يبدو سؤالا صغيرا للغاية، لكنه كبير بدلالاته.. يرتفع حاجبا المذيع الشاب والجريء في محطة «رؤيا» الأردنية وهو يطرح الإستفسار الوطني: الباقورة لمين؟
يذكرني المشهد بمسرحية «مدرسة المشاغبين»، التي أعادت بالمناسبة فضائية الكويت بثها مؤخرا… المواطن الأردني وبعد 24 سنة خدمة في ثانوية السلام والمفاوضات لا يعلم ما إذا كانت «الباقورة» أرضا أردنية أم أنها مملوكة لإسرائيليين.
المفارقة أن اليهود الإسرائيليين الذين يقول موقِّع اتفاقية «وادي عربة» الدكتور عبد السلام المجالي إنهم يملكون أراضي الباقورة والغرم تمكنوا بصورة غامضة حتى اللحظة من تملك الأرض الأردنية حتى قبل قيام إسرائيل.
طبعا منذ عام 1994 تضخ في جسد الشعب الحكاية على أساس أن الباقورة أرض أردنية «مؤجرة» لإسرائيليين.
نام الجميع 24 عاما ليكتشف القوم أن ما تم تأجيره في الواقع لا تملكه أصلا الخزينة الأردنية حتى خرج وزير الخارجية يتحدث عن السيادة الوطنية على ما يملكه أخرون.
الباقورة لمن؟ نعم سؤال صغير يؤسس للفيلم الهندي الطويل قذفه في رؤوسنا المذيع محمد الخالدي على شاشة «رؤيا» وترك الإجابة معلقة.
لا بد أن نفهم من أين بصورة محددة حصل المفاوض الأردني على كل تلك الجرأة التي مكنته من تضليل الوطن والمواطن طوال 24 عاما… ما الذي منع من قول الحقيقة في ذلك الوقت عندما صاح المجالي أمام كاميرا التلفزيون الأردني قائلا «اليوم تم دفن الوطن البديل» لنكتشف بعد ربع قرن بان بعض «الوطن الأصيل» يملكه يهود تصادف أنهم إسرائيليون حتى قبل قيام إسرائيل.
لف ودوران وغرور وتضليل وأسرار لم تظهر بعد…هذه هي قصة المفاوضات مع العدو الإسرائيلي وأرجو من قلبي شخصيا أن لا نكتشف لاحقا بان أرض مجمع الباصات في وسط العاصمة يملكها أيضا يهودي يحمل اسم دولة إسرائيل قبل أن تولد أصلا.
الباقورة لمن؟ سؤال كبير فعلا.
تطهر أم شيطنة؟
مرة أخرى تتحفنا الفضائية السعودية بإعادة بث مكررة لتصريحات ومقابلات الأمير محمد بن سلمان مع الشاشات الأمريكية، حيث زيارة لا ينافسها بالطول الزمني إلا طول السيارات الفارهة التي خصصت بمعدل لا يقل عن 120 سيارة للحاشية والمرافقين دليل الأبهة والفخامة في الوقت الذي تلتقط فيه محطة «الجزيرة» ما تفعله صواريخ الحوثيين في العاصمة الرياض.
ما علينا صواريخ الحوثيين، وحسب زميل يمني متخصص وفهيم في الأعماق خالية من الرؤوس والحشوات المتفجرة وهي مجرد رسائل «سياسية» في ما يبدو قد لا تخدم أهدافها لأنها تبرر لاحقا القصف المجنون للحفاة العراة من أطفال اليمن الشقيق حيث لا يرعى الله فيهم، ويستخدمهم ذخيرة الطرفين في نزاع سقيم وبائس تستفيد منه فقط إيران وإسرائيل.
آخر تحفة في الخطاب السعودي المستجد هو السهر على «إجتثاث» الإخوان المسلمين بإعتبارهم أساس البلاء والعنف والتشدد.
لست معنيا بالدفاع عن الإخوان المسلمين، ففي قضايا الرأي الآخر لا يختلف أداؤهم خصوصا عند الإختلاف معهم عن تصرف أي جهاز مخابرات عربي تعسفي.
ما يمكن التحدث عنه هو يقيني أن الإخوان المسلمين كفرقة إسلامية مسيسة كانوا دوما على خصومة مع تعبيرات متشددة انطلقت من المدرسة الدينية السعودية الوهابية.
يعني صاحبنا يريد «التطهر» والإقرار بخطأ الوهابية ومؤسساتها.. هذا حقه ونصفق له، لكن لا يستطيع فعل ذلك عبر محاولة «شيطنة» ضحايا الوهابية من الإخوان المسلمين… هنا ندخل في النكايات ومخاطبة الغرائز والتقرب من إسرائيل ومناكفة إيران على حساب المبدأ، الذي نعيد التأكيد على دعمنا له عندما يتعلق الأمر بالانفتاح الاجتماعي السعودي.
التطهر الحقيقي الفاعل يعني الاقرار بكامل الأخطاء والاعتذار عنها والتعويض لضحاياها والتزام عدم تكرارها… دون ذلك نمارس اللعبة السياسية المضللة نفسها على طريقة ..«التصدي لإيران يتطلب القفز على صدر الشعب الفلسطيني وبيعه مع بيع القدس» … هذا تحديدا ما يفعله اليوم النظام الرسمي العربي السعودي.
تصفيق ونصائح
وعلى سيرة التطهر نفسه بدا لافتا أن شاشات أوركسترا الممانعة إياها من تلفزيون دمشق لشاشة «دنيا» ومعهما «الميادين» دخلت جميعها في إطار التصفيق أيضا لولي العهد السعودي بعدما أقر علنا بأن «الرئيس بشار الأسد باق» على أساس أن من قرر بقاء بشار أصلا السعودية وأن روسيا كانت تتلهف لموافقة محمد بن سلمان على بقاء الأسد.
بقاء الأسد في السلطة خبر مؤسف جدا ومؤلم للروح البشرية لأنه هو الآخر لن يعتذر لملايين السوريين الذين تسبب بقتلهم ومعاناتهم وتهديم بيوتهم وتقويض اقتصادهم وحياتهم.
لكن غريب أن تصدق ثم تصفق بقالات دمشق الفضائية لما قالته السعودية بخصوص بقاء بشار لأن المؤسسة السعودية هنا أيضا تقول «نصف ربع الحقيقة» حيث أن الأمير بندر بن سلطان هو الذي بدأ الحرب على بشار وقام بتسليح الانتفاضة الأهلية ودفع مليارات من الخزينة السعودية وإقرارات السعودية بالخصوص تتجنب هذه الصفحة.
حتى نصدق أن الرياض تقر فعلا بأن بشار الأسد باق وأنها لن تعود للتدخل لا بد من الكشف عن كل الأسرار التي رافقت أيام الأمير بندر على الحدود الأردنية – السورية ولا بد من المسلسل نفسه من أجل تعزيز المصداقية… الاعتراف ثم الاعتذار ثم التعويض.
والسبب أن بشار الأسد لن يستمع لنصيحة محمد بن سلمان التي تقترح الانتباه على النفوذ الإيراني في سوريا… عشنا وشفنا بن سلمان، الذي يقصف اليمن ينصح بشار الأسد الذي يقصف شعبه، وعلى أساس أن بشار أصلا يستطيع إخراج الإيرانيين من المعادلة!
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين