‘يوفال إدلر مخرج موهوب، إن ‘بيت لحم’ هو فيلمه الأول الذي حصد جوائز جائزة النُقاد في البندقية، والجائزة الاولى في حيفا، وشتى جوائز أوفير. وحظي باطراء في صحيفة ‘نيويورك تايمز’. وقد أنتج إدلر مع شريكه في الكتابة علي واكد، فيلم حركة مصنوعا بصورة جيدة. وأنتج ايضا فيلم دعاية اسرائيليا (آخر). ويجدر قبل لحظة من ذوبان الجميع به أن ننتبه الى رسائله الظاهرة والخفية في الأساس، لا الى الاخراج والتمثيل الممتازين فقط. ففي الفيلم حرص مدهش على التفاصيل، بيد أننا لا نرى الغابة لكثرة التفاصيل، والغابة هي مرة اخرى الغابة المسمومة أو هي البحر المسحور: فالاسرائيليون هم الأخيار والعرب هم الأشرار. إن ‘بيت لحم’، مثل أفلام كثيرة اخرى تتناول الصراع، يخطئ خطيئة طمس الحقائق والاخفاء: فالسياق يغيب كأنه غير موجود. صحيح أنه يدعي أنه يرسم واقعا مركبا بؤس المتعاون مع السلطات الاسرائيلية وانسانية العميل لكنه يرسم صورة بلا سياق لا توجد حقيقة من غيره. ‘تعال نصنع فيلما لا يتناول الصراع السياسي’، قال إدلر لواكد، كما تحدث في مقابلة صحافية مع ميكي دغان في ملحق صحيفة ‘هآرتس’ (17/9). لكن تهرب إدلر من صنع ‘فيلم سياسي’ تضليل وإيهام. فهذا في حقيقة الأمر قول سياسي لا مثيل له. إن إدلر لم يصنع فيلم مافيا صقليا، بل فيلم انتفاضة له سياق سياسي يخفيه متعمدا. والطمس عليه هو مقولة الفيلم القوى والأكثر إغضابا. ماذا يوجد في ‘بيت لحم’؟ يوجد محاربو انتفاضة يحركهم الطمع وهم عنيفون باحثون عن القوة ومتصارعون بينهم؛ ويوجد ناشطو السلطة الفلسطينية وهم هزيلون وكاذبون وفاسدون؛ وأموال منح من اوروبا تذهب الى الارهاب، وكيف لا؟ ولا توجد كلمة واحدة تُبين لماذا يقاتلون ولماذا يُقتلون. فلا احتلال ولا قمع بل توجد مافيا فقط تتحدث بالعربية في هذه المرة. ويقف ازاءها ‘الشاباك’ الحسن النية والوجه، مع عميل رحيم حنون له امرأة وسكرتيرة داعمتان (وهذا غير موجود للفلسطينيين بالطبع)، يهتم بما أوتي من قوة بالمتعاون معه المستخذي، ويكذب لأجله وينقذ حياته الى أن يثور عليه ذاك ليقتله باطلاق النار وبتهشيم جمجمته، ويا له من مُنكر للجميل وسافل. إن الاسرائيليين سيحبون هذا وقد أصبحوا يحبونه. فجميع الصور التي يتربون عليها موجودة في هذا الفيلم الابيض الاسود مع خمسين لونا رماديا ربما للمتعاون فقط. إن تملص إدلر صارخ، فالاسرائيلي الذي يصنع فيلم حركة عن الانتفاضة من دون أن يلتزم بموقف، جبان. إنه يعلم أن هذا الموضوع سيجذب مشاهدين في المهرجانات خارج البلاد، ولا يريد في نفس الوقت أن يُغضب المشاهدين في اسرائيل. لا يمكن صُنع فيلم عن الانتفاضة واخفاء ما دفع إليها. وقد صنع إدلر فيلما ممتازا كخليط سباغتي أضاع الحقيقة التاريخية، كما هي حال الخليط. يمكن بالطبع الاستمتاع بالخليط لكن لم يعد من الممكن في القرن الواحد والعشرين قبول صورة الهنود الحمر الأشرار والبيض الأخيار، بجدية. وهذه هي حال ‘بيت لحم’ ايضا: الطيب والشرير والقبيح، رجل ‘الشاباك’ والارهابي والمتعاون مع السلطة الاسرائيلية، من غير كلينت إيستوود، لكن مع تحريض خفي هو اسوأ من التحريض الظاهر. التقيت في بيت لحم المدينة في ذروة الانتفاضة غير قليل من المسلحين والمطلوبين. ربما كان عدد منهم يلائم على نحو ما التصور المقولب الذي يعرضه الفيلم، لكن كان يوجد كثيرون آخرون ايضا ضحوا بحياتهم لأجل النضال عن الحرية والعدل. ولا ذِكر لهؤلاء في فيلم ‘بيت لحم’. والتقيت ايضا رجال ‘شاباك’ وسمعت في الأساس بأفعالهم، ومن المؤكد أنهم لم يبدوا ولم يُسمعوا مثل رازي في الفيلم. أين الشر والتعذيب والابتزاز والأكاذيب؟ يشكر إدلر في نهاية الفيلم عددا من عملاء ‘الشاباك’ و’الشاباك’ هو الذي يجب أن يشكره على فيلم تحسين صورته المجاني هذا. اختار إدلر أن يرسم صورة ذات بُعد واحد ستطيب للاسرائيليين فقط مرة اخرى وتقول مرحى يا لمبلغ عدلكم ويا لكونكم ضحايا عبث؛ ويا لكون الوضع بلا حل إذهبوا لتشاهدوا ‘بيت لحم’ وافهموا لماذا.