غزة ـ «القدس العربي»: شكلت حالات الانتحار المتزايدة في قطاع غزة بين كلا الجنسين جدلاً حادا في الشارع الغزي، في ظل غياب الحلول وتقصي الدوافع الحقيقية لإقدام أعداد كبيرة على الانتحار سواء عن طريق الشنق أو شرب مواد سامة أو قطع أحد الشرايين. ولا شك أن تردي الوضع الإنساني والاقتصادي لدى الغزيين والحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع، وارتفاع معدلات البطالة لدى الآلاف من الشباب، كلها عوامل لعبت دوراً كبيراً في إغراق غزة بمستنقعات الجوع والفقر، وبالتالي صارت مؤشرا واضحا وصريحا على انتشار حالات الانتحار. ولكن هناك حالات كثيرة من الانتحار خاصة في صفوف الإناث يخيم على بعضها الغموض ولا يتم الإفصاح عنها.
فمنذ بداية العام الجاري وعلى صعيد قطاع غزة الذي يسكنه مليوني نسمة، تم رصد قرابة 12 حالة انتحار بين ذكور وإناث بإحدى الطريقتين الشنق وتناول المواد السامة، عدا عشرات المحاولات التي فشلت. وسجلت الأسابيع الماضية ست محاولات وذلك خلال يومين متتاليين، كانت إحدى هذه الحالات لفتاة وجدت مشنوقة على سطح منزلها في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة.
وأكد الباحث والخبير في الصحة النفسية والعلوم الاجتماعية جميل الطهراوي لـ«القدس العربي»: أن ارتفاع معدلات الانتحار في أوساط الشباب ناتجة عن عاملين رئيسيين وهما: العامل الاقتصادي الذي يواجهه الشباب من غياب لفرص العمل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، والعامل الثاني وهو الاجتماعي الناتج عن خلافات أسرية واجتماعية عائلية تدفع الشباب إلى اللجوء للانتحار، ويعتبر هذا العامل ومن خلال دراسة تم إجراؤها أكثر الأسباب التي تؤدي لإقدام الشباب على الانتحار لوضع حد للمشاكل والضغوط النفسية.
وبين أن الشاب الذي يقدم على الانتحار بالطرق المختلفة يكون قد أصيب باكتئاب نفسي واضطرابات عقلية بعد فقدانه الثقة بنفسه، ويعتقد أنه بالانتحار والموت وضع حداً لمعاناته، ولكنه واهم، فلا شك أن الظروف القاسية وغياب الحلول تجعله في حيرة من أمره، فعليه أن يعي جيداً أن الدين يرفض الانتحار ويحرمه تحريماً قطعيا.
ودعا الطهراوي كافة المؤسسات الأهلية والحكومية ودور العبادة إلى بذل الجهود التي من شأنها الحد من تمدد هذه الظاهرة الخطيرة، والتي لم يسبق لها مثيل من قبل، إضافة إلى مراقبة العائلات سلوكيات أبنائهم وعرضهم على الطبيب المختص في حال ظهرت أي أعراض نفسية وعقلية عليهم.
وقال مدير مركز «الميزان» لحقوق الإنسان عصام يونس، أن ظاهرة الانتحار بين الشباب في غزة بدأت في الصعود نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية وهو ما ينذر بكارثة خطيرة على الشارع المحافظ في عاداته وتقاليده.
وأوضح لـ«القدس العربي»: أن غالبية الشباب الذين يقدمون على الانتحار هم من الفئة العمرية بين 16 إلى 25 وهي الفترة التي يشعر فيها الشاب الذي فقد العمل بوجود نقص كبير في مقومات حياته وتهميش وإحباط، وهذا ما ينطبق على بعض الحالات التي أجريت دراسات حولها.
وحذر يونس من مخاطر الأيام المقبلة والتي تتجه نحو الأسوأ، في ظل الحالة الضبابية التي تخيم على مصير المواطنين في غزة، خاصة بعد تواصل الانقسام الذي من شأنه تكريس معاناة المواطنين التي تستدعي تدخلاً سريعاً لمواجهة الآثار الناجمة عن ذلك، من خلال تجاوز الخلافات الداخلية وخلق فرص عمل للغزيين الذين أصبحوا بالمئات متسولين في الشوارع نتيجة الفقر الشديد.
وطالب الجهات الأمنية في غزة، بتوفير إحصائيات رسمية لحالات الانتحار، ليقف المواطنون عند مسؤولياتهم تجاه أبنائهم ولمساعدة الجهات الحقوقية في إعداد دراسات وتوفير معلومات تمكنها من طرح هذه المشكلة وإيصالها للمعنيين والمختصين من خلال عقد ورشات العمل التوعوية للشباب، إضافة إلى إرسال إحصائيات ومعلومات دقيقة للمؤسسات الدولية في الخارج، لغرض تقديم المساعدات اللازمة للحد من الظاهرة وبأقصر الطرق.
وبين تقرير نشره «المرصد الأورومتوسطي» لحقوق الإنسان، أن معدلات الانتحار في قطاع غزة ارتفعت بنسبة 45 في المئة منذ بداية العام مقارنة بالأعوام السابقة ويأتي ذلك نتيجة حالة الفقر المدقع الذي يضرب القطاع، حيث وصلت نسبته في أوساط الغزيين إلى 80 في المئة، إضافة إلى فقدان أعداد كبيرة من الشباب لحقهم في الحصول على فرص عمل، وارتفاع نسبة البطالة إلى 46 في المئة مقارنة بالأعوام السابقة أيضا.
وفي تعقيبها على ذلك، دعت الفصائل الفلسطينية المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني إلى إطلاق برامج توعية للشباب تحذرهم من خطر الوقوع في مثل هذه الجرائم، كما دعت الأشقاء العرب إلى مساندة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والعمل على رفع الحصار الإسرائيلي الظالم الذي كرس معاناة المواطنين، وطالبت الفصائل حكومة التوافق الوطني في رام الله بإنجاز ملف المصالحة وإطلاق مشاريع تشغيلية لآلاف الخريجين، في خطوة للتخفيف من حدة الفقر والبطالة وإخراج غزة من أزماتها الخطيرة التي طالت كافة شرائح المجتمع.
إسماعيل عبدالهادي