القاهرة ـ «القدس العربي»: فاز عبد الفتاح السيسي بمقعد الرئاسة مجددا بينما ظل منافسه موسى مصطفى موسى يشكر السماء لأن الناخبين أعرضوا عن منح أصواتهم له، فهو يدرك عن يقين أن دوره انتهى قبل أن يبدأ في واحدة من أغرب الانتخابات الرئاسية التي عرفتها مصر والتي هيمنت على كل مرافق الحياة فيها، واهتمت بها وسائل الإعلام كافة، وتفرغت لأجلها معظم الصحف، وباتت لافتات دعم الرئيس التي سدت الأفق تعيق الناس حتى عن الحركة. أنصاره يعتبرون ما جرى حبا إلهيا للسيسي فيما يرى خصوم السلطة أن عقارب الساعة ستحمل مفاجآت مدوية للسلطة خلال المرحلة المقبلة. وفي صحف أمس الجمعة سادت انتفاضة من الفرح والسرور بمؤشرات الفوز التاريخي للرئيس الذي اقتربت نسبته 97٪.
دعاية سياسية هشة
ففي «المصري اليوم» كتب رئيس تحريرها الأسبق أنور الهواري يقول: إن الحاكم لديه هاجس الدولة، والحفاظ على الدولة، وتثبيت الدولة، رغم أنه لم يحدث أن فكر مصري واحد في المساس بالدولة أو الإساءة إليها أبدا، سواء أكان ممن يؤمنون بالتغيير المتدرج أو ممن يؤمنون بالثورة. المصريون يريدون إصلاح الدولة وتحديثها وتجديدها، حتى تكون أكثر قوة وتقدما وعدلا واستقرارا، يبنيها مجتمع أكثر فهما ووعيا وفكرا، مجتمع يستمتع بفرص أفضل للتعلم والعمل والعلاج والسكن والانتقال. هذا هو كل الموضوع. القول بأن من المصريين من يضمر السوء للدولة هذا كلام دعاية سياسية هشه، طبعا باستثناء الاٍرهاب الذي لا نختلف على إدانته ورفضه بكل السبل.
وهناك مؤشرات تقول إن عدد من أبطلوا أصواتهم من الناخبين قد يصل لثلاثة ملايين مواطن، وهذا الرقم يعتبره جمال سلطان في «المصريون» مثيرا جدا. هذه الأصوات هي أصوات غضب انتخابي، ملايين المصريين تم الزج بهم من قبل شركات أو رجال أعمال إلى اللجان تحت الضغط، كما انتشرت فيديوهات كثيرة توضح جانبا آخر من هذه الصفحة المظلمة، حيث تعرض مدرسون بل وأساتذة جامعات، أي النخبة التعليمية المصرية، لتهديدات صريحة بعواقب سلبية إداريا إذا لم يذهبوا للتصويت ويأتوا بعلامة الحبر الفوسفوري على أيديهم. وهناك مئات الآلاف من الموظفين في إدارات مختلفة كذلك، ومئات الآلاف من العمال والموظفين الذين يعملون في شركات ومصانع لرجال أعمال تم إلزامهم بذلك تحت الضغط. وبطبيعة الحال، فإن هذه الملايين كانت عازفة عن التصويت. وربما قامت بتصويت عقابي بإبطال أصواتها على ورقة التصويت لضمان النجاة من العقوبة، ولمعاقبة من أكرهوهم على ما لا يريدون، ولذلك ذهبت بعض الشركات إلى المطالبة بتصوير ورقة التصويت مع الحبر الفسفوري على الأصبع. هذه الطريقة في الخلاص من الملاحقة أو الضغوط يقوم بها عادة المتعلمون وأبناء الطبقة الوسطى، لأن وعيهم السياسي والتعليمي يسمح لهم بالمراوغة هنا. ولكن المؤكد أن هناك ملايين من الأميين والبسطاء الذين خافوا من التهديد في أعمالهم أو من التهديدات المتتالية التي حاصرهم بها إعلام الحكومة بتوقيع غرامة فورية تبلغ خمسمئة جنيه إذا لم يذهبوا وأحيانا التهديد بإلغاء البطاقة التموينية كما حدث في نداءات صدرت في بعض مدن الدلتا، فهؤلاء جميعا ممن أرعبهم هذا التهديد في قوت أولادهم ذهبوا للخلاص والإفلات من حرب تجويع منتظرة.
مقياس الوطنية
ثلاثة أيام متواصلة بالقرب من منزل آلاء الكسباني حالت بينها وبين النوم بسبب أغاني الانتخابات التي صدحت في كل الأحياء من مكبرات صوت ضخمه فصرخت في «مصر العربية»: تقف الأغانى لفترة وجيزة، أظن إنها «جبرت كده»، أبدأ بمتابعة يومي بشكل إنساني بدون ضوضاء مرهقة وغير منطقية بالمرة، وحين أتصفح الفيسبوك، أجد إن الأمر ظاهرة وطنية جدا لدى الكثيرين، بل منهم من نزل خصيصا ليتراقص على أنغام الموسيقى العذبة التي لم أقدرها طبعا أمام اللجان الانتخابية! فيديوهات وصور لا أول لها ولا آخر تعصف بمواقع التواصل الاجتماعي عصفا، ترى فيها كل الطبقات، لكن من أعمار محددة جدا، تتراقص على أنغام اللجان الانتخابية رقصا ولا كأنه «كتب كتاب أمك هو يا حسين»، تضعني فى حالة صدمة، ليس لعدم اقتناعى بأنه ليس ثمة مؤيدين، حاشا لله، بل كانت دهشتي لذهابهم من الأساس، لأفاجأ بأن ثمة مرشحا آخر بورقة التصويت يجب التعليم على اسمه بعلامة خطأ ليجوز اعتبار الصوت صحيحا! فجأة، وبدون سابق إنذار، تعود الأغاني لتُشعِل حماسة الشارع من جديد، لأعود للأزمة الإنسانية نفسها، وتصبح الأغاني مع الوقت قيدا تكاد تختنق به لأبعد حد، خصوصا وأنت تتذكر مع كل هذه الضوضاء أحلامك التي اُضطرِرت لتوديعها مرارا، لتشعر إن هذا ليس مكانك، ولتعود الأسئلة الوجودية تتقافز إلى ذهنك، غير واع كليا بالهذيان المحموم الذي يضطرم به عقلك، سائلا مرارا: ماذا أفعل هنا يا جماعة؟! يصبح الرقص مع الوقت هو المقياس الأساسي للوطنية كل عام، فتقرر أن تنفض عنك مبادئ الوطنية التي كنت تعتقد في صحتها، أن تكف عن الأسى لحالك، أو عن تذكُرك الدائم لأحلامك التى راحت سدى.
لهذا هرولوا للصناديق
ما معنى زيادة نسبة الأصوات الباطلة في الانتخابات الرئاسية التي انتهت بفوز الرئيس عبد الفتاح السيسي لفترة ثانية؟ التفسير الأقرب للمنطق الذي يتبناه عماد الدين حسين في «الشروق» هو أن التلويح بفرض غرامة الخمسمئة جنيه على غير المصوتين لعب دورا مهما فى هذا التحشيد. هؤلاء ذهبوا للتصويت بدءا من منتصف الأربعاء حتى العاشرة ليلا، فى ظروف طقس ومناخ عاصف وممطر ومترب، ورؤية تكاد تكون منعدمة، وطرق وجسور تم إغلاقها خصوصا في الصعيد، في حين أنهم ظلوا في بيوتهم ليومين كاملين، وكان الطقس لطيفا للغاية! التلويح بالغرامة ليس جديدا في معظم الانتخابات. أعرف أحد الذين ذهبوا خوفا من الغرامة، ولسان حاله، كان يقول: «هو المرتب فيه كام 500 جنيه»؟
وإلى أن نحصل على الأرقام التفصيلية الكاملة فإنه من المرجح أن غالبية الذين صوتوا خوفا من الغرامة، هم الذين أبطلوا أصواتهم أو أعطوها لموسى مصطفى موسى. وبهذا المنطق فإن الذين ذهبوا في اليومين الأولين: كانوا في غالبيتهم الأكثر تأييدا للسيسي، حسب قراءة الباحث فى شؤون الانتخابات أكرم ألفي. وارتباطا بهذا الأمر فإن نسبة الأصوات الباطلة ترتفع أكثر في المدن مقارنة بالريف المعروف عنه التصويت بكثافة. نسبة المشاركة غير الرسمية، تقل قليلا عن 40 ٪، وهي نسبة كبيرة جدا إذا وضعنا في الاعتبار انعدام التنافس، والأزمة الاقتصادية وتراجع الحريات بصفة عامة. لكنها من جانب آخر نسبة قليلة جدا، إذا وضعنا في الاعتبار كل عمليات الحشد والتعبئة التي قامت بها الحملة الحملات الانتخابية، وبعض المؤسسات الحكومية لحض الناخبين على التصويت. سيقول البعض إنها نسبة تتكرر كثيرا في بعض البلدان، لكن السؤال: ألا توجد طرق أو سياسات لجذب جزء كبير من المقاطعين أو العازفين أو المحبطين إلى صناديق الانتخابات؟!
غابت عنه الدعاية
ليس كل الذين أحجموا عن التصويت معارضين للسيسي. هذه النتيجة توصل إليها فراج إسماعيل في «المصريون»: من يقاطع سياسيا لا يستسلم للتهديد بعقوبات مادية، خصوصا أن التهديد بفرض غرامة ليس جديدا، فقد سمعه الناس في استحقاقات سابقة ولم يحدث. من الصعب أن تغرم 30 أو 40 مليونا، إضافة إلى أن تطبيق ذلك عمليا بالغ الصعوبة. أي غرامة من هذا القبيل لابد لها من قضية، ولا يعقل أن تشهد المحاكم مثلا 30 مليون قضية بحساب عدد الذين لم ينتخبوا وفق المؤشرات الصادرة حتى الآن. بالطبع هناك من قاطع كاحتجاج سياسي وهذه النوعية ليست هينة. لكن هناك من ارتأى عدم الذهاب – وهم كثر- لأن الدولة حسمت النتيجة مسبقا لصالح مرشح واحد، وبين هؤلاء مؤيدون للسيسي. تحجيم المرشحين المنافسين والتصدي للاعبين أكثر مهارة وشعبية وسمعة وخبرة أفرغت الساحة وقتلت الحماس الانتخابي. ولم يفلح ترشح موسى مصطفى موسى في الساعة الأخيرة في بعث أي نوع من الأمل في منافسة قوية، لأنه غير معروف، وكان حتى اللحظة الأخيرة داعما لترشح السيسي. ثم جاءت الحملة الانتخابية لتقتل أي بقية من حماس عند الناخبين، فقد شهدت الشوارع والمحلات مظاهرات صاخبة من اللافتات الكبيرة والصغيرة الداعمة للسيسي. صوره تقابلك في الطرق وعلى الكباري وأينما تولي وجهك كأنه استفتاء وليس انتخابا، بينما غاب المرشح المنافس ولم يحصل ولو على جزء يسير من الكعكة، لعلها تفلح في إشعار الناخبين بأنها انتخابات فعلية. وفي النهاية حصل موسى على أصوات تعتبر مفاجأة بكل المقاييس لأن الدعاية غابت عنه تماما.
لماذا يكرهونه
لم يكن غريبا على مصر أن تواجه حملة صحافية ممنهجة ضدها، خلال فترة الانتخابات الرئاسية، خصوصا من صحف مثل «نيويورك تايمز» و«الغارديان»، ولم تكن مفاجأة كما تؤكد سحر جعارة في «المصري اليوم» أن تحاول بعض المنظمات الحقوقية تشويه العملية الانتخابية ببيانات كاذبة، وعلى رأسها «هيومان رايتس ووتش»، ومركز «ابن خلدون» الذى يديره الدكتور «سعد الدين إبراهيم». والأخير رفضت الهيئة الوطنية للانتخابات منحه الحق في متابعة الانتخابات، وبالتالي فليس من حقه متابعة أو إصدار أي تقارير عن سير العملية الانتخابية!
لكن المقال الذي شد انتباه الجميع وأدانه معظم الإعلاميين كان مقال الكاتب البريطانى روبرت فيسك، المتخصص فى شؤون الشرق الأوسط، (وهو ليس بمنأى عن شبهات العمالة لقطر)، وقد هاجم فيسك في مقاله الرئيس عبدالفتاح السيسي، وزعم أنه سيربح الانتخابات بسبب أقباط مصر، وهو تصنيف عنصرى يعزل الأقباط عن الكتلة الجماهيرية التي تحركت لتعطي للانتخابات الزخم السياسي والمصداقية. الغريب أن فيسك ركز انتقاداته للرئيس السيسي على أنه يمنح التراخيص التي تسمح بتجديد الكنائس، والدفاع عن الأقباط وحضور احتفالاتهم، بالإضافة إلى تجديد السيسي لأكثر من 86 كنيسة، وكأنها «خطيئة سياسية» في حق الأقباط، رغم أنه حقهم على الوطن! مقال فيسك مجرد دليل على أن إعلامنا لم ينجح – حتى الآن – في الوصول للرأي العام الدولي، رغم الجهد المتميز للهيئة العامة للاستعلامات، في ظل رئاسة ضـــ ياء رشوان، لكننا لانزال «نحدث بعضنا البعض»، ونصم آذاننا عما يتردد في وسائل الإعلام الغربية، والتي تسيطر جماعة الإخوان الإرهابية على بعضها.
بولتون محللا سياسيا
الكلام عن ترامب ومبارك والكاتب سليمان جوده في «المصري اليوم»: ما يقال عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هذه الأيام، قيل من قبل عن الرئيس الأسبق حسني مبارك، خلال سنواته الأخيرة فى الحكم! فالرئيس ترامب اختار جون بولتون مستشارا له لشؤون الأمن القومي. وهناك أسباب كثيرة ترجح اختيار بولتون بالذات لهذا المنصب الخطير، منها، مثلا، أنه من أصدقاء إسرائيل المخلصين للغاية، ومنها أنه من أنصار الحزم الأمريكي الكامل ضد السياسة الإيرانية في المنطقة، وهو الأمر الذي يتفق مع مزاج ترامب المعلن في هذا الاتجاه، ومنها أنه من الصقور في السياسة الأمريكية الخارجية تجاه طهران وغير طهران! ومنها كذلك أن الرئيس الأمريكي معجب بأدائه منذ أن كان مندوبا دائما لإدارة بوش الابن، في منظمة الأمم المتحدة في نيويورك! ومنها… ومنها… إلى آخر القائمة! غير أن أهم الأسباب التي تتردد أن ترامب شاهده أكثر من مرة متحدثا على قناة فوكس نيوز الأمريكية، التي يظهر بولتون عليها كثيرا باعتباره محللا سياسيا! وكذلك الحال مع لاري كادلاو، الذي صدر قرار بتعيينه كبيرا لمستشاري الرئيس الأمريكي الاقتصاديين. فأول مؤهلاته التي جاءت به إلى المنصب، أنه يظهر على قناة سي أن بي سي، ويحلل للمشاهدين الكثير من شؤون الاقتصاد. وقد تصادف أن كان ترامب من مشاهديه أكثر من مرة أيضا، فأعجبه كلامه، وقرر اختياره كبيرا للمستشارين إلى جواره في البيت الأبيض! والمعنى أنه يختار المسؤولين من بين ضيوف التلفزيون! فهل هذا هو سبب التبديل المستمر في الأسماء التي يختارها؟! ربما
لسنا جاهزين بعد
ليس صحيحا في اعتقاد عبد العظيم حماد في «الشروق» أن أيا من الفريق أحمد شفيق، أو الفريق سامي عنان كان يمثل فرصة حقيقية للمنافسة على الرئاسة، بالمعنى المتعارف عليه، أي المنافسة بين تيارات أو تنظيمات أو رؤى شاملة، بل إن أفضل ما كان يمكن أن يمثله كل منهما هو المنافسة بين رؤى فردية من داخل تيار واحد فقط، هو تيار الدولة العميقة. أما أسوأ ما كان يمكن أن يمثله شفيق وعنان فهو التناحر داخل التيار نفسه، مدفوعا بالطموحات، والمرارات الشخصية، وصراعات الأجيال. وأما الأكثر دقة فهو أن الرجلين كانا يمثلان مزيجا فيه الكثير من «الشخصي»، والقليل من «الموضوعي» من المنبع نفسه، إلا أنهما في حقيقة الأمر لم يكونا يملكان أي مصادر يعتد بها للقوة السياسية من داخل ذلك التيار، أو من مؤسسة الدولة، بينما المرشحون الذين كانوا محتملين من خارج الدولة العميقة فلم يكونوا يملكون فرصة معقولة للترشح، فضلا عن المنافسة، والقول بغير ذلك هو خداع للنفس، وتفكير بالتمني، أو بالاستقطاب والمكايدة. نلمس في استخدام الرئيس السيسي لمصطلح «عدم الجاهزية بعد للمنافسة» تقدما نسبيا في نظرة الدولة العميقة لقضية جدارة الشعب المصري بالحكم الديمقراطي، مقارنة بالرسالة الموجهة دائما من المتحدثين باسم هذه الدولة لترسيخ عقيدة أن هذا الشعب لا يصلح للديمقراطية، وأن الديمقراطية لا تصلح له، أو هذا ما نأمله. الفارق واضح بين الرأيين، ففي حالة عدم الجاهزية بعد تكون الأسباب ظرفية، ومن ثم مؤقتة، أي تزول بزوال مسبباتها، وبتوافر شروط التحول الديمقراطي. أما في حالة عدم الصلاحية من الأصل فإن الأسباب كما يؤكد الكاتب تكون أبدية، أو بمعنى آخر حتمية تاريخية لا فكاك منها. بدون استغراق في التنظير، وبدون انسياق أعمى وراء تبريرات تجدد الميول السلطوية في عديد من الدول العريقة في تقاليد الديمقراطية.
وحدي في البيت
استعدت الإعلامية سوزان حرفي للتوجه للجنة الانتخابية مع فتح باب التصويت لكنها قررت التراجع في اللحظة الأخيرة كما اعترفت في «البديل»: ارتديت ملابسي، وكان قراري إبطال صوتي، انتظرت وصول مَّن تساعدني في أعمال المنزل؛ سألتها عن حال اللجان أبلغتني أن أمناء شرطة القسم في منطقتها يطرقون أبواب المنازل ويسألون الناس النزول للجان. صدمتني إجابتها، ففي مثل هذه المناطق يكفي ظهور البدلة «الميري» لتحدث الاستجابة فورا راضيا أو مكرها، بعدها حضرت أختي وكان مقررا أن نذهب سوية للجنة، حكت لي بدورها عن سيدة فقيرة اشتكت أنها ستذهب مرغمة، بعد تهديدها بغرامة عند استخراج أي من الأوراق الرسمية. وقصت لي وهي تضحك عن موظفي المحليات، وأوامرهم لأصحاب المحال بطبع دعاية تأييد للرئيس، وإلا أصابهم ما لا يطيقون من مخالفات واجبة الدفع! وأخذت تعدد ما رأته وسمعته وهي في طريقها، لم تكن تعلم أنها بذلك تبعدني خطوات عن الذهاب. المشاهد أخذت تتوالى، صديق يرسل صورا لخصومات 50٪ في ملاه وأسواق كبرى، شرط إثبات النزول والتصويت، وأخر يبعث فيديوهات لمسؤولين بوزارات ومصالح حكومية يأمرون الموظفين بالمشاركة والعودة بما يؤكدها! تراجعت عما نويت، وبقيت بالمنزل أتابع ما ينقله الإعلام.
ماذا بعد؟
انتهينا من ماراثون الانتخابات الرئاسية في الداخل والخارج في ظل ظروف وتحديات داخلية وإقليمية ودولية يصفها محمد سمير في «اليوم السابع» بأنها في غاية التعقيد والصعوبة، ويعلمها القاصي والداني، أرجو من الله جل وعلا أن ينير بصيرتنا جميعا لإدراك أهمية العمل المطلوب من كل منا «حكومة ومواطنين» خلال الفترة الرئاسية المقبلة، لأن حجم التحديات والمخاطر الحالية والمستقبلية التي تحيط ببلادنا الغالية على كل المستويات لن يتواءم معها على الإطلاق إلا العمل بفكر مهني خلاق، ويعطي كل ذي حق حقه، مع الإصرار على توفير بيئة عمل تتميز بالعدل الشديد والانضباط الصارم، لكي نستطيع تحقيق قفزات تنموية واسعة، ومعدلات إنتاجية فائقة نعوض بها ما فاتنا لسنوات طويلة لأسباب لا تخفى على أحد. وفي هذا الصدد، أرجو أن نحول جميعا شعارنا الأشهر «تحيا مصر» إلى منظومة عمل متكاملة قوامها روح الجد والإتقان والتحلي بالمثل والقيم والخلق الرفيع، لأن مصر لن تحقق أبدا كل ما نتمناه لأنفسنا ولأبنائنا ولأحفادنا إلا إذا حولنا الشعارات الكثيرة التي تجري على ألسنتنا طول الوقت، إلى عمل دؤوب يماثل قرينه في الدول المتقدمة بل ويتفوق عليه.
ليس وهما
لم تعد صفقة القرن وهما أو خيالا، ولا أماني أو أحلاما، ولا هي كما يردد مصطفى يوسف اللداوي في «الشعب» هرطقات عجوز أو حسابات تاجر هرم، كما لم تعد مجرد أفكار ومجموعة تصورات، ولا مبادرات ومساعي حلول، بل غدت خططا ومشاريع، وخرائط ورسومات، وحدودا وحكومات، ووقائع وحقائق، وعما قريب سيتم الإعلان عنها رسميا، والكشف عن بنودها فعليا، ولن تعود غامضة أو سرية، بل ستكون علنية وصريحة، وسينشغل العالم بها وستخضع المنطقة كلها لها، وسيعمل حكام المنطقة عبيدا فيها وخدما لسيدها، وسيعبدون الطريق أمامها وسيذللون العقبات من طريقها، ولن يقوَ أحدٌ منهم على الوقوف ضدها، بل سيخضعون الرافضين لها وسيعاقبون المناوئين لها، وسيضيقون على المعارضين لها حتي يقبلوا بها، أو ينسحبوا من الميدان ويتركوا الساحة السياسية لغيرهم ممن ينسجم معهم ويقبل، ويخضع لهم ويخنع، ويسلم بتصوراتهم ويتبع.
انتهى الوقت الممنوح لمختلف الأطراف عدا الفلسطينيين الرافضين لها بالمطلق، والمعارضين لها بمختلف توجهاتهم السياسية وانتماءاتهم الحزبية والتنظيمية، للتعديل عليها، أو لتبديل بعض بنودها، أو لإبداء الرأي في مختلف جوانبها، ولم يبق إلا الإعلان عنها رسميا، والمباشرة في فرض تنفيذها عمليا، وإكراه الأطراف على القبول بها، ويبدو أن دول المنطقة كلها باتت تترقب خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سيخصص لها، وفيه سيتم الإعلان الرسمي عنها. وقد كان من المقرر أن يعلن عنها يوم الثاني عشر من شهر مارس/آذار، ولكن الإعلان أرجئ ولم يلغَ، وتأخر ولم ينسَ، وتنتظره بعد الخطاب مرحلتان مهمتان لهما دور كبير في خطته، الأولى القمة العربية التي ستبارك الصفقة، والثانية زيارته للكيان الإسرائيلي في ذكرى النكبة لافتتاح سفارة بلاده في مدينة القدس المحتلة.
البديل الفناء
نبقى مع مصطفى يوسف اللداوي في «الشعب» حيث يرى أن المعروض على الفلسطينيين اليوم أمران لا ثالث لهما، ولا خيار أمامهم في غيرهما، فإما القبول بهذه الصفقة المبهمة الغامضة الغريبة العجيبة المجحفة الظالمة، مقابل رغد العيش ورفاهية الحياة، واتساع الأرض، وحرية العمل والتجارة، وانتعاش الحياة الاجتماعية ودوران عجلة الاقتصاد المحلية، وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم من كهرباء دائمة ومياه شرب نقية، وبنى تحتية جيدة، وخدماتٍ مدنية على مدى الساعة، وحرية سفر وانتقال، وجواز سفر مقدر، واعتراف دولي بكيانهم الجديد ودولتهم العتيدة، وعلاقات حسنة مع الجوار العربي المحيط ودولة الكيان، ومع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا مجتمعة، ومعها سلة أخرى من تقديمات حسن النوايا الإسرائيلية، كالإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وإعادة جثت الشهداء وكشف اللثام عن المفقودين وتسليم رفاتهم، والسماح بالعمالة الفلسطينية بالعمل في سوق العمل الإسرائيلي في مختلف قطاعات البناء والزراعة والمعامل والمصانع وغيرها.
أما الخيار البديل للقبول والموافقة، والسير في طريق تصفية القضية الفلسطينية وإنهائها، ووضع حل نهائي وأبدي لها، بما يرضي «الشعب اليهودي» كله، وبما يحقق الأمن المطلق والدائم للإسرائيليين داخل حدود كيانهم الجديد، فإنه السحق الكامل والحصار الدائم والتجويع المطلق، والشطب الكلي من على الخارطة السياسية.
أوهام إماراتية
يوم الثلاثاء الماضي، فاض كأس الصبر في الصومال حيال ما اعتبرته انتهاكات إماراتية متكررة لسيادة البلاد والقرارات الأممية المتعلقة بها، فلم يعد بد من أن ترفع مقديشو شكواها عبر مندوبها في الأمم المتحدة، إلى المجموعة الدولية طالبة التدخل لإيقافها. وتتضمن الانتهاكات الإماراتية في الصومال حسب خالد عبد المنعم في «مصر العربية» عقد اتفاقات اقتصادية وإقامة شراكات عسكرية مع جهات يعتبرها الصومال فاقدة للشرعية، وقال المندوب الصومالي في الأمم المتحدة، أبوكار عثمان، إن ما تفعله أبو ظبي يضرب بالقرارات الأممية عرض الحائط، ويصب مزيدا من الزيت الحارق على أوضاع أمنية وسياسية مضطربة في بلد منهك أصلا بالنزاعات الداخلية، مستنكرا الانتهاكات الإماراتية لقرارات مجلس الأمن الخاصة بالصومال التي وثقها تقرير لجنة العقوبات الخاصة ببلاده، وأضاف إن ما تتعرض له بلاده «احتلال» إماراتي.
وأوضح المندوب أنه «قبل عامين وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاقية مع السلطات الإقليمية لأرض الصومال لإنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في بربرة دون موافقة الحكومة الاتحادية الصومالية. وأكد فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الخاصة بالصومال وإريتريا في تقريره السنوي الأخير، أن بناء المرافق الجديدة مستمر، وأن إنشاء القاعدة بما يعنيه ذلك من نقل مواد عسكرية إلى الإقليم سيشكل انتهاكا لحظر الأسلحة المفروض على الصومال».
ومقابل التواجد الإماراتي في القاعدة الصومالية «صوماليلاند»، ستدرب أبو ظبي الجيش والشرطة في الإقليم الانفصالي، الصفقة كشف عنها رئيس الإقليم، موسى بيحي عبدي، وتوقع إكمال الاتفاق بين الطرفين خلال شهرين، أي في شهر مايو/ايار المقبل. الصفقة الإماراتية مع الإقليم الانفصالي في الصومال، تنتهك مبدأ السيادية الصومالية، المخطط الإماراتي في الصومال لا يختلف عن اليمن؛ فآلية التقسيم المتبعة في الصومال تجاوزت الخطوط الحمراء.
البحث عن أغنية
يشعر فاروق جويدة بكثير من الأسى لغياب الأغاني الوطنية، وأكد في «الأهرام»: حين نراجع الأحداث الكبرى التي عاشها المصريون سوف نجد «بلادي بلادي» وقد تحولت إلى النشيد الوطني، وسوف نجد سلسلة أغنيات أم كلثوم وعبد الوهاب عن مصر «وقف الخلق»، و«مصر نادتنا فلبينا نداها»، وأغنيات أخرى «للنيل أنا»، و«حبيبى يا نيل نلنا أمانينا»، و«النهر الخالد»، وأغنيات الثورة في مرحلتها الأولى مثل «بالأحضان»، و«صوره» وكل هذه الإبداعات الرفيعة. أنظر الآن للساحة وتمر الأحداث الكبرى دون أن تبقى في وجدان المصريين كلمة أو لحن أو أداء جميل يذكرنا بهذه المناسبات العزيزة علينا. إنها إنتاج معلب سريع لا جهد فيه ولا إحساس وحين تتدفق هذه الأغنيات على الشاشات مع صور مزعجة في أحيان كثيرة فهي لا تترك أثرا أمام الصخب والضجيج وسطحية المشاعر وهشاشة الكلمات وعبثية الألحان. لم تشهد الأحداث الكبرى في مصر خلال السنوات الماضية إبداعا يتناسب مع أهمية هذه الأحداث حتى تلك اللحظات التي خرجت فيها الجماهير لم يخرج منها إبداع يتناسب مع قدسية الدماء التي سالت والأرواح التي ضحت. إن هناك أسبابا كثيرة وراء ذلك كله. أول هذه الأسباب هي المشاركات الفنية التي دفعتها مصالح ولم تكن بدافع وطني صادق. إنها صفقات سريعة يكتبها المؤلف في لحظات ويلحنها الموسيقي في دقائق ويقرأها المطرب وهو يسجلها في الأستوديو بدون أن يحفظ كلماتها. إنها إنتاج سريع شبه الأشياء المعلبة وسندوتشات التيك أواي، ولهذا يبقى تأثيرها محدودا للغاية. ولنا أن نتصور كلمات كان يكتبها شوقي أو حافظ إبراهيم أو محمود حسن إسماعيل ويلحنها السنباطي أو عبد الوهاب وينطلق بها صوت كوكب الشرق.
حسام عبد البصير