في إحدى المحادثات الأخيرة التي كانت لي مع فيصل الحسيني، الزعيم الفلسطيني الأهم في القدس، قبل وفاته المفاجئة، كان كلانا في مزاج عكر. كانت هذه فترة ما بعد اغتيال رابين، بعد حدث إرهابي فلسطيني فتاك، وبعد رد إسرائيلي لم يكن فيه ما يمنع تفاقم العنف. سألته إلى أين يؤدي كل هذا، فقال إلى «حدث الجدار».
لم أفهم ما يقصد، فشرح: عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من الفلسطينيين يسيرون نحو جدار غزة ويدخلون إلى إسرائيل بلا سلاح. انتم تقتلون من يسيرون في الصفوف الأولى، لن يكون لكم مفر. بعد أن يدخلوا إلى إسرائيل ستقتلون المزيد منهم. في البداية سيسلم العالم بهذا، لأنه ستكون دوما نزاعات أخرى، مضرجة بالدماء، تتطلب التهدئة، إلى أن يصبح عدد القتلى أكبر بكثير، ولا يتمكن العالم من السكوت. وماذا إذن؟ سألت. لم يطرح سيناريو مرتباً، ولكن قال ان هذا هو السلاح «السري» للفلسطينيين. السير في اعقاب غاندي والموافقة على التضحية بحياة العشرات، وربما المئات من الشبان غير المسلحين كي يدخل العالم أخيراً إلى الصفوف، ويحقق الحل المعروف لنا جميعا: دولتان على أساس الخط الاخضر وعاصمتان في القدس.
ليس للفلسطينيين أي احتمال في أن يتغلبوا على الجيش الإسرائيلي أو أن يفرضوا على إسرائيل حلا لا تريده، والعالم لن يتدخل الا إذا وقعت احداث تهز الرأي العام العالمي، وتلزم الدول الديمقراطية باتخاذ قرارات. شبان غير مسلحين يقتلون على أيدي الجيش الاقوى في الشرق الاوسط، سيدفعون العالم الغربي لأن يقوم بعمل ما. والتفكير بأنه يمكن الوصول إلى حل فقط لأنه وصلت في إسرائيل إلى الحكم حكومة أرادت السلام معنا، كان ساذجا جدا، قال. هذا يبدو انه لا يمكن أن يحصل من دون أن ننزف دما.
الحسيني قال إن الفلسطينيين يكثرون من الحديث عن ذلك. ظاهرا، على الاقل سيكون في ذلك ما يدخلكم إلى وضع لا تكون لكم فيه أي امكانية اخرى غير إطلاق النار علينا. ليس لأنه إذا دخلنا إلى إسرائيل سنمس بكل من يقف في طريقنا، بل لأنكم لن ترغبوا في المخاطرة بإبداء الضعف ولن تتمكنوا من كشف سيادتكم لقرار فلسطيني باجتياز الحدود. إذا لم تنجحوا في ايجاد شيء ما يشلنا مؤقتا، ولكن لن يقتلنا، ستعملون ضدنا، في البداية بشكل غير فتاك، ولكن سرعان ما ستنتقلون من الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي إلى الرصاص الحي.
سينشأ وضع نكون كلانا محقين. نحن سنقول اننا مللنا وبلغ السيل الزبا عندنا، دخلنا في مسيرة كان يفترض أن تصل إلى تسوية دائمة بيننا وبينكم، اعترفنا بكم، تنازلنا عن الكثير من مطالبنا السابقة، وانتم تتخذون سياسة تتملص من الوصول إلى حل تقسيم البلاد بيننا، في ظل إلقاء الذنب علينا، والادعاء بأننا لسنا شركاء صادقين في السلام، لم نف بنصيبنا في الاتفاقات ولم نقصد أبداً السلام الحقيقي. انتم ستتهموننا بالعنف، وبالتهديد لسيادتكم، وفي اننا نستفزكم عن عمد ونعرض حياة أبنائنا للخطر عبثا، وستقتلوننا.
العالم، قال الحسيني، سينظر إلى هذا الصراع الغريب، الذي كل كاميرات التلفزيون ستوجه اليه، ولن يتمكن أحد من التضامن معكم. وستحاولون، بشكل مثير للشفقة، الشرح بأنكم لستم مذنبين في المواجهة الناشئة وانكم تبذلون جهودا هائلة لمنع القتل. ولكن الصور ستتحدث من تلقاء نفسها والاعداد ستتحدث، وبالأساس إذا كان بين قتلانا فتيان. الإسرائيليون لن يقتلوا تقريبا، وربما لن يقتل منهم احد على الإطلاق. نحن سندفع ثمن الموت، ولكن اننتم ستدفعون ثمن الضغط الدولي، وفي النهاية ستضطرون إلى عمل شيء ما.
عشرات السنين مرت منذ ذاك الحديث إياه، وتحققت نبوءة الحسيني ولو تأخرت. استعداد آلاف عديدة للمخاطرة بحياتهم ليس شيئا بسيطا، فما بالك ان إسرائيل أيضاً لم تخترع منذئذ وسائل كافية قادرة على استبدال القتل بالتحييد المؤقت.
كان واضحاً أن تدهور شروط الحياة في غزة سيؤدي إلى الانفجار. سواء كان السبب للوضع الحالي هو حكم حماس في غزة ام ان لإسرائيل في الامر. واضح ان هذا انفجار يجري بتشجيع حماس وواضح ان علينا أن نضع له حداً. التفسيرات لن تقنع. هناك حاجة لتغيير السياسة، وليس فقط بسبب المسيرة نحو الجدار بل أساساً على خلفية المعطيات عن فقدان الغالبية اليهودية.
إسرائيل اليوم 5/4/2018