منذ مطلع الثمانينيات في القرن الماضي نجحت الشاعرة عطاف جانم في فرض نفسها على المشهد الثقافي والشعري الأردني وتمكنّت من نقل القراء إلى جو نصها الشعري، حيث تمتلك ثقافة شِعرية تراثية ومعاصرة في آن، إضافة إلى كونها قاصة متمكنة، وقد صدر لها حتى الآن خمسة كتب ما بين الشعر والقصة، ومن مجامعها الشعرية (لزمان سيجيء)، (بيادر للحلم…يا سنابل)، (ندم الشجرة) و(مدار الفراشات)، أما في مجال القصة القصيرة فقد صدر لها مؤخرا مجموعة قصصية بعنوان (شارة الخلاص). عطاف جانم من مواليد عام 1963 في باقة الشرقية/طولكرم، حاصلة على بكالوريوس في الأدب العربي من جامعة اليرموك في عام 1983، وقد عملت في حقل التعليم في كل من الأردن، والإمارات، وأخيرا في اليمن. وحول تجربتها ومسيرتها والأدبية والثقافية كان لـ«القدس العربي» معها هذا الحوار..
■ لماذا الشعر وماهو؟
□ أغاني الأفراح المنكهة بالأمل والألم، كانت تربة الإبداع الأولى، لتنبت على مقاعد الدراسة أولى الفسائل، والجرعات التشجيعية، ومستفزات الكتابة تأتي تباعا، فالمدرسة من جهة والدم الفلسطيني المراق من جهة أخرى،.معاناة الأهل وصدى الخروج من فلسطين التي تجرعناها يوميا نحن – المولودين – بين نكبتين ضخمتين، فوزي بمسابقات للإذاعة، الجامعة، ومناطق الغربة فيما بعد، أمام كل هذا وأكثر تتبرعم القصيدة، وتتفتح. فالشعر حياة مرتجاة، وليس وشاحا يغطي بياض الورق. رغم أنني لست راضية عن مسيرتي الشعرية، فكثيرا ما كان الشعر أول القرابين التي أضحي بها أمام عنت الظروف وأنا مكرهة وكارهة في آن. ومن ناحية أخرى فالرضا عما وصلت إليه تجمد ومحطة أخيرة.
■ منذ ديوانك الأول (لزمان سيجيء 1983) حتى ديوانك الأخير (مدار الفراشات 2017)، من الشعراء القريبون منك، وماهي عوامل هذا الاقتراب أو التجاوز؟
□ ربما يصعب عليّ التحديد المطلق، وأنا التي تغلغلت في كياني كل قصيدة أو أنشودة أو أغنية راقتني إذ سمعتها أو قرأتها، غير أنني أُخذت بالشابي في بداية تفتحي على هذا العالم، وعشقت دواوين ـ ولا أقول قصائد- السياب فيما بعد ـ ولا أزال – واهتميّت بهمِّ سيف الدولة الحمداني، لأتخذ لاحقا كل نص جميل وَقَعَ في قلبي- وتمنيت لو أنني صاحبته – خلا وحبيبا، بغض النظر عمن أبدعه على رحابة ساحاتنا العربية. ولن أقع في محظور تحديد أسماء بعينها، فكل صنّاع الجمال أقاربي وعائلتي لا سيما أولئك الأنقياء الذين كبرت معهم عمرا وتجربة، وكثيرا ما تذهلني قصائد لشباب صغار، قفزوا درجات السلم، وتبوأوا مكانة تليق بروحهم الوثابة، بصورهم المدهشة، ولغتهم الحية المتوالدة، وفكرهم المتعمق.
■ كيف تعمل عطاف جانم شعريا، على جبهة اللغة وعلى تجديدها؟
□ يحيلني سؤالك هذا لمقولة الجاحظ المشهورة «المعاني ملقاة في الطريق» فبذرة القصيدة حين تنشقّ عن برعم أخضر، بعد تجربة انفعالية شعورية، تتخمر على مهل أو تستعين بخميرة فورية لتستوي على أغصان اللغة ثمرة مدهشة، هربت ألفاظها بعيدا عن المعاني المعجمية لتكتسب حللا دلالية وإيحاءات جديدة. وكلما أفلح الشاعر في تكثيف لغته بالاستغناء عن الألفاظ الفضولية التي لا تضيف جديدا واستنهض مخزوناته الفكرية، وغاص في أغوار شعوره، وجدد طاقاته التخيلية جاءت الدفقات الشعرية منسابة كسلسبيل عذبة كهديل. ولا شك أن المبدع بحاجة إلى تأثيث نفسه ثقافيا خاصة في المراحل الأولى لتجربته بالقراءات المنوعة والمثاقفات، هذا أو بعضه ما أحاول.
■ يشغل المكان حيّزا أساسيا ومهما في معمارك الشعريّ. أيّ خصوصية يكتسب المكان، كمفهوم وكواقع، خاصة عندما نتحدّث عن القدس؟
□ جاذبية روحية نفسية هي إضافة إلى الجاذبية المعروفة التي تتمتع بها الأرض ربما سرّ تعلق الواحد منّا في المكان هذا المتجاوب معنا في الحنين والمحرك الخفي النشط لطبقات الشعور الباطنية، والرافد السخي بمكنوناته التعبيرية الموحية. علاقة ترتدّ بنا للعصر الجاهلي وما تلاه، حيث تبوأت الأطلال بما توحي به من خراب وألم وحنين صدارة النص الشعري لتكتسب الحياة وهي تثير ما تثير وتشد لباحتها المرأة/ الحبيبة/ رمز الخصوبة والجمال والحياة المتجددة. فالأماكن تنمو كالكائنات الحيّة وتكبر في الروح وتتفرّع كلما زاد التنقل في الزمان والمكان، وتشهق حينما ينتزع الإنسان مرغما من مكان أحبّهُ، معايشا وجع الفقد وانتظار لهفة اللقاء والعودة، فقوة جذب المكان تلك، تجعله بحالة ألم وهمّ، لا تنقضي إلا بالارتماء في حضنه من جديد ماديّا وتعبيريا. فكيف إذا كان هذا المكان فلسطين! فلسطين بأيقونتها المعلقّة في قلوبنا وضمائرنا ودمعنا ودمنا وصلواتنا وفرحنا مدينة إن هدأت روحها هدأ العالم وإن اضطربت كبا في العالم السلام.
■ كل النبوءات في قصائدك الأخيرة، لا تستشرف مستقبلا ناصعا على جبين الأمة، ألا تراهنين على الأجيال القادمة؟
□ في اعتقادي أن من يصل إلى القاع حيّا فبإمكانه محاولة أن يجد له مصعدا يجدله حتى من الصخر والتراب، أما وهو لا يزال في الانحدار السريع فهو مفتقد للتوازن والتفكير والقدرة، يحدث أن ألامس حواف اليأس، غير أنني أنأى في اللحظة الفاصلة، ففي أبطالنا الصغار جذوات أمل وحياة وفعل نخجل من وهننا أمامها، وما عهد التميمي وقريناتها عنا ببعيد.
■ صدر لك مؤخرا مجموعة قصصية، فهل كان تحولك إلى السرد، تحول في ذائقتك الإبداعية، أم مجرد تنويع في الكتابة؟
□ أولى أمسياتي في رابطة الكتاب الأردنيين بعد انضمامي لها كانت أمسية قصصية مشتركة بيني وبين أحد الزملاء، قرات شعرا، اعترض أحد الزملاء: جئنا لنستمع إلى قصة! لم يستشرني أحد، أجبت وقرأت. ولم يكن قراري هذا عارضا، كنت تأملت الساحة الثقافية الأردنية فلاحظت ندرة عدد الشاعرات بالنسبة لعدد القاصات. قلت: هو الشعر إذن. غير أنني عادة أترك للحظة الإبداع حرية الحلول. ولن أبوح بسر إذ أقول ان جلّ المجموعة القصصية ـ شارة الخلاص- كتب في مرحلة مبكرة وكان ناجزا مهيأ للنشر منذ 1983.
■ بماذا تحلمين؟ وماذا عن تصورك للمستقبل؟
□ حمدا لله أن لا قيد على حلم.. أحلم بأن يكون لي بيت في فلسطين ولو غرفة واحدة، له أربعة أبواب، باب أفتحه وأدخل الضفة الغربية وآخر الضفة الشرقيــــة، باب على غزّة والرابع على حيفا ومصيف في السنديانة وإن تأخر الحلم فليكن مثوى لضلوعي. أما عن تصوري للمستقبل.. فكل هذه الخيبات لابدّ ستنزاح ويعتلي الحق صهوته، فالكبار الذين يموتون ما تركوا الصغار ينسون، وعهد التميمي والجنيدي أبلغ مني في الإجابة.
التقاها: نضال القاسم