«الخلخلة» و«الفكفكة» بين زيغمونت باومان وجاك دريدا

حجم الخط
0

استلهم المفكر زيغمونت باومان كثيرا من أدبيات التفكيك النقدية واستوعب مفاهيم دريدا الفلسفية وطروحاته ما بعد الحداثية التي كان قد صدم الفكر الغربي بها قبل أن يصدم الفكر العالمي، بسبب ما تحمله أفكاره من أبعاد تثويرية تنسف أساسات الوعي وثوابته المركزية لا سيما تلك التي تتعلق بالكتابة والمرأة واللغة والتاريخ والعقل.
وهو ما انبهر به زيغمونت باومان فقولبه في صيغ جديدة اتخذت من التفكيك حاضنا ثقافيا مرتكنة إلى فلسفة دريدا ما بعد الحداثية.
وإذا كان التفكيك في أصله اللغوي ينطلق من كونه فعلا عمليا صناعيا تحويليا يقوم به فاعل هو صانع يحوّل بيديه الشيء المصنوع إلى هيأة ما بعد تفكيكية جديدة؛ فإن باومان استعاض عن التفكيك بمعناه الصناعي بعنصر من عناصر الطبيعة الأربعة مما كان الفلاسفة القدماء قد انشغلوا بها وحاولوا أن يكشفوا ماهية الأبنية والصيغ والمضامين والموجودات من خلال إعادتها إلى تلك العناصر وهي الهواء والتراب والماء والنار التي سموها بالاقانيم وكل اقنوم مسؤول عن جانب من جوانب الحياة التي تجعلها نابضة وحية واختار باومان الماء لسيولته ولان فيه تتجسد فاعلية الحياة ومن ثم مادية العالم المعاصر، وهذه المادية التي يراها باومان غير جدلية هي في الأساس مادية طبيعية.

تجاوز الدلالة الصناعية

وبهذا التوجه الفلسفي لما هو طبيعي يكون باومان قد تجاوز الدلالة الصناعية للتفكيك بدلالة طبيعية تبنى عليها مدلولات الموجودات وتكوناتها وكأن ليس للصنيع البشري فيها أي دور بل البشر منساقون في خضمها بلا حول وبلا قوة، وتاريخهم تاريخ طبيعي ينتقل بشكل مادي من حالة الصلابة الحياتية التي لها شكل الثبات والتحجر والتي تمثلها مرحلة ما قبل الحداثة إلى ميوعة مخلخلة تمثلها مرحلة الحداثة في أشكال مراوغة وغير مستقرة والتي لن تفضي إلا إلى الهوائية /الغازية اللانهائية بهلامية لا شكل لها ولا عنوان، وهو ما ستمثله مرحلة ما بعد الحداثة.
وهذا التشكل وشبه التشكل واللاتشكل هو ما جعل توجه باومان ومقصديته المخلخلة والاهتزازية تبدو جديدة لا صلة لها بالتفكيك بينما يكمن التفكيك أصلا في هذا الاستبعاد للفاعلية الصناعية المفككة، والاستعاضة عنها بالفاعلية الطبيعية المخلخلة التي هي حتمية وليست احتمالية.
ولا ننسى أن الأساس الذي ينطلق منه التصوران الماديان الطبيعي والصناعي للفكفكة والخلخلة واحد وهو البنية وما يلحق بها من التكرار والاختلاف والمغايرة والإرجاء أو الإحالة التي بمجموعها تستهدف نقض كل ما هو ناضج وثابت ومستقر في منظور الفلسفة العقلية الميتافيزيقية التي يستمد النقد التقليدي أو النقد الأرسطي منها أولوياته ومنطلقاته..
وبناء على هذا النقض لا تعود للعالم ثوابت يعترف بها ولا استقرار يمكن الوثوق به حيث العقلية لا تتخندق في سجون ومحابس ولا المنطقية تستكين في مَضافات.
ولقد ألهمت هذه الفلسفة الناقضة للعقل والداحضة للمركز كثيرا من النقاد والمفكرين بطروحات تصب في باب التفكيك من ذلك طروحات بول دي مان عن العمى والبصيرة وجوليا كرستيفيا حول الامتصاص والتحويل وكرستوفر نوريس عن الهشاشة والاختزال فضلا عن تقاربها مع التثوير الذي تنطوي عليه طروحات ميشيل فوكو ومنها عد الإنسان آلة فـ» الكائن الحي في نظرية الإنسان الآلة ليس أكثر من آلة متفاوتة التعقيد والآلة هنا ليست مجرد رمز أو هي النموذج الذي يكون الجسد الإنساني أشبه ما يكون به بل هي ما يجب أن يطابقه الكائن الحي مطابقة كلية حتى نتمكن من إخضاعه وحسبان حركته كميا» من كتاب المعرفة والسلطة، ولئن استقى دريدا فكرته للمركز والهامش من الفكفكة فإن باومان استبدلها بالخلخلة للجمود والصلابة باتجاه السيلان والإذابة وما يستتبع ذلك من مفارقات منهجية.
وليست الخطورة فيما يحاول باومان في سلسلة كتبه حول السيولة أن يجعل مادية العالم متقولبة في إطار فيزياوي سائل إلا في ما تخفيه تلك الرؤية من استشرافات ذات أدلة ناجزة ومعيشة وما تحتمله من نبوءات تتموضع في إطار لا يخلو من الرهبة والخطورة كونها تصب في باب الإنذار والتنبيه على سلبية القادم وتشاؤميته.
والسؤال هنا ما مرجعيات الرؤية السائلة عند باومان ؟ هل استوحى فيها منهجا ما ؟ ولماذا لم يفصح عن منطلقاته الفلسفية ؟ أن من يقف عند أدبيات التفكيك سيتلقى إشارات مهمة كان دريدا قد أكد فيها فيزياوية المادة وبأدلة قوية تنفي بنيوية التموضع وتدحض شكلية التجانس العقلي.
ودريدا هو الذي قال باللاستقرار والتواتر والتنافر والبلبلة والحركة المنفتحة بالمحو والخط، وقد وصف مشروعه بأنه فكر إحالي لا يريد أن يغلق حركته بأي حد أو شبكة من العلاقات أو سلسلة تكرر كل واحدة من حلقاتها الحلقات الأخرى وتدخلها في سلاسل أخرى تخترق الجسم الميتافيزيائي كله وتعمل على تفكيكه من طرف إلى آخر، وأن التفكيك هو الذي يقدم كلمات مفيدة تتمتع في ذاتها بثنائية فعالة غير قابلة للتذويب كلمات كالأثر الذي يشير إلى المحو والإشارة في الوقت نفسه.
ودريدا أيضا هو الذي نبه إلى أن مؤلفاته توصف بأنها أعمال خطيرة إذ قال في حوار ترجمه كاظم جهاد ونشره في مجلة الكرمل الفلسطينية: «أشعر أن بعض الناس لا بد أن يشعروا بالخطر لا من أعمالي وحدها بل من كل هذه الأشياء واعتقد أن هذا يعود إلى أن هذه الأشياء الجديدة تظهر للعيان حقائق أو افتراضات كانت خفية واعتمدت عليها المؤسسات والقوى وعندما تحلل الافتراضات التي قامت عليها هذه القوى الأكاديمية وهي قوى ثقافية وسياسية أيضا فإنها تشعر بالخطر والتهديد».
ونضيف إلى ما تقدم تصريحا آخر أدلى به دريدا وهو يستشرف فحوى التفكيك قائلا: «إن المسألة مسألة انتقالات موضعية ينتقل السؤال فيها من طبقة معرفية إلى أخرى ومن معلم إلى معلم حتى يتصدع الكل وهذه العملية هي ما دعوته بالتفكيك». إن هذه التفكيكية الدريدية بدت حاضرة بقوة في أغلب طروحات باومان السائلة حول الحداثة والحب والخوف والموت وقد جعل هذه الذهنيات مشكوكا فيها مهرئا ثوابتها التي يتعاطاها النظر العقلي المتوازن والمنطقي والميتافيزيقي، موافقا أيضا الرؤى التي تقول بنهاية الأنوار وتلاشي الاعتقاد في التقدم العلمي والتقني.

الانطلاق من البنية

ومبادرة باومان السائلة تنطلق من البنية وهذا بالضبط ما تحوم حوله إجرائية التفكيك الدريدية مستهدفة المادة مشككة في صلابتها ومفككة كيانها ومعيدة إنتاجها بشكل جديد وبلا نهائية.
وبهذا الحيز المادي اللاثبوتي قبض باومان على الزمن وحجّم فاعليته وجعل الأمر يناط بالمكان ليكون ذلك هو الإطار الذي تتقولب فيه نظريته في السيولة لكنها نظرية تنماز بتابعيتها لفلسفة التفكيك ليس بالمعنى السلبي للتبعية بمعنى الخضوع القسري واللحاق الدوغماتي الذي يقتل المتبوع ويخنقه وإنما بمعناه التطويري التراكمي الذي يضيف فعلا إنتاجيا يجعل للمضاف هيأة قائمة بذاتها لا سابق لها.
وهكذا أضافت السيولة لفاعلية التفكيك أبعادا منحته حياة أكثر وتجددا يولد في ذهن المبتكر تخصيبا ويهيئ له ممكنات الابتكار وأدواته، وهذا بحد ذاته قولبة لثوابت التطوير التي تفترض أن السابق يضيف إلى اللاحق لكن مع استلهام السيولة ستتم فكفكة ذلك الثابت وستغدو الإضافة متمحورة في إطار جديد يحتم أن اللاحق هو الذي يضيف للسابق.
وهذا ما لا يتأتى إلا لمن هضم المرجعيات وعرف كيف يستعيد تمثيلها جذريا ليكون الناتج مولدا لا هجانة فيه ولا نسالة تجعله مستتبعا لمن ولده، بل مخصبا بأولياته التي استنجزها هو بذاته.
وهذا في المجال الفلسفي لا يتاح إلا للمفكرين الذين لا يتوانون من الاعتياش على مرجعيات بعينها وفي الوقت نفسه لا يكلون من استنفار إمكاناتهم بشكل غير معتاد وباستنزاف طاقات لا طبيعية كي يجعلوا لما يطرحونه هالة خاصة وميزة بينة لا تلتبس بمرجع سبقها ولا تشابه رؤية معينة تجايلها، وهو ما استطاعه زيغمونت باومان الذي حفر بنهم في فلسفة التفكيك مستعملا معاول ابتدعها بنفسه ثم هضم موجوداتها بوعي مرن وحصيف طامحا إلى إنتاج جديد ليس فيه جينات دريدية ولا بصمات تفكيكية ومع ذلك غدا هذا الإنتاج مدللا دلالة قاطعة على هول فكر التفكيك وفاعليته اللامحدودة في القلب والتنوير والتثوير والإنتاج.

قدرة بلا حدود

وهذه الطاقة التي يشع بها التفكيك بلا نضوب هي قدرة لا تعرف حدودا جغرافية أو مواضعات تاريخية كونها عابرة لكل ما هو ثقافي وهنا نتساءل: هل سيكون بمقدور نقدنا العربي أن يبتدع بمعاوله النقدية الخاصة والمميزة رؤى تطويرية لا تفكك ولا تخلخل لكنها في الآن نفسه تنطلق من التفكيك ؟ والى أي درجة سيكون نقدنا متمكنا من طرح تلك الرؤى على طاولة النظر مخضعا إياها لمباضع الجدال ومشارطه ؟
ولقد تساءلت الناقدة يمنى العيد في كتابها (فن الرواية العربية بين خصوصية الحكاية وتميز الخطاب)» كيف يمكننا أن نستفيد فعليا من التفكيكية أن نرمي بأنفسنا خلف معنى هامشيتنا.. بكلام آخر كيف يمكننا أن نستعين بالتفكيكية.. من معنى آخر لها هو معنى الهامش المركز لا المركز.. الهامش»
وليس خافيا أن في التساؤل تكمن نصف الإجابة كما يقال.. فقد يفضي التساؤل إلى تطلع موجب يتم بموجبه تبني مشروع فكري معين يدفع بالقضايا الفلسفية الشائكة إلى منطقة الحل وفك الاشتباك وقد يفضي التساؤل إلى تطلع مؤسلب يتم عبره فكفكة المبني وخلخلة المنسوج عقليا أو منطقيا على نية القلب بإنتاجية وليس النسف باستهلاكية..
وفي الحالتين الموجبة والسالبة ستتحقق فاعلية التجديد عبر إعادة صب المخلخل في قالب جديد يسمح بطرح رؤية فكرية غير تقليدية تثور المعتاد وتبصر بسلبيات قد لا ترى في ظل الايجابيات.
وكان باومان قد توصل من فلسفته في السيولة إلى اللايقين الذي تفرضه الحياة الراهنة بتسارعها ولا ثبوتيتها فمتى ستقلب قناعته اللايقينية وكيف ؟!
لعل الجواب يكمن في التفكيك نفسه بوصفه الأرضية المرجعية أولا وفي السيولة بوصفها البناء الذي يخلخل تلك الأرضية ويذبها ثانيا ومن ثم لا يغدو هناك احتمال ناجز بعينه ما دام المبدأ الفيزيائي يقول إن المادة لا تفنى لكنها تستحدث، ومن ثم لا نهائية في أي شكل من الأشكال ولا مفروغية من أي طرح من الطروحات مهما كانت منطقية ذلك الطرح وعقلانيته.
ولقد تنبه باومان نفسه إلى أن في لا يقينه فجوات مبهمة ودهاليز معتمة ومنها النفق الذي رأى فيه طريقة التفكير التي تعارض بين الحياة والموت ليست بالطريقة العادلة متطلعا إلى الانجلاء الذي عساه يكشف طغيان الإنسان حين يتمركز حول ذاته بمعايير ترسم له علاقته بجنسه وبغـــير جنسه، وهذا الانجلاء يبقى في نظر باومان مائيا زئبقيا مائعا غير مقبوض على شكل منه وغير مضفور برؤيا للعالم تحدد مساره.

٭ ناقدة وأكاديمية من العراق

«الخلخلة» و«الفكفكة» بين زيغمونت باومان وجاك دريدا

نادية هناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية