لم تثر أي قضية أخرى الجدل والانقسام في الرأي بين المفكرين ورجال الدين والسياسيين والنسويات المسلمات وحتى الأفراد العاديين مثل حرية حركة المرأة في الفضاء العام وأشكال تلك الحركة وحدودها. رغم أن التزام النساء المنازل أو عدم الاختلاط بين الذكور والإناث ظل النمط السائد في المجتمعات الإسلامية منذ القرون الأولى للإسلام، حتى وإن اختلفت درجة القيود من فترة إلى أخرى ومن فئة اجتماعية إلى أخرى. تلك القيود المفروضة على حركة النساء والفصل بين الجنسين قد بدأت في التراجع تدريجيا كنتيجة لكتابات وسجالات بين المفكرين المسلمين والمصلحين من رجال الدين، الذين درسوا في المدارس الأوروبية أثناء الاستعمار أو أتيحت لهم فرصة الانفتاح على الوضع المختلف للمرأة الأوروبية الحديثة أثناء تواجدهم في أوروبا للتعليم، وكذلك القوانين التي سمحت للنساء بحقوق مماثلة للرجال في العمل والدراسة. ولكن على الرغم من عدم وجود قوانين صريحة تقيد حركة النساء ومشاركتهن الفعالة في أنشطة الفضاء العام، فما زالت المرأة العربية تُشجع من قبل الرجل العربي/المسلم على البقاء في المنزل لأسباب متعددة، منها أن الدين الإسلامي لا يبيح الاختلاط مع الغرباء، أو أن خروج المرأة للمجال العام يعرضها للتحرش من قبل الغرباء سواء في الشارع أم في مكان العمل. وتشير تقارير الأمم المتحدة لعام 2013 إلى أن 99.3 في المائة من الإناث المصريات أبلغن عن تعرضهن للتحرش الجنسي في الشوارع، مما يعني أن التحرش الجنسي لا يدخر أي امرأة مصرية وجدت في الشارع، سواء كانت سافرة أم محجبة، مترفة أم فقيرة. وقد وُصفت القاهرة بأنها «الأكثر خطورة» بالنسبة للمرأة في عام 2017.
سلامتهن في قيدهن
يشير التقرير أيضا إلى فشل الدولة الحديثة في سن وتنفيذ القوانين التي توفر مجالا عاما آمنا لجميع النساء كما هو الحال بالنسبة للرجال. وهذا يعني أنه في المجتمع المصري، يُطلب من النساء الاختيار بين حقهن في حرية الحركة والمشاركة الفعالة في الفضاء العام وبين سلامتهن، وهو الخطاب الذي تسلم به فئة كبيرة من النسوة في مصر، فهن يضحين بحقهن كمواطنات في التواجد في المجال العام الحديث في مقابل سلامتها وأمنها. وعلى ضوء هذه المعضلة تأتي أهمية عمل الكاتبة نوال السعداوي، «مذكرات طفلة اسمها سعاد» الذي رغم أنه كُتب في أربعينيات القرن الماضي إلا أنه يعد بحثا لوضع لا زالت المرأة المصرية حتى اليوم تجادل فيه وهو «حركة النساء في الفضاء العام وما تعنيه «الحركة» بالنسبة لكل من الرجل والمرأة المسلمة.
مذكرات سعاد
«مذكرات طفلها» تتألف من 111صفحة، وتُروى تلك المذكرات على لسان الشخصية الخيالية «سعاد»، والتي تصور للقارئ القيود المفروضة علي حركة النساء وكذلك وضعهن مقارنة بوضع الرجال في الثقافة المصرية في عام 1944، أي بعد مرور عقدين من الزمان على الفعل الثوري لـ «هدى شعراوي». ففي محطة القاهرة للقطارات وبعد عودتها من المؤتمر العالمي للمرأة في روما عام 1923، انتزعت شعراوي عنها حجاب وجهها (وليس غطاء الرأس كما يعتقد الكثيرون) لتعلن بذلك نهاية عصر الحريم واحتجاب النساء في بيوتهن وكذلك بداية عصر يحق فيه للمرأة المصرية الخروج للمجال العام للعمل والدراسة مثل الرجال.
سر الحركة
تعد «الحركة» هي الهاجس الذي لا يفارق «سعاد» في مذكراتها منذ أول صفحة وحتى النهاية فقد ذكرت كلمة الحركة أكثر من أربع وعشرين مرة في ستين ورقة، إذ تبدأ سعاد بتصوير الحركة على أنها أساس «اللذة» قائلة: «اللذة، ذلك الإحساس الذي عرفته حين كانت تحرك قدميها الحافيتين فوق الأرض الدافئة المشبعة بالشمس، والهواء النقي المنعش يدخل صدرها، وحركة جسمها لا يعوقها شيء، وحركتها جزء من حركة الكون، كأنها تسبح أو تطير في ذلك الفضاء اللانهائي». تتناول السعداوي تصوير مسألة تشكيل وعي الأفراد في المجتمع ومنظورهم «للحركة» من خلال تتبع فضول الطفلة سعاد في بحثها عن سر «الحركة». ستبدأ الطفلة سعاد بالبحث عن سر «الحركة» في كل شيء من حولها، في عروسة أختها الصغيرة التي تنزع عنها ملابسها ثم تمزقها إلى أجزاء باحثة بداخلها عن مصدر تلك الحركة، أو في قطارها الذي تقوم بتفكيك كل مساميره علها تجد سر الحركة الغامض الذي يبعث فيها ذلك الشعور باللذة. ولكن سرعان ما تتحول اللذة التي تنبع من الحركة إلى خوف من أشخاص غرباء قد يخطفونها في الشارع، أو سيارات قد تدهسها إذا تحركت بمفردها، أو لسعات من المُدّرسة في الفصل إذا ضحكت دون سبب، أو عقاب من الله أذا حركت عقلها وسألت أسئلة تعارض ما أقره والدها على أنه أمر الله ولا يجوز السؤال عنه.
عوالم النساء الساكنة
تتجول بنا سعاد في عوالم النساء المختلفة في المجتمع المصري، فتنتقل بالقارئ بين حياة ريفية بسيطة حيث تقطن جدتها «آمنة» وعمتها خديجة في «كفر الباجور» إلى الحياة الحضرية حيث تسكن عائلة جدها «علي» في العباسية. ورغم الاختلاف الشاسع بين البيت الريفي البسيط والبيت الواسع المحاط بحديقة وسور عال في العباسية، إلا أن حياة النساء لا تختلف كثيرا كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ. ففي المذكرات تقسم السعداوي المجتمع المصري إلى عالمين مختلفين تماما من حيث امتلاك القوة حيث جميع النساء مقهورات راضخات للظلم الواقع عليهن من قبل الرجال الذين يملكون كل السلطة ويُعترف لهم بذلك من قبل النساء أنفسهن. فالنساء هنا يشاركن الرجال فكرهم الذي يحقر المرأة ويعتبرها دون الرجل منزلة وكأن الله اختار لهن هذا النصيب البائس الذي لابد من الرضوخ له فقط لأنه اختار لهن أن يخلقن إناثا. فتلك النسوة الريفيات واللاتي يسمح لهن بالخروج للعمل في المنزل والحقل لمساعدة أزواجهن أو إعالة أسرهن، لا تعني حركتهن أنهن متحررات من السلطة الذكورية عليهن أو أن لديهن شعورا بالمساواة مع الذكور، فها هي عمتها خديجة تقر بتفوق الذكور على الإناث، إذ تقول لسعاد: «الولد أحسن من عشر بنات، لبنت تجلب الهموم، لكن الولد يجلب السعد لأهله. تندهش سعاد وعمتها تذم البنات وتقول لها: ولكنك بنت يا عمتي، فهل تكرهين نفسك أيضا؟ وتضحك عمتها وتقول: يا حبيبتي، والنبي أنت عقلك نبيه يا سعاد، ربنا خلقني بنت، وأنا راضية بنصيبي، ماذا أفعل؟ إرادة ربنا، الله هو الذي يخلق البنت وهو الذي يخلق الولد. وأحست سعاد أن لله يحب أخاها أكثر منها؛ لأنه خلقه ولدا وليس بنتا». وهنا تحاول السعداوي التأكيد على كيفية إنتاج المعرفة وتأثير الخطاب السائد في مجتمع ما في إرساء قواعد تحدد مكانة الأفراد في المجتمع والذي يؤثر ليس فقط على ذوات منتجيها ولكن كذلك متلقيها. فهؤلاء المتلقين للخطاب الذي يقلل من شأن عرق معين أو جنس ليسوا مجرد مؤمنين به ولكنهم أيضا يعملون على تداوله بينهم في المجتمع مما يساعد على ترسيخه ليبدو وكأنه وضع طبيعي، وكل ما يخالف هذا الخطاب هو مخالف أيضا للطبيعة، فينتهون للتواطؤ مع الظلم الذي يلحق بهم أنفسهم، وخصوصا في مجتمعات يتم فيها إعاقة تعدد وتنوع مصادر المعرفة.
وهنا أيضا ما يؤكد على أن الحركة التي تعنيها السعداوي ليست فقط حركة الجسد ولكنها أيضا حركة الفكر وكذلك المشاعر، فهنا لا مجال لرفض أو مساءلة ما يقدم من خطاب في المجتمع سواء في الشارع أم حتى في المدرسة، حيث تُحفظ الكلمات وتكرر دون فهم، وحيث لابد من قمع المشاعر حتى «يتحجر القلب»، كما تصف سعاد كبتها لمشاعر الحزن لمفارقة أمها والذهاب للعيش في بيت جدها للدراسة، أو أباها الذي اغرورقت عيناه بالدموع عندما هم بتركها في بيت جدها ولكن لابد أن يخفي تلك العواطف والمشاعر تجاه ابنته وأمام نفسه وأمام الآخرين.
السكون ثم العدم
تأخذنا سعاد إلى المجتمع الحضري حيث تسكن جدتها وخالتها وأمها المتعلمات، ولكن هنا أيضا جميع النساء ساكنات في مكانهن أو صامتات، لا يتحدثن وإن تحدثن لا يجادلن. فلا حوار يدور هنا بين الأزواج والزوجات أو الأبناء والآباء. هنا الصوت الوحيد الآتي بالمعرفة والأوامر يكون من الرجال بينما تطيع النساء دون نقاش، وهو ما يتوافق تماما مع الصورة التي رسمها المستشرقون للنساء المسلمات منذ القرن السادس عشر الميلادي. وتنتهي المذكرات بأهم ثلاثة أحداث فيها وهي تزويج سعاد، وإنجابها طفلة أسمتها أيضا «سعاد» ووفاة «سعاد» الأم. تلك الأحداث التي روتها السعداوي ببراعة في نصف ورقة دون مقدمات أو تفاصيل للزواج أو الإنجاب أو الوفاة كأنها أرادت أن تقول للقارئ لقد قرأت كل التفاصيل والأسباب في 75 ورقة سابقة. نجحت السعداوي من خلال استخدامها للغة وأسئلة طفولية بسيطة أن تطرح الأسئلة التي يخشي الكبار توجيهها للمجتمع خوفا من العقاب والرفض في بيئة محافظة. كما أنها من خلال الحبكة التي نسجتها من تفاصيل العادية في الحياة اليومية للطفلة سعاد استطاعت أن ترسل للقارئ رسالتها العميقة وهي أن تقييد الحركة وتشجيع الصمت والسكون والطاعة العمياء من قبل كل النساء والرجال، لما اعتبروه معرفة مقدسة لا تُناقش، وتقاليد وجدنا عليها أباءنا ولا تسائل وأمثال شعبية تعمل عمل المقدس نتيجته حتما الموت وليس فقط «لسعاد» الأم، ولكن لجيل آخر قادم تجسد في قدوم أنثى تحمل اسم أمها لتجسد تكرار المعاناة نفسها في حال استمر السكون وقمعت الحركة.
٭ كاتبة مصرية
أماني الصيفي