كلمات عنوان هذا المقال أخذت من رسالة «أنا أتهم» التي كتبها إميل زولا لرئيس الجمهورية الفرنسية في 13 كانون الثاني/يناير 1998، حول الظلم الذي وقع على الفريد درايفوس، حول تحطم تراث حرية فرنسا، حول تحول اللاسامية إلى القوة الموحدة لمن يكرهون المساواة، حول الكذب والخبث في الجيش وحول الفساد، تشويه الحقيقة، الجهل، العنف والخداع. حول كل ذلك احتج واتهم المسؤولين عنه. في إسرائيل عشية عيد الاستقلال السبعين أيضاً نحن نتهم.
نحن نتهم بنيامين نتنياهو لأنه باع روحنا لشيطان التحريض، التخويف والعنصرية. الظروف فتحت أمامه نافذة للظهور كزعيم يقول الامور الصحيحة بشجاعة: سنقوم بتسوية ضائقة بضع عشرات آلاف بني البشر المساكين حسب قيم العدالة والإنسانية. الآن، بعد أيام من يوم الكارثة، الذي فيه نتذكر لاجئي شعبنا الذين لم يجدوا مكاناً آمناً يهربون اليه، نضع حداً للمشكلة الإنسانية الصعبة هذه. اخوتي المدنيون، هذا ما كان سيقوله زعيم محترم، هذا هو السبيل العادل، ولا يوجد سبيل آخر. ولكن نتنياهو المتهم الاساسي بوضع إسرائيل اليوم، اختار أن يبقى زعيماً بائساً مذعوراً وليس له عمود فقري اخلاقي.
نحن نتهم أيضاً أفيغدور ليبرمان الذي يعلم الدفاع عن جيش ينفذ جرائم حرب ضد مدنيين يتظاهرون ضد الفقر والضائقة وهم مسجونون بين الجدران، بنادق القناصة والدبابات من الشرق والبحر المغلق عليهم من الغرب. نحن نتهمه بالتحريض ضد مواطني الدولة العرب، ونتهمه بسياسة فاسدة وبلطجية واستخدام معايير الانظمة التي اختفت من العالم، والتي تسمم الديمقراطية الإسرائيلية التي تحتضر. ونتهمه بتحليل دم منتخبي الجمهور، يهوداً وعرباً، الذين انتخبوا للكنيست بصورة قانونية ويمثلون باخلاص مواطنيهم.
نحن نتهم رؤساء الجيش والاجهزة الامنية، لأنهم لا يصرخون بالرفض امام المستوى السياسي ويحذرون بأنه بعد خمسين سنة من الاحتلال والقمع فإن الجيش الإسرائيلي يفقد المعايير للتمييز بين المسموح والممنوع. ونتهم المتحدثين بلسان الجيش الذين يظهرون في وسائل الاعلام، يبدون احيانا كضباط لجيوش رؤساؤهم اتهموا بالتعاون مع الفظيعين من مجرمي القرن العشرين. ضباط وقادة كبار، يابان وألمان، اسمعوا بالضبط نفس التبريرات عندما حاولوا شرح المظالم التي نفذت في مناطق الاحتلال في روسيا والفلبين. ايضا هناك كان تمسك بتنفيذ المهمة، الدفاع عن الوطن، اعتبارات استراتيجية، توجيهات من المستوى الاعلى وانصياع للاوامر، استخدمت كذرائع لتبرير إطلاق النار على المدنيين غير المسلحين، اعتقالات في الليل وعقابات جماعية قاتلة. أيضاً هناك بدأ ذلك بـ 17 قتيلاً وانتهى بالآلاف.
نحن نتهم نفتالي بينيت بغسل الادمغة لجيل المستقبل، وتحويل إسرائيل إلى مجتمع يعتقد شبابه أن الديمقراطية هي صورة حكم صحيحة يستحقها فقط لليهود. ومطلوب اشخاص يقومون بالطقوس الدينية المناسبة. ونتهمه بخصي جهاز التعليم من رسائله العالمية وبتنقيط على أدمغة شباب الدولة فن هابط مرفق برسائل لها مضمون فاشي: عظمة الأمة، أهمية التضحية بالحياة من أجلها، تطوير قاموس في أساسه الكارثة والركوع لصخور السامرة، التي تتحول معها هذه الرسائل إلى عقيدة تتكون من الله والارض والجنس باعتبارها مقدسة. أيضاً نتهم ميري ريغف ودافيد امسالم وميكي زوهر ونافا بوكر وامثالهم. سياسيون قوة بدائيتهم وزعرنتهم تأتي في المكان الثاني فقط بعد عمق جهلهم. الذين حولوا لغة السوق إلى لغة حاضرة اليوم في النقاش العام. اشخاص يلوحون بفخر بجهلهم ـ لا أقرأ تشيكوف ـ وكأنهم تلقوا جائزة ثمينة عن بحث علمي أو انتاج أدبي، الذين يحولون واجب منتخب الشعب، الابتعاد عن الفساد، ليس إلى اكثر من توصية. ورغم محاولات الادعاء بأن هذه العصابة البائسة هي ممثلة اصيلة لثورة معينة «شرقية؟»، أعضاؤها متهمون بتدهور السياسة والثقافة في إسرائيل إلى زوايا مظلمة من النوع الذي ازدهر في أقبية عاصمة سادت فيها الكراهية والعنف والعنصرية. في حينه هاجموا اليهودي، اليوم يهاجمون الليبرالي واليساري والعربي وكل مواطن لا يتوافق معهم.
نحن نتهم اييلت شكيد وياريف ليفين، اللذين وضعا نصب أعينهما هدف تفكيك الدرع الاخير للديمقراطية الإسرائيلية ـ محكمة العدل العليا. شابان مثقفان يعملان على سن قوانين (قانون القومية مثلا) واجراء تعيينات في جهاز القضاء تكتنفها ايديولوجيا صهيونية جديدة، الصهيونية القومية، التي تشكل النقيض، سواء للصهيونية التقليدية في بداية القرن العشرين، أو ما بعد الصهيونية في نهايته. هذه صهيونية تشكل فرعاً للفاشية الاوروبية الجديدة التي تضم مكونات منها كراهية الاجانب وتعظيم القومية وإخضاع الديمقراطية لقيم أخرى وتقييد حقوق الفرد وتقييد حرية القضاء واستقلاله. الصهيونية الوطنية الإسرائيلية لها تحالف مع الفاشية الفرنسية والنمساوية والهنغارية والروسية والبولندية الجديدة، أيضاً الأمريكية في عهد ترامب، وهي في إسرائيل تقع على بعد خطوة من الانتصار النهائي.
نحن نتهم من يحرضون على الكراهية، الذين يحملون صفة حاخام: ايلي سدان ودوف ليئور وشموئيل الياهو ويغئال لفنشتاين وآخرون، لأنهم حولوا اليهودية إلى دين يؤيد التطهير العرقي وابادة شعب، عن طريق كراهية الاغيار، واقصاء النساء وكراهيتهن والمس بالمثليين. تهمة هؤلاء كبيرة لأنهم يربون مئات آلاف الشباب، وبسبب مواعظهم المليئة بالكراهية التي يسمعها الكثيرون من اولئك الذين يسيرون على دربهم، لأنهم يلبسون القبعات ويطلقون اللحى. لهذا السبب تنسب لهم مزايا الحكمة والبصيرة. هم القوة الروحية التي تقف من وراء عصابات الشباب التي تنكل بالفلسطينيين وكروم الزيتون الخاصة بهم في المناطق، هم الذين يعطون التبرير الايماني لأعمال العنف والقتل التي يقوم بها زعران القبعة المنسوجة. هم الحوض الذي يغذي سياسيين مثل بتسلئيل سموتريتش، وهو عنصري يحرض على ابادة الشعب. وفقط في إسرائيل (أو في دول ظلامية في القرن الماضي) يمكن لواحد مثله أن يجلس على كرسي نائب رئيس مجلس النواب.
إن حكم هؤلاء سيقرره التاريخ، أو إذا لم يكن هذا متأخرا جدا، الناخب الإسرائيلي. امامهم تقف مجموعة آخذة في التناقص من المتمردين، الذين يسيرون بإصرار ضد المزاج السائد. هؤلاء هم نشطاء المجتمع المدني الذين باحتجاجهم يوقفون طرد طالبي اللجوء، الناجون من الكارثة والواقفون على رأس المحتجين ضده، اعضاء الصندوق الجديد لإسرائيل الذين يواصلون دعم كل ما يدفع إلى الامام بقيم المساواة والديمقراطية في إسرائيل، من يقدمون الالتماسات للمحكمة العليا ضد مظالم النظام، نشطاء الشراكة اليهودية العربية وكل الذين يواصلون الايمان بأنه يمكن وقف العجلة قبل أن تسحقنا جميعا.
«طوبى للاشخاص الذين نتهمهم هم ليسوا في نظري سوى كائنات عارية، أرواح خبيثة وسيئة اجتماعيا. وكوني أقوم بذلك ليس سوى عمل انقلابي، هدفه تسريع نشر الحقيقة والعدالة. ولكن رغبة واحدة موجودة لدي، رغبة للنور. باسم الإنسانية التي تم الرد عليها بعذابات كثيرة جداً ولها الحق في أن تحصل على السعادة. احتجاجي المتحمس ليس سوى صرخة روحي». هكذا أنهى إميل زولا رسالته.
هآرتس 5/4/2018