هذا المقال يبحثُ خصائص الموروث الحضاري العربي في الحكم كاول من عنى في البشرية بارساء الانظمة الدستورية لتقييد سلطة الحاكم، ومن رحمه وُلدت اولُ الثورات لتحقيق اماني شعوبه في الحرية والانعتاق من الاحتلال، وان انظمة الرجعية العربية هي الشذوذ المُشوه لحضارتنا العربية والاسلامية ففي عراق الرافدين اعتمدت انظمة حُكم العصر البابلي ابداعا انسانيا رائعا، حيثُ السلالة الحاكمة لم تمارس الاستبداد وجور الرعية، ولم يعط الملوك البابليين لانفسهم الالقاب الفخمة ولم يتطلبوا الطاعة العمياء حد التأليه، بل تركز دورهم على توزيع العمل الاداري على الموظفين وادارة الدولة، اعتمادا على اول التشريعات الانسانية التي عكست تطور فكر انسان بلادالرافدين لضمان حريته في ظل حُكم فريد لعلي اصطلح عليه، بما يُدعى اليوم، بالملكية الدستورية المُقيدة في ظل حاكمه المُبدع حمورابي، الذي شاع لقبهُ في مملكته بـ’الوالد الراعي’ دليلا على رُقي الحقبة الحضارية، رغم قدمها، بتشريع اول نظرية حكمٍ انسانية متطورة في 1792-1750 ومن المشرق العربي ايضا تعلمت البشرية صناعة الثورة. فمنذ حكم الفراعنة في مصر والاشوريون في العراق، وحتى ظهور الاسلام شهد الشرق اندلاع ثورات عديدة ضد المستعمرين وحكومات الاستبداد، ولعل اقدم الثورات القومية في المشرق العربي هي ثورة الاسرة الفرعونية السابع عشرة، بقيادة الفراعنة الثلاثة، ضد حكم الهكسوس الذي دام 100 عام ومن ثم طردهم من مصر. واما اول حقبة استعمارية غربية طالت الامة العربية فهي الاستعمارين الروماني والبيزنطي بين عام 64 ق.م انتهت بظهور النور الاسلامي637 ق.م. وتجلياته الروحية والمبدأية في صقل العقل العربي وقيادته نحو المجد ثانية. انذاك بدأت الامة تعيش ميلاد عصر جديد خطت فيه بثبات وبصيرة في نموها الفكري والاجتماعي، وظهرت طبقة فكرية غذت ولادة الفلسفة والعلوم وانحسرت قوى الجاهلية وافلست قوى الاقطاع والجور الاجتماعي والتخلف الذاتي المتمثلة بقيادات قريش الظلامية واستسلمت طوعا وكُرها لنظام الحُكم الجديد، ومنها ما بقي يضمر العداء لنبي الامة والنخبة الصحابية الثورية، التي قوضت النظام الجاهلي اقتصاديا وسياسيا. ورغم الكم المعرفي الهائل الذي اعتمد على التشريع لارساء قواعد المجتمع الاسلامي ثقافيا وروحيا وتربيته باحكام القرآن الكريم وارشادات نبي الامة مُحمد صلى الله عليه وسلم، كان طبيعيا جدا ان تتكتل القوى المهزومة في لوبي ضاغط مُناوئ ومُجابه لقادة الدين الثوري الجديد، مع التستر بالزي الاسلامي واقامة طقوس الدين والاستفادة من قانون التأهيل والتساوي مع بقية المسلمين، حين الاجهار بالشهادتين كورقة قانونية ذات صلاحية نافذة تؤهل اعداء الامس للنفوذ الى اعلى مراتب الدولة الاسلامية ومن دونما تجريح بماضيهم او تمحيصٍ لايمانهم او تخوين. وقد تربى جيل الاسلام الاول على مبادئ جمهورية’في الاساس تحض’على ممارسة العدالة الاجتماعية مُزدرية طُغيان النظام الملكي، كما ورد في آياتٍ صريحة، ونتيجة لذلك تبلورت معالم الصراع السلطوي. وقد نشأ منذ فجر الاسلام معسكر اليسار الديني الجمهوري النزعة مُتمثلا بنخبة ثورية تعنى بالمساواة في المجتمع ونشر مبادئ الرحمة والعدالة الانسانية، مقابل معسكر رجعي عنى بالحرب المُضادة، وما ان سقطت بيده السلطة، حتى راح يستلهم النصوص بشكلٍ ميت لا حياة فيه للفكر ومعالم الحضارة، معتمدا الكذب وقسوة البداوة والبطش في تطويع الامة، حتى نجم في الامة قرعُ طُغاةٍ’عُتاةٍ’لا يمتون بأية صلة لجوهر الاسلام الحنيف، امثال الحجاج ممن اغرقوا الامة في سيلٍ من الدماء،’يشمئز منه الضمير الانساني مهما كان دينه او مذهبهُ، ناهيك عن الاسلام’الواعد بتشريع الرحمة الانسانية واعتماد الفكر والايمان اساسا في حكم الرعية ‘ان اكرمكم عند الله اتقاكم’. ولعل هذا السرد التاريخي يُفسر تمركز الحكومات المستبدة اللادستورية في العالم العربي وفي هذا القرن الواحد والعشرين، متسلطةً على شعوبها ثم انتهاك الحُرمات باستباحة الدم العربي كما هو الحال في شن الحروب على العراق وسورية. وبكُل وقاحةٍ تطرح الرجعية العربية نفسها اليوم قائدةً للثورات العربية سعيا لتهديم كل حضارةٍ عريقة ولتمزيق الجيوش العربية المقاومة للاحتلال تمهيدا لعودة الاستعمار الاوروبي المتمثل بالقوتين الاستعماريتين المُنحسرتين: بريطانيا وفرنسا تحت المظلة الامريكية. وبدلا من استعمال المليارات من خزائن الامة لاسترجاع فلسطين السليبة وصون مُقدساتنا المُدنسة منذ ستين عاما، ها هي الرجعية العربية تستعمل همجيتها وظلاميتها لغرز انيابها في الجسد العربي مانحةً المغتصبين بُلدانا عربية جديدة للقضم والسحق والتدمير. اذن كانت نداءات الجبهة الشعبية الفلسطينية لمحاربة الرجعية العربية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في غاية الصواب، عند رسم سياسة تحرير فلسطين. وكان شعار المناضل العربي جورج حبش: ان طريق تحرير فلسطين عبر عمان (الاردن) والرياض (السعودية)، يمثلُ’عبقريةً خالدة في الوعي الثوري العربي. لقد اغفلت الجماهير والقيادات ذلك الطرح ولم تتميزهُ بجلاء كطرحٍ’عقائدي مُؤسس. حقيقة ان’النضال العربي لن ينجح مادامت اوتاد الرجعية العربية قائمة لتسند الاحتلال الاسرائيلي ما ان يترنح بنيانه، كون تحرير فلسطين يهدد كياناتها، كما يُهدد اسرائيل، اذ ان وجودهما في قلب الامة يخلقُ وسطا طبيعيا للتعايُش مع كُل ما هو ضد طموحات الامة في نيل السيادة والتقدم. هذه الامة في صراعٍ مرير منذ الاحتلال الاوربي الصليبي (1099- 1258) وهي مازالت في حربٍ مع قوى الاستعمار التي استعر اوارها’من سايكس- بيكو حتى القرن الحالي. واليوم، ذات الانظمة الرجعية التي منحها المستعمر الوصاية في حكم الامة تُلبي بدورها طموحات المستعمر في حربٍ’بالنيابة، بحشد’اكلي لحوم البشر لاستنزاف الامة وتدمير بلاد الشام تمهيدا لسلبها كما سُلبت فلسطين وامعانا بتثبيت اسرائيل وتحصينها. وعلى عكس سلوكية هذه الانظمة المتسترة باسلام مُشوه، فالاسلام الحق اكسب مُعتنقيه’قوة الوقوف بوجه الحاكم الظالم الجائر والحد من’سلطة الحكم باعطاء الجمهور حق المشورة والاعتراض والحكم، وفق معايير فقهية عادلة. كما حرم على المُسلم دم المُسلم، ومنحهُ ضرورة رفض العيش تحت الاحتلال والاستعمار، خصوصا عدم شرعية حاكمية غير المسلم على المُسلم في بلاده. انهُ لمن المُشين جدا ما وصل اليه حال الامة من اذلالٍ وعبودية، فما يحدث من مجازر وحشية في سورية واخرها مجزرة خان العسل، التي راح ضحيتها المئات هو وصمة عارٍ للديمقراطيات الغربية في ادارة صراعاتها مع العالمين الاسلامي والعربي. فالدم العربي المراق جاء بطلب اوروبي – امريكي.. وتدفُق السلاح الغربي لمقاتلة سورية العربية وتحريمه على قتال اسرائيل لستين عاما هو وصمة عار. وما كان احوج من الاردن لبطاريات باتريوت وسلاح امريكا لحمايته من قاصفات اسرائيل وقنابلها للستين عاما الماضية، لكن السلاح الامريكي لا يُسمح بتوجيهه الا نحو صدر العربي. والحقيقة، من السياق التاريخي، وفي كل العالم ما من ثورة سواء الثورة الفرنسية او البلشفية او الامريكية قامت الا ضد الملكيات الشمولية او القوى الاجنبية المستعمرة. والشعوب العربية مدعوة لحشد طاقاتها والاشتباك من عدة جبهات فهي في اخطر مراحل’تاريخها ومايحدث من عدوان على سورية يستهدف كامل وجودها. فالحرب على سورية سيتم نقلها لتدمير لبنان والعراق ثم مصر. *كاتب عراقي مقيم في امريكا