلب الإعلامي عماد الدين أديب لنفسه وعائلته المزيد من الأذى حينما دافع عن رقص بعض السيدات والرجال أمام اللجان الانتخابية، واصفا هذا السلوك بأنه «شبه تعبير الصحابة أثناء خروجهم لاستقبال الرسول». وأضاف: «أقول هذا مع الفارق في التشبيه بطبيعة الحال حتى لا يصطاد البعض في الماء العكر».
وقال: «الرقص جين متوارث في الشعب المصري منذ أيام الفراعنة، ولو تابعت الجداريات ستجد أن الرقص كان إحدى الوسائل للتعبير عن السعادة، والخبير زاهي حواس يؤكد ذلك». واستدرك : «طبعا نرفض الرقص المبتذل الذي يستهدف الإثارة ويكون على موسيقى فجة». وحفلت صحف أمس الخميس بسيل من الثناء على الرئيس ونظامه من قبل كتاب آثروا السلامة فيما وضع آخرون أرواحهم على أكفهم ومضوا مندددين بالسلطة وجبروتها وإلى التفاصيل:

تعالوا نرقص

«الرقص على واحدة ونص» أمام اللجان إبداع حصري للانتخابات المصرية بدأ في انتخابات عام 2014. ويقال إن أغنية «بشرة خير» هي الأساس وبعدها صار هز الأرداف والصدور علامة المرحلة! كما يؤكد طه خليفه في «المصريون» لا توجد أي انتخابات في العالم تشهد هذه الظاهرة التي يفسرها البعض بأنها انعكاس للفرحة والسعادة. ولكن أليس التعبير عن الفرحة له طرق أخرى وقورة حتى لا تنقل الكاميرات للعالم أننا نهز الوسط بدلا من أن ننتخب بعقولنا واختيارنا الحر. بدا المشهد الانتخابي أننا نخرج إلى اللجان لنرقص على الأغاني التي تنطلق من مكبرات الصوت هناك، وكأننا في درس عملي للتدرب على الرقص من ذلك الذي بشرت به المخرجة إيناس الدغيدي في فيلمها «ما تيجي نرقص»! مفهوم الانتخاب أن تقترع بصوتك وتسجله في البطاقة المخصصة وتعود إلى بيتك أو عملك، أو تمارس سعادتك بطريقة أكثر إتزانا ووقارا وجمالا. وإذا كان لابد من الرقص فهذا له مكانه المناسب الذي قطعا ليس هو الشارع. حتى عام 2014 لم تكن الظاهرة موجودة ولا أدرى كيف تشجعت أول فتاة أو سيدة لترقص أمام لجنة انتخابية وعن طريقها صار هذا الإبداع ماركة مسجلة. العالم كله يتابع عبر السوشيال ميديا فيديوهات راقصة تستدعي التنكيت علينا، خصوصا أن الأمر لم يقتصر على النساء فقط بل انضم إليه الرجال. البعض سيرد: ولماذا تستكثر على الناس الرقص بسبب فرحتهم بالأمن والاستقرار؟ الحقيقة أنني لا أريد تعريضهم لسخرية السوشيال ميديا العالمية التي امتلأت بالقفشات والتعليقات طوال اليومين الماضيين، والتذكير بأنها انتخابات رئاسية وليس فرح العمدة!

ليست حرة

المطالع للصور المنشورة أمام اللجان يؤكد أن معظم من احتشد للإدلاء بصوته قد ذهب من أجل «اللقطة» وحب الظهور. وقد لفت اهتمام سليمان الحكيم في «مصر العربية» الراقصة فيفي عبده التي حرصت على الوقوف أمام الكاميرا لالتقاط الصورة وسط حشد من الجماهير أمام الصندوق ممسكة ببطاقة التصويت وهي تؤكد أنها اختارت المرشح عبدالفتاح السيسي. وكان المفروض أن تقوم اللجنة بإبطال صوتها لأنها خرقت شرطا قانونيا بسرية التصويت التي نص عليها القانون والدستور، فضلا عن تصويرها داخل اللجنة. وما فعلته فيفي عبده فعله الكثير من الفنانين ورجال الأعمال بل والرئيس السيسي نفسه خرقا للقانون دون أن تلفت اللجنة نظر أحد منهم بالمخالفة القانونية التي ارتكبها داخل اللجنة. وليتهم اكتفوا بذلك فقط بل خرقوا الصمت الانتخابي الذي فرضه القانون قبل الانتخابات وأثناءها بالقيام بحث المواطنين على انتخاب مرشح بعينه بل وإكراه المواطنين على ذلك مما يتنافى مع شرط «الانتخابات الحرة» كما وصفها القانون والدستور تأكيدا لصحتها. فلا إكراه لمواطن على الإدلاء بصوته لمرشح معين، كما أن إذاعة الأغاني عبر ميكرفون أمام اللجنة وقيام البعض بالمجاهرة باسم السيسي ودفع المواطنين أو تحريضهم على التصويت له أمام اللجان ورفع صوره وتعليق اللافتات له على حوائط مقرات اللجان الانتخابية وتوزيع المواد التموينية والرقص والهتاف، كل ذلك يبطل التصويت داخل تلك اللجان لارتكاب البعض مثل تلك الأعمال المخلة بسلامة الانتخابات وصحتها. فإذا رصدنا كل ذلك فإنه يعني أنها ليست انتخابات وليست حرة!

سوريون هتفوا باسمه

مجموعة من الشباب في مدينة 6 أكتوبريحضون المواطنين على ضرورة التصويت في الانتخابات الرئاسية، لهجتهم تؤكد أنهم غير مصريين. اقترب منهم محمد أبو الفضل الكاتب في «الأهرام» واكتشف أنهم من سوريا. سأل أحدهم عن السبب الذي دفعهم للقيام بهذا التصرف، وهل يقومون بهذا العمل لحساب أحد؟ يقول أبو الفضل: أكد من سألته وزملاءه أنهم أحبوا مصر وشعروا فيها بالأمان، ورأوا أن زيادة نسبة التصويت في الانتخابات تمثل ردا قويا على من شككوا في الاستقرار الحاصل في البلاد. برروا دعوتهم الناس للتصويت بأنها أقل شيء يقدمونه اعترافا بجميل بلد وناس قدموا لهم المأوى في وقت بخلت عليهم دول أو تاجرت بمعاناتهم. موقف الشباب السوري يمكن قراءته بعيون كثيرة، فهناك من يرى فيه تعبيرا عن ولادة جديدة لمواطني دولة لم تنجرف مصر وراء من شاركوا في ذبحها، ومن يرى فيه نفاقا أو إيثارا لسلامة تنشد البقاء. غير أن الرسالة المهمة تكمن في الفعل التلقائي الذي ينطوي على اندماج وأمان ومودة لن تمحي من ذاكرة المصريين والسوريين القصص التي يمكن أن تسمعها من سوريين وغيرهم من دول عربية مختلفة تؤكد أنهم بدأوا حياة ملهمة في مصر، حياة أنستهم جانبا من المعاناة القاسية، بعيدة عن الخوف وأصوات الصواريخ وأزيز الطائرات واستقطاب الطوائف وعنف الميليشيات. لم يحشروا في مخيمات ومعسكرات لاجئين، أو يواجهوا إهانة لمجرد أنهم هاجروا قسرا من بلدهم. غالبية من تقابلهم من أشقاء عرب جاءوا من سوريا وليبيا والعراق واليمن، تعايشوا مع المجتمع وانخرطوا فيه بسهولة. لا تستطيع التفرقة بين مصري وعربي.

هل يثور على نظامه؟

السؤال يطرحه عبد الله السناوي في «الشروق»: هناك مساران افتراضيان لليوم التالي الذي تبدأ به الولاية الثانية. الأول يشوبه شيء من الأمل في إصلاح ما اختل وتصحيح الصورة في الداخل قبل العالم بتحسين ملف الحريات العامة وحقوق الإنسان والبيئة السياسية والإعلامية ورفع أي مظالم خلف قضبان السجون وإعادة النظر في السياسات والأولويات، التي استدعت عدم مشاركة قطاعات ممن لهم حق الاقتراع كأنه احتجاج صامت. هناك تسريبات متواترة تزكي ذلك المسار لكنها غير ممسوكة وغير مؤكدة، كما يصعب المضي فيه بالنظر إلى مراكز قوى تمركزت في بنية الدولة صادرت السياسة والإعلام وكل ما يتحرك في البلد. مثل هذا المسار الافتراضي يقتضي أن يثور الرئيس على نظامه ويستجيب لمطالب مجتمعه وحقائق عصره. في مطلع عهده دعاه الأستاذ محمد حسنين هيكل ـ حريصا على نجاح تجربته ـ إلى الثورة على نظامه، ولم تكن هناك أي استجابة أو بحث في الفرص المتاحة. والثاني مزعج بقدر ما ينذر كأن يضيق المجال العام بأكثر مما هو حادث وتتسع سطوة الدولة على مؤسسات المجتمع المدني وتدخل مصر كلها إلى حالة ترويع يضرب في الاستقرار وفرصه، والأمن وضروراته ويساعد الإرهاب على التمركز ويسحب على المفتوح من أي أمل في المستقبل. ذلك ضد النظام السياسي الحالي بقدر ما يزيد الهوة مع شعبه بدلا من الانفتاح على مكوناته والحوار معها بندية واحترام. في اليوم التالي للانتخابات هناك منزلقان ماثلان: تأسيس حزب سلطة جديد من داخل «ائتلاف دعم مصر» باسم توفير «غطاء سياسي» يفتقده الرئيس وتعديل الدستور بما يفتح فترات الرئاسة بغير سقف. لم يكن لنواب الائتلاف أدوار يعتد بها في حشد المواطنين إلى لجان الانتخابات، فالأدوار كلها احتكرتها أجهزة الدولة الأمنية والإدارية والمحلية.

«علشان خاطر عيونه»

الأيام الثلاثة الماضية شهدنا ما نقلته شاشات الفضائيات وصفحات «السوشيال ميديا» من وصلات رقص على أنغام الأغاني الوطنية وموسيقى المهرجانات… محمد سعد عبد اللطيف في «مصر العربية» نقل بعضا مما لم ينقل لك من وصلات «الحنجلة» الوطنية: أمام لجنة من لجان دائرة العجوزة أصطف في اليوم الثاني من الانتخابات العشرات من مهندسي وموظفي وعمال أحد فروع شركة بترول حكومية، يحملون أعلام مصر وصورا للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي، كما منع مدير مديرية الإسكان في محافظة في شمال الصعيد موظفيه من التوقيع في دفاتر الحضور والانصراف إلى إظهار الحبر الفسفوري الدال على القيام بالواجب الوطني. وهو ما تكرر مع المصالح والهيئات التي تشرف عليها المحافظة بشكل مباشر. أعلنت محافظة القليوبية عن مشاركة رجال الأعمال من أبناء المحافظة بـ 22 رحلة عمرة سيتم منحها للمشاركين في الانتخابات الرئاسية عن طريق القرعة العلنية. وعندما أثار الخبر حفيظة الإخوة الأقباط في المحافظة لأن قرعة العمرة إلى بيت الله الحرام لن تشملهم أعلن اللواء محمود عشماوي، محافظ القليوبية، منح 100 ألف جنيه لأعلى ايبارشية تصويتا في الانتخابات الرئاسية، أو أكثر من 40 ٪ من ايبارشيات الأقباط الثلاث في المحافظة و100 ألف جنيه للكنيسة الإنجيلية. ووعدت محافظ البحيرة نادية عبده بمكافأة القرى والمراكز التي ستشهد إقبالا كبيرا على اللجان الانتخابية بحل مشاكلهم سواء في المياه أو الصرف الصحي. وأعلن الدكتور حسن راتب، رئيس مجلس أمناء جامعة سيناء، عن تبرع الاتحاد التعاوني بـ 4 ملايين جنيه لأعلى قرية ومركز ومدينة في نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية لاستنهاض الهمم. أما أنصار المقاطعة والداعين لها فلهم السجون، وهو ما حدث بالفعل، حيث تم القبض على رجل وزوجته في الغربية لقيامهما بدعوة المواطنين إلى عدم المشاركة في الانتخابات.

«جتكم ستين نيلة»

كثفت أجهزة ومؤسسات الدولة ونواب ورجال أعمال وأحزاب الجهود لحشد الناخبين في آخر أيام التصويت في الانتخابات الرئاسية، أمس، إذ تبارت بعض المصالح والهيئات في نقل منتسبيها إلى اللجان، ومنحت هيئات أخرى موظفيها إجازة بأجر كامل، ولوحت الهيئة الوطنية للانتخابات بتوقيع غرامة عدم التصويت، ورصدت «المصري اليوم» توزيع أموال وهدايا عينية أمام بعض اللجان، فضلا عن تنظيم أنصار الرئيس عبدالفتاح السيسي، مسيرات تصاحبها فرق موسيقية أمام اللجان لحث الناخبين على التصويت، وانتشرت سيارات غير معروفة التبعية تحمل مكبرات صوت للهدف ذاته. وكثف حزب النور، السلفي، تحركاته لحشد الناخبين. ونفت الهيئة الوطنية للانتخابات ما تردد عن تحصيل غرامة عدم التصويت (500 جنيه وفقا للقانون) على فواتير الكهرباء، لكنها أعلنت، عبر متحدثها الرسمي، عزمها حصر المتخلفين عن الاقتراع وإرسال أسمائهم إلى النيابة العامة لتحديد آلية التحصيل. كما نفت ما تردد حول مد فترة التصويت إلى اليوم، وهو ما نفته غرفة عمليات مجلس الوزراء أيضاً. وفي كفر الشيخ، قال المحافظ للمقاطعين، في لقاء تليفزيوني بثته قناة العاصمة على الهواء: «اقعدوا في بيوتكم وشوفوا اللي هيطبطب على قفاكم من ورا.. جتكم ستين نيلة».

منع الانتشار الإخوانى

نحن أمام تغيير جذري فى السعودية تجاه جماعة الإخوان كما يؤكد يوسف أيوب في «اليوم السابع»، المملكة شريكة لمصر والإمارات والبحرين في خطوات مكافحة الإرهاب المدعوم والممول من قطر، وعلى رأسهم جماعة الإخوان. وأدرجت الرياض الإخوان ضمن الكيانات الإرهابية. لكن هذه هي المرة الأولى التي تعلن السعودية عن إجراءات لمنع الانتشار الإخوانى داخل المملكة، وتحديداً في التعليم الذي كان لفترة طويلة المنفذ الذي دخلت من خلاله الجماعة إلى عقول أبناء الخليج، لذلك فإن التحرك السعودي لتنقية المناهج التعليمية وأيضاً إبعاد الشخصيات التي لها علاقة بالجماعة هي خطوة تزيد من خنق الجماعة الإرهابية التي بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهو ما نستطيع اكتشافه من ملاحظات عدة، أهمها أن قيادات الإخوان المتواجدين في الولايات المتحدة حاولوا تنظيم وقفات احتجاجية فب واشنطن ونيويورك خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان لأمريكا لكنهم فشلوا في مسعاهم، ولم ينضم لهذه الدعوة المشبوهة إلا ما يقرب من 20 شخصا فقط. الأمر الآخر كان في ظهور زعيم تنظيم القاعدة الإرهابب أيمن الظواهري في تسجيل مرئي جديد، بثته مؤسسة «السحاب» الذراع الإعلامية للقاعدة الأسبوع الماضي، للدفاع عن الإخوان بعد تصريحات الأمير محمد، وهو الأمر الذي يعد إشارة هامة إلى عمق الارتباط والاتصال القائم، ما بين جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة، ومدى تأثير ما قاله ولي العهد السعودي وما تبعه من إجراءات على مستقبل الجماعة الإرهابية، وإلا لماذا خرج الظواهري في هذا التوقيت منتقداً الإجراءات السعودية ومدافعا عن الإخوان. ولا ننسى هنا أن الظواهري سبق أن وصف نفسه بأحد التلاميذ النجباء لـسيد قطب، المنظر الأدبي لجماعة الإخوان.

حذار من الإرهاب

لا ينبغي التهوين من العملية الإرهابية الفاشلة التي استهدفت موكب مدير أمن الإسكندرية اللواء مصطفى النمر قبل أيام، ولكن في الوقت نفسه يرفض مرسي عطا الله في «الأهرام» التهويل واندفاع البعض إلى تحميل هذه العملية الفاشلة بأكثر مما تحمل حقائقها الموضوعية والمكانية والزمنية باعتبارها فرارا من التحدي الذي لم يعد بمقدور فصائل الإرهاب تحمل تبعاته على أرض سيناء. ينبغى أن ننظر إلى جريمة الإسكندرية باعتبارها محاولة يائسة للتغطية على الهزائم المتلاحقة للإرهابيين في سيناء وإخفاء وجه الحقيقة التي تؤكد كل شواهدها أنهم في النزع الأخير. ومع ذلك فإن علينا حتى بعد انتهاء حملة سيناء 2018 وتحقيق كامل أهدافها ألا نستبعد من حساباتنا في الغد أن الإرهاب يظل خطرا محتملا ينبغي التحسب له داخل وخارج مصر. إن مثل هذه العمليات الطائشة تستهدف إحداث قدر من الرعب والفزع بغية تكريس شلل في الفكر والحركة خصوصا عندما يصاحب مثل هذه العمليات ترويج للأكاذيب والشائعات. ولكن من حسن الحظ أن الشعب المصري بات يمتلك وعيا وإدراكا يمكّنه من تجنب الوقوع في أسر هذه الدعايات السوداء التي سرعان ما تتحول إلى أسلحة فاسدة ترتد إلى صدور وعقول من يطلقون قذائفها ويكتشفون بعد فوات الأوان أنهم يصنعون الكذبة بأفواههم ولا يجدون أحدا يصدقها سواهم. وأكبر دليل على ذلك هو خروج الملايين للمشاركة في الانتخابات الرئاسية بكل مشاعر الثقة في الحاضر والمستقبل! إن في سجل العمليات الإرهابية الطائشة وقائع لا تنتهي، واحتمال تكرارها وارد وغير مستبعد، ولكن المهم هو كيف نتعامل معها.

«قالوا إيه علينا»

الكاتب في صحيفة «المصري اليوم» حمدي رزق متشوق جدا لمطالعة تقرير الوفد الأمريكي لمراقبة الانتخابات الرئاسية: يسمونه صحافيا الوفد الراقص، رقص في المنوفية بالعصي على أغنية قالوا إيه علينا.. وقالوا إيه، كما أنه ضرب أنفاسا ساخنة من معسل قص البرج بعد أكلة فطير مشلتت بالعسل الأبيض والجبنة القديمة، الوفد عمل دماغ عالية قوي، ربنا يعلي مراتبك يا خواجة. تسلم إيدين الست اللي عملت الفطير، لهلوبة، الفطير المنوفي لا يقاوم، ريحته تهب من ع الزراعية، ويغنون للحبيب في لهفة الفطير، ع الزراعية يا رب أقابل حبيبي.
وصلنا حيث ترامب إذ رصد مصطفى عبد الرازق في «الوفد» مدى تراجع هيبة ووقار المنصب الذي يحتله وهبط به إلى الحضيض، ورغم أن ترامب أتى إلى منصبه على أسس ديمقراطية إلا أنه يطيح بأبسط قواعدها، إنه رئيس شعبوي فج في عباراته ومواقفه بشكل يدعو للخجل. فلا هي من قواعد الدبلوماسية في العلاقات بين الدول ولا هي من قواعد اللباقة في العلاقات بين الأشخاص. ما تمنيت يوما أن أشهد انقلابا على الديمقراطية مثلما تمنيت أن أشهد انقلابا على ترامب، دعك من أن يكون ذلك بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية ونقل عاصمة إسرائيل إلى القدس، وابتزازه للعرب واعتبارهم بقرة حلوبا، فهذه كلها سمات أو سلوكيات ربما مارسها غيره من الرؤساء من قبل، وإنما أنا أنظر له هنا من منظور سلوكياته في سياق النظام السياسي الأمريكي. ورغم أن الكثيرين تحدثوا عن ملامح تراجع القوة الأمريكية وبدء انهيارها وهو حديث مضت عليه عقود إلا أننى أرى في مواقف الرئيس الأمريكي تجسيدا لهذه التوقعات بشكل يمكن أن تمثل معه فصلا من فصول هذا الانهيار والتراجع. كل ذلك رغم أن الأمريكيين انتخبوه بإرادتهم الحرة ودون أن يفرض عليهم أحد هذا الاختيار. ولعل ذلك يؤكد فرضية أن الديمقراطية قد لا تأتي في كل الأحوال بالأصلح. هذا رغم إشارة البعض الى تدخلات روسية ساهمت في تعزيز فرص نجاح ترامب. وهو أمر أكدت التحقيقات صحة جانب كبير منه. من بين السلوكيات التي يمكن رصدها للرئيس الأمريكي وتمثل تجاوزا لأسلوب العمل مثلا إدارة السياسة الأمريكية داخلية أو خارجية من خلال شبكة التواصل الاجتماعي بتغريداته على «تويتر»، وهو أسلوب غير مؤسسي ويمثل تحولا في آليات عمل النظام الأمريكي.

حتى أنت يا ناديه

قالت المهندسة نادية عبده محافظ البحيرة «إن المحافظة ستكافئ القرى والمراكز التي ستشهد إقبالا كبيرا على اللجان الانتخابية بحل مشاكلهم سواء في المياه أو الصرف الصحي» فردت كريمة كمال غاضبة في «المصري اليوم»: لم تتردد المحافظ للحظة فيما تدلي به لتدرك أن ما تقول به كمكافأة هو في الواقع واجب المحافظة حيال كل القرى والمراكز سواء كانت الأكثر تصويتا أو الأقل تصويتا. لم تدرك السيدة المحافظ أن الانتخاب حق للمواطن يمارسه متى أراد استخدام الحق المكفول له وليس بابا للحصول على مكافأة أو طريقا لحل المشاكل المستعصية من مياه وصرف صحي. وليتها كانت الوحيدة بالتلويح بالرشاوى للحث على النزول للانتخاب. لقد انضم إليها محافظون آخرون مثل محافظ أسوان اللواء مجدي حجازي إذ يعلن عن جوائز مالية للوحدات الأعلى تصويتا. وها هو محافظ مطروح اللواء علاء أبوزيد يعلن عن جوائز رحلات للعمرة للمناطق الأعلى تصويتا، وصار الأمر مزادا للرشاوى كلٌّ وما يتفتق ذهنه عنه من أفكار لشكل وطريقة هذه الرشاوى التي يرى أنها ستدفع المواطنين دفعا للنزول للتصويت! المشكلة الحقيقية في أداء هؤلاء المحافظين أنهم كمسؤولين اندفعوا لتنفيذ رغبة السلطة في حث المواطنين على النزول بكثافة للمشاركة في الانتخابات أملا في الوصول لنسبة مشاركة عالية فتفننوا في تقديم المكافآت غير مدركين أنها لا تخرج عن كونها رشاوى انتخابية، وأننا لو كنا في بلد ديمقراطي يفعّل القانون لتمت محاسبتهم على ذلك.

قنابل بشرية موقوتة

كيف يمكن جذب الشباب للعملية السياسية عموما وليس فقط مجرد التصويت في الانتخابات؟ الإجابة على لسان عماد الدين حسين في «الشروق»: إن ذلك لن يتم بقرار جمهوري أو وزاري، ناهيك بالطبع عن المناشدات من الشخصيات العامة. الحل هو توفر مناخ عام يقنع غالبية الشباب بالمشاركة. لن نستطيع أن نقنع الجميع، لكن على الأقل ضرورة توفير بيئة تبعث برسالة إلى الشباب بأن ذهابهم إلى التصويت له معنى وقيمة وآثار إيجابية على مستقبلهم.
من أسوأ التصورات أن يكتفي البعض بانتقاد الشباب، وهو غير مدرك أنهم كل المستقبل. واجبنا، نحن كبار السن، أن نبذل كل الجهود لتوفير الأجواء التي تقنع الشباب، ليس فقط بالمشاركة في العملية السياسية ولكن بأن هناك أملا في هذا الغد، بدلا من أن تكون كل أحلامهم هي الهجرة للخارج حتى لو كانت غير شرعية عبر مراكب متهالكة تغرق في مياه البحر المتوسط! كانت هناك رسائل إيجابية عديدة من الدولة تجاه الشباب في العامين الأخيرين، خصوصا من مؤتمرات الشباب، وإطلاق سراح بعض المسجونين من الشباب. نرجو أن تتسع هذه المبادرات حتى لا توفر للمتطرفين والإرهابيين الخزان البشري لتجنيد القنابل البشرية الموقوتة.

فساد بعلم الحكومة

أحبطت سلطات مطار القاهرة عملية تهريب كميات كبيرة من فرس النهر، أخفاها ركاب متجهون إلى المملكة العربية السعودية في حقائبهم! فرس النهر، كما يعرفه عمرو حسني في «التحرير»، حيوان فقاري آكل للعشب يفوق حجمه ميكروباص يتسع لدستة من الركاب. ضحكت، يضيف عمرو، فهمت على الفور أن المقصود بالطبع هو فرس البحر، ذلك الحيوان القشري الصغير الذى يجففه العطارون وينصحون بتناول مسحوقه كمادة لتقوية القدرة الجنسية للذكور. كنت أتمنى ألا يمر ذلك الخطأ الضخم مرور الكرام دون أن ينتبه له أحد. كلما تطرق الأمر دائمًا في صحافتنا العربية غير العلمية إلى الحديث حول ما يسمى بالثقوب السوداء، تدور خزعبلات يقينية حول التوقعات، غير المثبتة حتى الآن، التي كان يرجحها عالم الفيزياء الشهير ألبرت إينشتاين، والتي تتعلق بقدرة الثقوب السوداء على نقل الأشياء التي تمر من خلالها عبر الزمان والمكان، دون أن يبذل من يكتبون عنها الآن أي محاولة جادة لفهم طبيعتها الفيزيائية، باعتبارها شموسا قديمة انطفأت بعد انتهاء وقودها النووي، وتحولت إلى مادة خاملة غير قادرة على الانشطار، تقزمت بفعل قوة الاندماج النووي خلال ملايين السنين، وتحولت كل شمس منها بعد انطفائها إلى كتلة فقدت فراغها الداخلي الهائل الذي يصنع حجمها الكبير، لتصير بحجم ثمرة برتقال صغيرة لها كثافة شمس عملاقة وقوة جذبها المخيفة. تلك البرتقالات السوداء تنتشر في الفضاء كفخاخ لا تراها العين، تجذب كل ما يقترب من مجالها لكي يندمج معها، ويصير جزءًا منها مهما بلغ حجمه. وفكرة عبور كل ما تجذبه ليمر من خلالها إلى أمكنة وأزمنة مختلفة في الكون لم يتم إثباتها حتى الآن ولو رياضيا، ولا تعدو أكثر من مجرد تكهنات.

صفقة صلح

نتحول بالحرب نحو أحد رموز المخلوع مبارك الذين لا ينساهم محمود خليل في «الوطن»: أعلنت الحكومة المصرية التصالح رسمياً ونهائياً مع أحمد عز، أمين التنظيم السابق للحزب الوطني نظير دفع مليار و700 مليون جنيه، منها 600 مليون جنيه تم استردادها من الخارج. المرجح أن المقصود بها الـ34 مليون دولار التي أعادتها لنا سويسرا. قد ينظر البعض إلى صفقة الصلح كواحدة من الصفقات المفيدة للدولة المصرية، إذ أدت إلى حصولها على ما يزيد على مليار جنيه حصل عليها أحمد عز دون وجه حق. وقد يتبنى آخرون وجهة نظر نقيضة تذهب إلى أن ما حصلت عليه الدولة لا يشكل نسبة ذات بال مما «كوّش» عليه ملياردير الحزب الوطني. وقد يتساءل أصحاب وجهة النظر تلك كيف تأتى لرجل واحد أن يجمع هذه الأرقام التي تعد بالنسبة لكثير من المصريين أرقاماً خزعبلية؟ واضح أن الحديد بيكسب كتير، خصوصاً في ظل احتكام السوق إلى قواعد احتكارية. وبمناسبة الحديث عن سعر الحديد، فالمؤكد أنك تتابع الارتفاعات الملحوظة في سعر طن الحديد التي شهدها شهر مارس/آذار الحالي، أي عقب توقيع صفقة التصالح مع أحمد عز. وتشير الأرقام إلى أن سعر الطن من حديد عز يقترب من الـ13 ألف جنيه. تداعيات ارتفاع أسعار الحديد معلومة بالضرورة. أبرزها زيادة أسعار العقارات وكل المنتجات الأخرى التي يدخل الحديد في صناعتها. الأخطر أن ارتفاع أسعار الحديد يمكن أن يكون له مردود سلبي على المشروعات القومية التي تبنتها الدولة عبر السنوات الأربع الماضية. ومن المفترض أن تستكمل مشوارها فيها خلال السنوات المقبلة. الحديد على سبيل المثال مهم للغاية بالنسبة لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة، ومشروعات المدن التى يتم إنشاؤها في الظهير الصحراوي.

الانتخابات ليست «فرح العمدة» على إيقاع الأغاني الوطنية… ومكان الرقص ليس لجان الاقتراع

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية