إلى جانب التدريبات المنهكة، لم يكن هناك أمر استثمرت فيه جهداً وابداعية عندما كنت ضابطاً شاباً وتوليت قيادة الجنود المبتدئين في قاعدة التدريب للواء المظليين في بداية التسعينيات، من التربية ومعرفة البلاد. لقد كانت قليلة التدريبات والنشاطات العملياتية التي جاءت لاحقا والتي لم تبدأ باستعراض المنطقة ودرس عن التاريخ وعن جغرافية البلاد أو محادثة حول مستقبل إسرائيل ودور الجيش. الجيش الإسرائيلي، كما اعتقدت، هو كتاب وسيف، هو اندماج فريد للمعرفة والشجاعة والقوة العسكرية، الذي يخدم هدفاً كبيراً. إذا كانت النوايا هكذا فقد كان يجب أن تكون طاهرة، والوسائل أيضاً.
وبشكل خاص، أكدت على الاخلاق في الحرب وعلى ما سمّي بـ «طهارة السلاح». عن قصة قضية قافلة الـ 35، التي تصف الثمن المحتمل للمستوى الأخلاقي. وفي المقابل عن مذبحة كفر قاسم، الفقرة الاخيرة المشهورة في قرار حكم القاضي بنيامين هليفي في هذه القضية، تعلمتها في حينه وما زلت أحفظها عن ظهر قلب حتى الآن. إن استخدام الجيش فقط لاهداف دفاعية ضرورية، فقط باستخدام قوة تشكل الحد الادنى الضروري، بدت لي اساسية في القدرة على استخدام القوة والعمل من خلالها. لقد اعتقدت في حينه مثلما اعتقد الآن بأنه لا يوجد هدف يبرر الوسائل، وأن تقديس الوسائل يدنس الهدف، وعمليا يقوم بالغائه.
بعد 62 سنة فإن المذبحة في كفر قاسم بقيت قضية منسية. جيش في بداية طريقه تحول إلى جيش دولة عظمى اقليمية، إطلاق النار الذي نفذ على أرض القرية، حيث كان من أطلق النار يرى أعين من أطلق النار عليهم، تحول إلى إطلاق نار من الطائرات التي لا ترى الأهداف، وإلى صواريخ يتم إطلاقها من خلال الضغط على زر في قاعدة في الجبهة الداخلية على أهداف مكتظة بالمدنيين. الامر الذي يتم اعطاؤه في الحرب من قبل ضابط صغير تحول إلى توجيهات من قبل المستوى السياسي، بشكل علني، وفي فترة ليس فيها حرب.
في أحداث يوم الجمعة الماضي، 30 آذار/مارس، أطلق الجنود النار الحية على متظاهرين غير مسلحين وقتلوا 15 شخصاً وجرحوا المئات. الجيش استعد حقا لتظاهرات، لكن بدل محاولة تقليص عدد المصابين، أوضحت أوساط رسمية مسبقا بأن الجنود سيطلقون النار الحية على المتظاهرين الذين سيتواجدون على بعد مئات الامتار من الجدار.
خلافاً لقضية كفر قاسم التي فيها أعطي أمر إطلاق النار على من اخترقوا حظر التجول، من قبل ضابط صغير في الميدان، المسؤولية عن اعطاء هذه التعليمات غير القانونية وعن النتائج القاتلة لتنفيذها، ملقاة في المقام الاول على واضعي هذه السياسة ـ رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان ـ الذين قاموا بتوجيه الجنود. إن أمر إطلاق النار على متظاهرين غير مسلحين هو أمر غير قانوني بصورة واضحة، الذي يمثل الانصياع له مخالفة جنائية. لذلك إذا تلقى الجنود في الميدان أمراً لإطلاق النار الحية على مدنيين غير مسلحين يجب عليهم رفض الانصياع له.
خلافا لقضية كفر قاسم وعلى ضوء حقيقة أن المستوى السياسي والمستوى العسكري هما اللذان وجّها الجنود، لم يتم اجراء محاكمة. إذا تم اعتبار المذبحة في كفر قاسم أمراً شاذاً يجب اظهاره واخراجه إلى خارج الحدود، عندها نعلم بأن لا يحدث هذا مرة اخرى. إطلاق النار على المتظاهرين غير المسلحين هو سياسة معلنة، وباعتبارها هكذا، يجب تقديسها.
«عدم الشرعية التي تقلع العين والتي تغضب القلب، إذا كانت العين ليست عمياء والقلب ليس مقفلا أو فاسدا»، كتب القاضي هليفي في قرار الحكم. ولكن عدم الشرعية اصبح لا يقلع العين ولا يغضب القلب.
إن استخدام النار الحية محظور، بالاحرى عندما يكون الجنود موجودين على بعد كبير داخل إسرائيل، ويطلقون النار على المتظاهرين الموجودين داخل غزة، على الجانب الآخر من الجدار. لقد وقع حظر شديد في إعطاء أوامر للجنود بإطلاق النار الحية على الاشخاص الذين يقتربون من الجدار، أو يمسون به أو يحاولون اجتيازه. الجيش بالطبع يمكنه أن يمنع أعمالاً كهذه، حتى أنه مسموح له اعتقال الذين يحاولون القيام بذلك. ولكن هناك حظر مطلق على إطلاق النار الحية فقط لهذا السبب.
اللامعقول: «بتسيلم»، منظمة حقوق انسان، تطلب من الجنود إلى احترام القانون وعدم الوقوع في الخطأ والانصياع للأوامر غير القانونية التي يتم إصدارها خلافا لكل قانون أو اخلاق. مهما ظهر هذا غريبا، فإن «بتسيلم» تطلب من الجنود رفض الانصياع للذين يريدون منهم اختراق القانون من أجل اهدافهم.
إسرائيل تفرض حصاراً مشدداً على قطاع غزة، وهناك حوالي مليونين من سكانه يخضعون لهذا الحصار منذ اكثر من عشر سنوات. في هذه الفترة، سلسلة من المعارك حصدت حياة عشرات الجنود والمدنيين الإسرائيليين وحياة آلاف الفلسطينيين، منهم بضع مئات من الاطفال. في ظل غياب الرغبة في تسوية الوضع لصالح سكان غلاف غزة ولصالح الناس الذين يعيشون في غزة، والذين رغم الجدار حياتهم مرتبطة الواحدة بالاخرى، فإن الوضع في كل المنطقة مرتبط بالمنع، وتوجيهات من هذا النوع التي رأينا نتائجها في التظاهرات الاخيرة قرب الجدار، يجب أن تنتهي. «بتسيلم» تدعو الجنود إلى رفض تنفيذ الاوامر التي هي أوامر غير قانونية بصورة واضحة، لذلك هي مخالفة للقانون.
دافيد زونشاين
هآرتس 5/4/2018