تالكلمات التالية ستكون حزينة، بل باعثة على الاكتئاب، بضع دقائق من حساب النفس الخاص والوطني: وهي ترمي الى أن نقول ان اليوم، 6 اكتوبر 2013 يكاد لا يكون هناك مجال في عالمنا السياسي الامني الاقتصادي للعدل.. للرحمة.. للتفهم. ‘ليس من قبيل السياسة السليمة كتابة مثل هذه الكلمات، ولكن هذه هي الحقيقة بعينها: العالم هو اليوم متوحش، بارد ومغترب. الدولة لا تهتم الا بنفسها. الانسان لا يهتم الا بنفسه. دروس الكارثة من القرن السابق لا تهم معظم الزعماء ومواطنيهم الذين ولدوا بعدها. العالم يدير الرأس كي لا يرى مشاهد الفظاعة، كما أنه يسكت. نحن نعيش في غابة عالمية لا ينتصر فيها الا من يبقى على قيد الحياة. يوجد في هذه الغابة الكثير من الاشخاص الذين يبرز العدل من عيونهم ولكن عيونهم ميتة. وهاكم تفكيرا اسرائيليا عاديا الاسبوع الماضي: يقف رئيس وزراء اسرائيلي على المنصة المحترمة للامم المتحدة، ويقول امورا صحيحة. تكاد تكون كل كلمة تخرج من فمه، هذه المرة، اقوالا حقيقية تترافق ومخاوف جسيمة. لديه، كرئيس وزراء، ما ومن يخافه. والعالم، بالتأكيد الامم المتحدة، يمر مرور الكرام بنبرة ‘لا تشوشوا لنا عقولنا’. رئيس الوزراء في اسرائيل مسؤول عن أمن 8 ملايين مواطن في الدولة. وقد كانت لي يد في النار التي كانت تقض مضاجع كل رؤساء الوزراء في اسرائيل على اجيالهم، إذ هم وحدهم يعرفون كم هو وحشي الخط الفاصل بين الحياة والموت في هذه الدولة، بين وجودها وعدمه. رئيس الوزراء الاسرائيلي يرى نفسه كالاب المسؤول عن كل شعرة من شعر رأس مواطني الدولة، وبالتأكيد جنود الجيش الاسرائيلي ومجنداته. وهاكم اعترافا شخصيا صغيرا.. مرة، مرتان وثلاث مرات، في عملي في مكتب وزير الدفاع، فوجئت بأن جنودا ومجندات يسيرون في الشارع او يخدمون في وحداتهم ورأيت نفسي مسؤولا ربما بغير حق عن شعرة واحدة، شعرة واحدة فقط، من مئات الاف الشعرات لكل جندي. درجت على أن انظر اليهم والا أنام جيدا في الليل. وحمدا لله اني لم اكن وزيرا. وبالفعل، يخطب رئيس الوزراء على منصة الامم المتحدة، ومن جهة العالم يمكنه في ذات اللحظات ايضا أن ينشد ‘مرسيلييز’ او شيئا من ‘بينك بلويد’، او أن يلعب الطاولة أو الشطرنج، أو مجرد ينبح. العالم ‘لا يبصق’ نحوه، لا يهمه ما يقوله رئيس الوزراء وبالاساس لا يكترث به. السيد نيقولو مكيافيلي، السياسي الدبلوماسي والحزبي (1469 1527)، كان يمكنه أن ‘يعيش حياة مجنونة’ لو كان يعيش في زمننا. مكيافيلي، لمن لا يعرف أو نسي، كان الرجل الذي خلف فكرة أنه يجب عمل كل شيء كفيل بان يحقق منفعة للحكم وللدولة، حتى عندما يكون هذا الشيء يتعارض والمبادئ، القيم الاخلاقية، وكل شيء. ‘المكيافيلية’ معناها، في عصرنا أيضا، تقديس كل الوسائل من أجل الغاية، الانانية، التهكم. ‘هل من الافضل ان يحبوك أو يخافوك؟’ سأل مكيافيلي. ‘الجواب هو كلاهما مرغوبان، ولكن اذا كان ينبغي التخلي عن واحد منهما، فأكثر أمنا ان يخافوك’. مئات الملايين اليوم، من الصين حتى السودان يكافحون في سبيل لقمة العيش وقطرة الماء. الناس يموتون كالذباب (في نهاية هذا الاسبوع فقط، مئات اللاجئين غرقوا أمام جزيرة لمبزودا)، والعالم لا يكترث ويواصل الى الامام. لا تزعجوه في أن يعيش حياته الطيبة أو يكافح في سبيل حياته القاسية. لا ريب، تحطم تماما وربما اختفى، احساس التكافل الذي شعرت به ذات مرة اجزاء واسعة من بلدان المعمورة. ‘التحالف’ سيبقى على ما يبدو كلمة ميتة في القاموس الدولي. يخيل أنه يكاد لا يكون هناك أي احتمال اليوم ان تنضم دول عديدة تحت علم واحد كي تقف أمام عدو مشترك، مثلما حصل، مثلا، في الحرب العالمية الثانية. اليوم كل واحد وواحدة لنفسه. وعليه، يمكن لرئيس الوزراء الاسرائيلي، اي رئيس وزراء، ان يقف في الامم المتحدة ويصرخ بمرارة ويحذر من النووي الايراني، الذي يمكنه أن يمس بشدة بدولة هي ‘دولة قنبلة واحدة’ وهو يتحدث الى الحائط. الكل في نهاية الخطاب يركض نحو الكافتيريا لاختيار القهوة والساندويش المحببين له. في نفس الوقت يغرق في الموت مئات اللاجئين. الالاف يجدون موتهم في حروب زائدة؟ مئات الالاف يعيشون خطر الموت؟ ‘اوي’، يتنهدون في العالم، ‘كم هم مساكين’. في تلك اللحظة بالذات انتهت اوراق المحارم لرؤساء الدول، ولم يعد بوسعهم ان يمسحوا دموعهم. ‘ يديعوت 6/10/2013