ستُعاقَب إن أحببتَ بلدا أكثر من بلدِك

حجم الخط
0

يفتتح ألبرتو مانغويل روايته* بجملة من كتاب غوته «الأنساب المختارة» هي التالية:
«ما من أحد يهيمُ تحت أشجار النخيل ويفلت من العقاب.»
وقد عقّب الشاعر جولان حاجي، ناقل الرواية إلى العربية، على تلك الجملة قائلا إن كثيرين، من نيتشه إلى صموئيل بيكيت، اقتبسوا هذا السطر مضيفا سطرا آخر من كتاب غوته: «لأن المحتم هو أن تتغيّر آراؤه في بلاد هي الموطن الأصلي للفيلة والنمور».
أنا أيضا أحببت أن أضيف إلى نيتشة وصموئيل بيكيت والآخرين مقطعا من قصيدة «غريب على الخليج» لبدر شاكر السياب، خطر لي من فور ما قرأت ذلك السطر. كَتَب السياب، هو أيضا، عما تحمله الذاكرة من العراق: «وهي النخيلُ أخاف منه إذا ادلهمّ مع الغروب/ فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب/ من الدروب..».
إنه النخيل، وهو مع السياب ليس الأرض الغريبة، بل الأرض التي يفتقدها ويحنّ إليها، أو يحنّ إلى خوفه صغيرا منها. إنه النخيل إذن. وإذ عوقب روبرت لويس ستيفنسن بالموت لعشقه الأرض الغريبة، ها هو السياب، من منفاه، يتذكر عقاب النخيل اللاحق في من يغادره هذه المرة.
لنعد إلى رواية ألبرتو مانغويل عن روبرت لويس ستيفنسن، الرواية الصغيرة التي عمدت دار النشر إلى تضخيم حرف الطباعة والمباعدة بين السطور ليمكن لنصّها أن يطبع في كتاب. لكن، فيما يخصّ القارىء، تحتاج هذه القراءة إلى وقت لا يقلّ عما يلزم لكتاب في ضعف حجمه، على الأقل. فهو يُقرأ جملة جملة، أي أن علينا أن ننتهي من تمثّل الكلمات التي قرأناها لنستعد لقراءة الكلمات التي ستتلوها. هي لحظات فاصلة بين السطرين، أو بين الجملتين، نحتاجها للتأمّل، أو للاستمتاع، على غرار ما قال رولان بارت مرّة واصفا كيف يدفعه الافتتان بجملة قرأها إلى رفع عينيه عن صفحات الكتاب، بل وإلى إغلاق الكتاب أحيانا.
مع مانغويل هناك أيضا الافتتان الذي ينبغي أن يتحقّق مع كلّ جملة، وهذا أيضا ما يضيف إلى الرواية ما تختص به عادة فنون كتابية أخرى، من نقد وتاريخ وفلسفة، وعودة إلى الكثير الكثير الذي تحفظه ذاكرة مؤلفها من قراءاته الشاسعة. كما أن الرواية عن حياة ستيفنسن، القليلة الصفحات، احتوت إحالات ترميزية إلى كل أعماله، من «دكتور جيكل ومستر هايد» و«جزيرة الكنز» و«عفريت الزجاجة»…إلخ.
وفي روايته هذه ليس ستيفنسن الكاتب الوحيد المُتَابَعة سيرته، إذ هناك كتاب آخرون جرى استحضار نتف من حيواتهم انطلاقا مما حملته نصوصهم. أما ستيفنسن، في الرواية، فسيعاقب، ليس بسبب هيامه ببلد آخر، هو ساموا، وتفضيله على موطنه الأصلي ومسقط رأسه، بل لأنه يجد كل شيء جميلا هنا في ساموا، حيث يقيم، ولا يطيق ما كان هناك في بلده. فهو يحب الإقامة في البلاد الحارّة، حيث «التنعم بتجلّي العافية في جسد الإنسان، مسربَلا بالشمس لا بالريح والمطر». وكذلك ما تجود به الطبيعة هنا، من ثمارها، التي هي هنا على مثال الشهوانية الضاجّة للأجساد. «كانت قشرتها الصفراء اللامعة تسوَدّ فتتفتّق الثمرة (البابايا) عن طياتها العديدة، وينفضح داخلها المكتنز الشهواني العابق بفوح اللعاب». حتى العري مختلف هنا عما كان هناك، في البلد الأوروبي، حيث صادف امرأة جالسة «وفخذاها متباعدان على نحو يستحيل تصديقه». بدا ذلك أفحش من أي عري سبق له أن عرفه. أما في ساموا «فعري النساء، الذي أربك المبشرين أيما إرباك، لم يكن قبيحا أبدا».
في البداية، حين وصل ستيفنسن إلى هذه الجزيرة الحارّة، فوجىء أن كل ما كان قد «تحفّظ عليه، ووشوشه وصانه بالكتمان (..) مكشوف على الملأ ـ متباهيا ومن دون تستّر-» لكن، بمرور السنين، فتَنتْه المجاهرة، وصار هو وزوجته «يستمتعان بعربدة الأصوات والألوان في الخارج، وبمرأى العالم الذي يبدو أنه يتفتّح من دون انقطاع مثل زهرة مُسكِرة».
لكنه، على رغم هذا الافتتنان وحسن استقباله من قِبل السكان المحلّيين، لن يفلت من عقاب الهيام ببلدان الآخرين، كما يلمح غوته في الاستشهاد الافتتاحي. كانوا قد آمنوا به في البداية، هو القاص الراوي، هم الذين يرون أن الأشياء لا تتسلسل وتصير حقيقية إنْ لم تتألف في قصّة. لكن الفتاة ذات الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة التي أذهله رقصها، كما جسمها، والتي بادلته النظرات المختلسة في ذلك الحفل شبه البدائي، عوقبت هي أيضا بأن قتلها المبشر الإيرلندي بيكر الذي يرى أن الخطيئة كامنة في جسدها نفسه، وليس فقط في ما قد يثيره من شهوات. ثم عاد هذا المبشر إلى معاقبة المسرفين في شرب الخمر في تلك المدينة الحارّة (مع أنه شارب للخمر هو نفسه) فأحرق المقهى الذي يعربدون فيه حسبه، منكرا عليهم ما يجيزه لمن هم من عرقه. في الرواية حوارات عديدة جرت بين ستيفنسن والمبشر الذاهب بعقيدته إلى أقصى التطرّف.
لكن سيد القبيلة أو زعيمها يصرّ على أن من ارتكب جريمة قتل ابنته وإحراق المقهى هو ستيفنسن، معتمدا لذلك على أكثر الأدلّة هشاشة. وفي الصفحات الأخيرة من الرواية تتفتّق من قلب الزعيم كراهية نحو الأبيض المختلف كما تتفتق قشرة الثمرة عن لبّها، فيندفع بالسكين نحو ستيفنسن بعد أن اعتقد أن رئيس القضاة، الأوروبي، لن يحكم بالعدل، «هو مثلك أبيض» يقول الزعيم قبل أن تهوي به خطواته المندفعة ويسقط غارزا نصل سكينه في قلبه هو وليس في قلب ستيفنسن.
بين الروايات التي صدرت لمانغويل ربما كانت هذه الأكثر إحكاما في بنائها كرواية والأكثر إمتاعا للقراءة، خصوصا وأنها ستقرأ بلغة جولان حاجي الدقيقة والمدهشة.
رواية ألبرتو مانغويل «ستيفنسن تحت أشجار النخيل» صدرت عن دار الساقي في 110 صفحات (بما في ذلك الهوامش)- الطبعة الأولى 2017.

٭ روائي لبناني

ستُعاقَب إن أحببتَ بلدا أكثر من بلدِك

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية