تربويون يحذرون: ألعاب إلكترونية قاتلة تحصد أرواح الأطفال

حجم الخط
0

وتيرة التحذيرات من لعبتي «مريم» و«الحوت الأزرق» وهما ضمن سلسلة من الألعاب الإلكترونية تستهدف الأطفال والمراهقين، وتحرض على الانتحار وقتل النفس ارتفعت، وأرقت التربويين قبل الأهل، وخلقت حالة من القلق والتوتر على مستقبل الأطفال وصحتهم النفسية، كيف نحمي أطفالنا من الإدمان على هذه الألعاب الخطيرة؟ وكيف نتصرف كأولياء ومربين لمواجهة هذه الظاهرة المدمرة التي تداهم بيوتنا ومجتمعاتنا؟
الدكتورة وسيلة بن لطرش المختصة الجزائرية في علم النفس العيادي قالت لـ«القدس العربي» ان «الجزائر إحدى الدول التي عانت من هذه المشكلة وتم تسجيل خمس حالات انتحار فعلي وأكثر من عشر محاولات، وهي ليست المرة الأولى التي تعيش فيها الجزائر تجربة كهذه، ففي سنة 2012 وعن طريق رسوم متحركة كانت تعرف بـ«المحقق كونان» حدث فعليا انتحار 15 طفلا دون سن 12.
وتعتبر بن لطرش ان هذه المشكلة هي في الأساس نتيجة التنشئة الخاطئة للأطفال الذين حاولوا الانتحار قبل ان تكون نتيجة للرسوم المتحركة أو مواقع التواصل الاجتماعي.
وترى ان جهل الأطفال بخطورة الألعاب وغياب دور الأولياء في الرقابة أديا إلى ان يكون الطفل في حالة نفسية هشة.
وتضيف: الكثير منهم لا يدرك حتى معنى الموت ولا يعي ان الانتحار سيقود بالضرورة له، الأخطر من ذلك فالأطفال لهم من الاستعداد الفكري لتقبل التكنولوجيا حد فتح تشفير قنوات وألعاب لا تكون متوفرة دائما على مستوى الجهات التقنية.
وتتابع: هنا يظهر دور الأسرة في التكوين والتربية، فالنمو النفسي يبدأ منذ فترة الحمل إلى ما بعد الانجاب وصولا إلى السنوات الأولى، حيث تتأسس شخصية الطفل. فإذا كان الطفل في الجو المناسب فبالضرورة سينشأ قويا نفسيا، وإذا كان في جو أسري غني بالمشاكل والتفكك فبالضرورة سيكون هشا.
كثير من الأطفال شاهدوا الألعاب والمواقع لكنهم لجأوا إلى أوليائهم ليخبروهم ان هناك لعبة تقود إلى الانتحار، بينما أطفال آخرون ولغياب التواصل داخل الأسرة فضلوا مواصلة اللعبة رغبة في الاكتشاف فانتهى بهم الأمر إلى الانتحار.
وتضع بن لطرش عدة مؤشرات سلوكية تمكن الأهل من معرفة التغيير الطارئ على الطفل كقلة نومه عدم تناوله للطعام بشكل منتظم والسكوت والعزلة وأحيانا يبدي الطفل رهبة وخوفا واصفرارا في الوجه لشعوره بالخطر أو توقفه عن النشاطات العادية كاللعب خارج البيت.

إصلاح الكبار قبل الصغار

وترى بن لطرش ان النتاج النفسي ثقيل بسبب الحروب، وهو يتمثل بما نخفيه من آلام وجراح. فالجريح الذي تعرض إلى صدمة صار اليوم أبا وجدا والصدمة معروف انها تورث عبر الأجيال.
وتقول: هذا المصدوم هل استطاع ان يربي أولاده بشكل صحي وسليم؟ ينطبق الأمر على الناس في سوريا والعراق وفلسطين وكل منطقتنا العربية. للأسف الشديد نحن مخزن للصدمات التي لم تأخذ حقها في العلاج وبالتالي يجب ان نتعالج نحن الأولياء والمجتمعات، لان العلاج المجتمعي ان نتصالح فيما بيننا ونفهم ما عشناه من أزمات وبالتالي نتصالح مع ذاتنا وبعدها يمكننا ان نتفاعل في تربيتنا لأولادنا.

الانترنت ليس العامل الوحيد

وأعرب الدكتور فيصل الكعبي المعالج والمحلل النفسي التونسي، لـ«القدس العربي» عن قلقه من هذه الظاهرة في المجتمعات العربية خاصة منذ بداية الثورة في تونس عام 2011 حيث سجلت حالات انتحار بين عشرات الأطفال.
مشيرا إلى ان المرعب ان بعض الأطفال لا يتأثرون باللعب الإلكترونية وانما هناك تأثيرات الجو العام المزعج والمقلق في مجتمعنا الذي يمر بمرحلة انتقالية اضطربت فيها المفاهيم والقيم وهناك نوع من الانعزالية عند الأطفال.
ويضيف: ان ظاهرة الانتحار بين الأطفال موجودة في تونس على سبيل المثال في الأرياف حيث لا توجد تكنولوجيا ولا انترنت، إذا هي الحياة في المجمل، والانترنت عامل لكنه ليس المسبب الأول.
ويضيف ان رتابة حياتنا اليومية هي التي تسبب الشرخ في مجتمعاتنا.
فالأولياء منشغلون بالضغوطات اليومية عن أطفالهم وعن متابعة حياتهم والقلق الذي يعيشه الطفل. هناك ضعف في التواصل العاطفي بين أفراد الأسرة اليوم حيث دخلت الأجهزة الالكترونية ومواقع التواصل وفصلت العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة وأصبح كل فرد يعيش عالمه الخاص.
ويقول: «ان الطفل عند ولادته يحتاج إلى غذاء جسدي كالأكل والشرب والنوم وغذاء روحي هو الاعتراف به منذ أيامه الأولى واحتضانه. اليوم هناك فقر روحي وتكويني وهشاشة تجعلهم ضحايا تلك الألعاب فيتم استغلالهم حتى يصل إلى الانتحار.
وعلى الرغم من انتشار هذه الألعاب في الدول الغربية إلا ان في بلدان عربية مثل تونس يتم الحديث اليوم عن حجب مواقع بأمر قضائي وذلك بعد شكوى قدمها والد طفل حاول الانتحار».
وتحدث عن زيارته قبل أيام لمركز «بلسم» لرعاية ضحايا الصدمات النفسية والعنف الاجتماعي في معهد ثانوي في تونس في ولاية المهدية وفوجئ مما سمعه من الأطفال التلاميذ من مسلسل الرعب الذين يعيشونه يوميا على المستوى المجتمعي، حيث قال: هناك عنف في الشارع يتعرضون له بشكل مباشر لاخذ أموالهم وهواتفهم من غير رقيب أو أمن يضمن حياتهم في الشارع، وهناك عنف في الأسرة بسبب غياب سبل الحوار وأصبح العنف هو السائد والمنظم للعلاقة الأسرية. وهناك عنف داخل المدرسة بين الأطفال ومع الأساتذة الذين لا يقدرون ان يستمعوا إلى التلاميذ، وعندما يفقد الطفل امكانية التواصل مع الكبار في حياته يعيش العزلة وتصبح مظاهر العنف مسيطرة عليه والهاجس اليومي والقلق والخوف يجعله يتعلق بأي خيط أمامه.
وهو يطالب أولياء الأمور بضرورة مساعدة أطفالهم على تخطي الصعوبات التي تواجههم خاصة في سن المراهقة، وعدم ترك الأطفال بحجة اننا أمنا لهم الحياة الكريمة في العيش والسكن.
وحذر من الصدمات النفسية التي تعيشها مجتمعاتنا وتؤدي إلى مشاكل نفسية تأخذ وقتا لمعالجتها.
وضرب مثلا عن حال الجزائر في الحرب الأهلية، فعشر سنوات من الحرب تسببت في صدمة نفسية للمجتمع وقال: إذا لم نقف عند هذه الصدمات لعلاجها على مستوى المجتمع ستبقى كمخزون داخل اللاوعي.
المشكلة فينا ككبار علينا كي نقف لصياغة حياتنا على قواعد جديدة ان يكون لدينا مخزون روحي ضروري يكون موجودا في علاقتنا اليومية بين أفراد الأسرة.
صحيح ان التكنولوجيا تسهل العلاقات لكنها لا تقرب بين الناس، الاجتماع بين أبناء الأسرة الواحدة وحتى الأصدقاء ضروري وبدون أجهزة يمكن التمتع بالتجمع والحوار.

تربويون يحذرون: ألعاب إلكترونية قاتلة تحصد أرواح الأطفال

وجدان الربيعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية