تونس ـ «القدس العربي»: تربط التونسيين بالجزائريين، علاقات استثنائية متميزة على المستوى الشعبي، بعيدا عن تعقيدات السياسة والسياسيين اعتبرها البعض حالة نادرة بين البلدان المجاورة لبعضها خصوصا على المستويين العربي والافريقي. فهناك روابط عديدة تجمع الشعبين، كالأصول المشتركة والمصاهرة ووحدة الدين واللغة وحتى الجغرافيا، وأهمها بالنسبة للبعض النضال المشترك خلال الفترة الاستعمارية والذي اختلطت فيه الدماء خصوصا في قرية ساقية سيدي يوسف الحدودية التي يحيي الشعبان سنويا ذكرى أحداثها الأليمة.
وانعكست هذه العلاقات الاستثنائية بين الشعبين على مختلف المجالات التي شهدت تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة رغم بعض الجفاء الذي يبرز من حين لآخر على المستوى الرسمي. ولعل الإقبال السياحي اللافت للعائلات الجزائرية على تونس لقضاء الإجازات، وإقبال التونسيين الذي برز في السنوات الأخيرة على السياحة في الجزائر يقيم الدليل على مدى التطور الذي شهدته العلاقات الثنائية شعبيا ورسميا.
على مدار العام
يزور تونس سنويا قرابة 2.5 مليون جزائري، سوادهم الأعظم من العائلات التي تقصد الجارة الشرقية للراحة والاستجمام في مختلف المنتجعات والفنادق والاقامات، وفي مختلف العطل وخصوصا خلال الإجازة الصيفية. كما يقصد تونس سياح جزائريون من أجل التداوي والاستشفاء في المصحات والمحطات الاستشفائية المنتشرة في المدن الكبرى وفي عدد من المدن السياحية التونسية والتي باتت مصدر جذب للجزائريين في السنوات الأخيرة بعد أن كانت تقتصر على الأوروبيين والليبيين.
ويفسر البعض سبب إقبال الجزائريين على تونس، بالقرب الجغرافي وتطور وسائل النقل والمواصلات الرابطة بين البلدين برا وجوا في انتظار تطوير النقل البحري. فبالإضافة إلى خط الطيران اليومي تونس – الجزائر والذي يدعم برحلات إضافية من الطرفين التونسي والجزائري على حد سواء، وخصوصا خلال موسم الصيف، تم بعث خط جديد يربط تونس العاصمة ومدينة وهران الجزائرية وخط آخر بين مدينة الجزائر العاصمة وجزيرة جربة التونسية خلال فصل الصيف.
كما دعمت تونس الطريق السيارة التي تربط بين العاصمة والشمال الغربي في اتجاه الحدود الجزائرية وبات الطريق قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى الأراضي الجزائرية. وقد مكن مد هذا الطريق التونسيين والجزائريين من اختصار الوقت أثناء السفر مقارنة بما هو عليه الحال عند السفر عبر الطرقات العادية التي تكثر فيها التقاطعات وتكون أضيق وأكثر اكتظاظا بالعربات ما يضطر مستعملي الطريق إلى السير بسرعة منخفضة.
وكان من المتوقع أن تعاد الحياة إلى خط السكك الحديدية الرابط بين البلدين وحدد موعد لانطلاق أولى سفرات القطار بين مدينتي تونس العاصمة وعنابة الجزائرية لكن ذلك لم يحصل لأسباب مجهولة. ومن المتوقع أن يزيد القطار الذي كان يربط سابقا تونس بالمغرب عبر الجزائر والذي توقف استعماله بين البلدان المغاربية الثلاثة بسبب العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر في التسعينات وبسبب غلق الحدود الجزائرية المغربية، من أعداد المسافرين بين البلدين، ومن تنشيط الحركة السياحية في كلا البلدين.
الوجهة الأولى
وفي هذا الإطار يقول محمد علي التومي رئيس الجامعة التونسية لوكالات الأسفار والسياحة لـ«القدس العربي» ان السياحة الجزائرية في تونس تشهد تطورا ملحوظا من عام إلى آخر. فقد باتت تونس، حسب محدثنا، الوجهة الأولى للجزائريين، خاصة خلال الفترة الصعبة التي عاشتها السياحة التونسية في 2015 بعد هجوم سوسة الإرهابي.
وساهم السياح الجزائريون، حسب التومي، في تنشيط الدورة الاقتصادية بصفة عامة والسياحية بصفة خاصة خصوصا خلال الفترة التي شهدت تراجعا في أعداد السياح الذين يختارون تونس كوجهة بعد الضربات الإرهابية التي تلقتها الخضراء خلال فترة حكم الترويكا. واعتبر أيضا ان الوافدين الجزائريين يملؤون تونس حياة وأنهم كانوا من المساهمين الفاعلين في تنشيط الحركة السياحية.
وعن أسباب توافد السياح الجزائريين يجيب محدثنا قائلا: «هناك سمات مشتركة بين الشعبين التونسي والجزائري تجعل الجزائريين يشعرون وكأنهم في بلدهم. هناك وشائج مشتركة تربط الشعبين، وأيضا دماء مشتركة سالت في معارك التحرير واختلطت، الأمر الذي يجعل الجزائري يشعر بالراحة في تونس ويشعر أنه مرحب به. كما أن هناك خصوصية للسياحة التونسية وهي تنوع وجهاتها وأنواعها بشكل يلبي متطلبات الجزائريين.
إن جميع وكالات الأسفار التونسية، أصبحت مثلا تقيم معارض خاصة في السوق الجزائرية، ووزارة السياحة بدورها تهتم بالجزائر وبشكل لافت في السنوات الأخيرة ولديها حتى مشاركات في برامج تلفزيونية جزائرية للترويج للوجهة التونسية. كما أن هناك عددا من الإجراءات التي اتخذتها تونس تجاه تكثيف التعامل مع الجزائريين ومنها برمجة معارض خاصة للجزائريين في تونس».
ويضيف قائلا: «ان الأرقام تشير إلى قدوم أكثر من مليوني سائح جزائري في الصيفية الماضية، وهناك توقعات بتجاوز هذا السقف الصيف المقبل مع دخول النزل والمؤسسات السياحية في ورشات تأهيل استعدادا للموسم السياحي المقبل. لكن تجدر الإشارة إلى أن هذا الموسم سيشهد عودة للسياحة الأوروبية وهناك عقود توقع مبكرا، ولذلك أتمنى أن يتم التنسيق باكرا بين ممثلي وكالات الأسفار التونسية والجزائرية لكي تتوافر الأمكنة المناسبة للإخوة الجزائريين خاصة ان عدد النزل سيكون أقل من الأعوام الماضية بسبب الغلق سابقا نتيجة الهجمات الإرهابية ما جعلها الآن في حالة إعادة ترميم وتأهيل».
سياحة معاكسة
ولعل اللافت في السنوات الأخيرة ما اصطلح البعض على تسميته «السياحة المعاكسة» أي الإقبال اللافت للتونسيين على السياحة والاستجمام في الجزائر، وهو أمر لم يكن مألوفا في السابق. ففي الوقت الذي يتجه فيه الجزائريون برا وجوا نحو تونس لقضاء إجازاتهم يتوجه عدد لا بأس به من التونسيين إلى الاتجاه المعاكس نحو الجزائر لقضاء إجازاتهم أيضا.
ولم يكن هذا الأمر يحصل خلال السنوات والعقود الماضية حيث كان التونسيون يفضلون أوروبا وتركيا والمغرب وبلدان المشرق العربي خصوصا لبنان وسوريا ومصر، لقضاء إجازاتهم الخارجية. فيما يفضل آخرون السياحة الداخلية في تونس نفسها باعتبار ما يتوفر فيها من تنوع سياحي بين البحر والجبل والغابة والصحراء والجزر والمناطق الأثرية والتظاهرات الثقافية وغيرها.
لكن يبدو أن التونسيين اكتشفوا مؤخرا ما تزخر به الجزائر من قدرات سياحية ومن جمال طبيعي استثنائي كان غائبا عنهم رغم القرب الجغرافي والعلاقات المتينة التي تجمع بين الشعبين الشقيقين. ولعل استتباب الأمن في الجزائر ساهم في الإقبال التونسي على الجارة الغربية، فأصبحت الإعلانات التي تحث التونسيين على قضاء أيام وأسابيع في الجزائر تملأ مختلف وسائل الإعلام التونسية، وأصبحت وكالات الأسفار التونسية تنظم رحلات إلى الجزائر برا وجوا مع الإقامة في الفنادق.
لقد باتت مشاهد الحافلات السياحية التونسية مليئة بالركاب تجوب مدن الشرق الجزائري على وجه الخصوص أمرا لافتا وكذا حركة السيارات التونسية الكثيفة على المعابر الحدودية. كما أن سفر التونسيين جوا نحو الجزائر شهد تطورا لافتا جعل شركتي الطيران الوطنيتين تزيدان أعداد الرحلات اليومية وبات رسميا يمكن الحديث عن الجزائر كوجهة مفضلة للسياح التونسيين.
ولعل الأسباب ذاتها التي جعلت الجزائريين يقبلون على تونس هي نفسها التي جعلت التونسيين يقبلون على الجزائر وتتمثل خصوصا في تغيير الجغرافيا دون الشعور بتغير في العادات والتقاليد ولا في طباع البشر. فالتونسي يعامل معاملة حسنة في الجزائر، وهو ما يؤكده أغلب زائري بلد المليون شهيد، ويشعر قولا وفعلا أنه في وطنه وبين أهله وناسه وهو ما يشجع على إعادة الكرة وعلى حث تونسيين آخرين على اختيار الجزائر التي تزخر شأنها شأن تونس بجمال طبيعي استثنائي.
وفي هذا الإطار يقول التومي «لقد تنامت السياحة بين تونس والجزائر في الاتجاهين والأمر مرشح لمزيد التطور في السنوات المقبلة. هناك فعلا حركة لافتة في الاتجاهين، والتونسيون كانوا يقصدون الجزائر من أجل المسألة التجارية لكنهم اطلعوا على طبيعتها الخلابة وعلى حسن معاملة الشعب وأدركوا أن الجزائر تستحق الزيارة للراحة والاستجمام وليس فقط للعمل والتجارة».
روعة قاسم