مختارات رجاء الطالبي من الشعر العالمي: الشعر وما وراء الحقيقة

حجم الخط
0

 

يُعَرِّفُ الشاعر اليوناني أوديسيوس إليتيس الشعر بـِ»فَنِّ الاقترابِ مِمَّا يَتَجَاوَزُنَا»، فما الذي يتجاوزنا؟ هل هو الحقيقة عينها؟ هل هو قول الحقيقة كما هي وأنَّى هي؟ أو ما يتجاوزنا هو ما قاله نيتشه: «قول ما بعد الحقيقة» أي قول ذلك الوجه الآخر المتخفي وراء الغبار المعرفي المغالط، الذي ورثناه أبا عن جد، حتى أصبح هو الحقيقة التي تحجب الحقيقة في جوهرها؟
هنا يكون الشاعر قد دخل حلقة «القلق» المزدوج؛ قلق المعرفة، وقلق الوجود. فلا يستطيع الشاعر ههنا إلا أن يعترف بأنه في قلب الغربة والمنفى، ويبدأ تراجيديا الصراع.
يصارع الشاعر اللغةَ من أجل إنشاء قولٍ مختلفٍ عن السائد الخارج ذاتي (المعطى قبليا)، السائد الذي يقوله الآخرون، في يقين ثابت. القصيدة لا ترغب في قول ما يقوله الآخرون لتكون شعرا، تريد أن تقول صوتها الجوهريَّ المختلفَ، في مهاوي البياض، ففي الخطاب الذي ينفض عنه العوالق والزوائد والقشور المتكلسة، لكي تكون حرة، ولكي يأخذ الشاعر «اسم البحار المشرد الحكيم» ص (13)، ولكي يرمز خاصة إلى «الحرية» ص (13). ليست الحرية عند الشاعر إليتيس ما هو قادم، بل الحرية هي رحلة العودة إلى البعيد، الزمن العميق، من أجل نبش الغبار المتكلس، الذي يحجب الحقيقة؛ حقيقة أن الحرية سرمدية أبدية لا تخضع لتقلبات الزمان ولا لحركاته وأهواء تجار الأهواء، إنها ههنا قائمة أبدا، حيث لا نعلم لها بداية، ولكننا نعلم حقيقة من يغتالها في أعماقنا.
إليتيس أوديسيوس الشاعر اليوناني المتشرد في أقاصي الشعر القديم، الذي تحول إلى عبادة، وإلى نصوص مقدسة، مزامير وأناشيد لنداءِ الأنساغ البكر الأولى. إنه الشاعر الإنسانيُّ الذي ينظر إلى المستقبل، ليس في ما سيأتي، بل في ما هو كائنٌ، وما هو كائنٌ ومتخفٍ تحت غبار غموض التأويل وسوء التوقع والاستقبال، لأن الشعر لا يكون إلا في الوضوح، فلا «ينفعُ الشعرُ سوى ليحيا، ليحيا بكل وضوح» ص (12) وفي الوضوح، والوضوح حقيقة الحقيقة وحريتها الرقراقة.
الحقيقة واحدةٌ دائما، ولكنَّ قولها (تأويلها) مختلفٌ، لذلك يرى الشاعر الحق القصيدة منفاه، لأن عليه تدمير اللغة وتنقيتها من شوائب الماضي وضجيج الآخرين. لقد كان عمل إليتيس «كله طرقا نحو هذا الجزء المجهول فينا، والذي تحاول لغة مجهولة نقله بإشارات خفية» ص (10).
يدركُ بل يعي الشاعر أن صراعهُ الحقيقي في القصيدة ليس مع المعنى ولا مع الهدف، بل مع اللغة، كيف يمكنه مقاومة القول الضمني والمتماهي في الجملة الشعرية المسكوكة والتي قيلت مسبقا، فالقصيدة مجازٌ، وجهٌ آخر للحقيقة، مقام آخر للذات الشاعرة. لذلك فالقصيدة منفى الشاعر، وهي معول يهدم به ذاته، لأجل القصيدة الجوهر قصيدته هو التي تجعل منه شاعرا ثوريا ينتمي إلى عصره وهو ما تحقق له، إنهُ: «رجل الصورة الأكثر جنونا، كان رجلا ينتمي إلى عصره، ثوريا» ص (10).
ففي ذهابه بلغته نحو ما يتجاوزنا، كان أوديسيوس أليتيس يبحث عن الحرية وعن الحقيقة الجوهرية وعن اللغة التي تنتمي إليه وتقول حقيقته هو لا غيره، وتقول اليونان الأصل لا اليونان المتخفية وراء ركام الأقاويل والخطابات المزيفة، «نحسُّ في بعض الأحيان أننا ندخل خائفين على بعض القطع من عمله الشعري كما لو أننا في كاتدرائية، نضيع في بعض الأحيان مأخوذين بالمد التعزيمي لتحولاته، لتشبيهاته، كانت تتملكه دائما الرغبة في إيجاد الوجه الحقيقي لليونان الذي لا يجد القراء اليونانيون أنفسهم دائما في ترميمه المفتقد للأصباغ. هم الذين يريدون صورة أكثر تفاهة…» ص(9).
لذلك فالقصيدة منفى ومعول الشاعر يهدم ذاته من أجل الوصول إلى لغة محايدة لا تقول إلا صاحبها، بل لا تقول إلا ذاتها في لحظة زمنية راهنة، وشديدة الخصوصية والضيق. المنفى ليس مكانا شاسعا مأهولا، بل هو مكان ضيق وخاص وفارغ. مكان في بدايته وفي نشوئه وفي انتشائه واشتهائه.
«لا أريد أن أذهب إلى أي مكان
فقط
نحو الأعماق.
أه أيتها الأعماق
آه أيتها اللغة
آه إيزودور.» ص (29-ـ 30)
هكذا تحدد الشاعرة الأرجنتينية أليخاندرا بيثارنيك منفاها، إنه الأعماق واللغة.
الشعر جسرها الناريُّ نحو «ما يتجاوزنا»، ذلك الخوف القابع في فراغ ونهاية الهاوية. كيف يمكن للشاعرة أن تكتب عن شيء تخافه وتجهل هويته، شيء يملؤها فزعا ولهول رعبه داخلها ستلقي أخيرا بذاتها فيه كي تحترق، لربما تبعث من جديد في القصيدة، في اللغة، كائنا محتملا متحررا من الفزع وأثر السقطة نحو الأعماق بعد التجربةِ؟
إن الخوفَ من عبور نهر الموتى نحو الحياة الأخرى في اللغة الخاصة، يتطلب من المرء أن يختبر تجربة الاحتراق بلهب وجمر التجربة، تجربة المرء لما يخافه، فخوف الشاعر التراجيدي المكتئب من الجنونِ جنونٌ، والفزع من الموتِ موتٌ مضاعف لا تسكته عويله وصراخه ونحيبه غير التجربة. فالشاعر المحاصر بالأفول يكتب فقط في مواجهة الغروب، والشاعر الساقط في العتمة نحو أعماق الهاوية في الفراغ لا يكتب قصيدته، ولا تتشكل لغته الخالصة إلا «في مواجهة العتمة» ص(29).
«لا أعرف العصافير
أجهل تاريخ النار
لكنني أومن أن عزلتي يجب أن تحظى بأجنحة.» ص (29)
لا تتوقف تجربة العبور نحو الهلع الذاتي، هلع المكتئب من استبداد ظلمة ذاكرته وسواد ثقب الفراغ الهائل في خلاياه الذي يبتلع كل مكوناته الذاتية، أحلامه وطموحاته ورغباته وذكرياته وأفراحه السابقة وطفولته المرحة وإخفاقاته ونجاحاته، الهلع هو الثقب الأسود في سماء ذاته. لا تتوقف تجربة العبور نحو مهاوي الأعماق عند الاحتراق الكلي، بل عليها (التجربة) أن تجرب الارتماء في المهاوي المحرقة للفراغ حيث لا شيء، حيث تتلاشى الذات فلا تجد لها سندا، لا سماء تحميها بترانيمها ولألاء شهبها النارية، ولا أرض ترتطم بها المخاوف من الجنون، هناك حيث المنافي القصية القاسية، العمق بعيد والذات في سقوط مستمر واللغة «آه أيتها اللغة» أنت المنفى الحقيقي للفراغ والهلع وفوبيا الجنون والانتحار. تقول الشاعرة «الزهرة» وتعني «النار» وتقول «الأعماق» وتعني «الهاوية السحيقة المعتمة للذات» تقول «الأجنحة» وتريد «الخطوات» وتقول «المنحدر» وتعني «آثار العبور باتجاه ما تخافه».
«سأختبئ في اللغة» ص (31).. «آه أيتها اللغة» ص (30).. أيتها المخاتلة، التي تلعب لعبة المرايا المتقابلة في الفراغ، «هذه الفتنة التي كان يمارسها عليها الفراغ، واللا شيء، والكاووس، كانت تبسطها في عزلتها وفي خوفها من الموت، وخوفها من الحياة. لكن لا شيء يوقف الفراغ الذي يقرض الكائن، ابتلعها الغياب كلها.» ص (27).. «طيلة الليل أنتظر أن تجسدني لغتي». ص (33)، لكن هيهات هيهات، من فراغ أسود تحكم في ذات الكائن ونفسه، سواد مستبدٌ يصبغ خضرة عيني الشاعرة بالظلام. تصرخ الشاعرة كمن سقط في جبٍ بلا ماء تملؤه العتمة: «أيتها الحياة، أنا هنا» ص (34) ولسان حال القصيدة يردد: «إنني أسقط، إنني أموت منبوذة في عزلتي وفراغ روحي». أيتها اللغة المخاتلةُ المستبدةُ المنفى المرايا المتقابلة، المرايا التي تُضَيِّعُ معنى الحقيقة، وتزرع غابة الشك والفزع في الروح والفكر والذات والقصيدة، فتجلب الشاعرة نحو الثقب الأسود للانتحار، لعلها بذلك تدخل منطقة الصمت المحرمة، فيسكت الصراخ والعويل والنحيب داخلها وفي القصيدة، العويل الذي يلبس لفظ الحياة معنى الموت ولفظ الأمل معنى اليأس. هناك إذن، في مملكة الصمت الجديدة ستتحرر الذات من هلعها واللغة من مراياها والحقيقة من أشباهها ويسكت النواح الضاري، هناك،
«حيث لا أحد تجرأ على إسكاتها،
عندها لا يمكنني أن أخاف
أن أكون أنا وأتكلم عن نفسي
لأنني سأكون خفيفة في الصمت
وما أقوله سيكون وعدا». ص (32)
لم تكن القصيدة الشعرية ملاذ الشاعرة أليخاندرا بيثارنيك كما أرادتها أن تكونَ، لكنها كانت منفاها السحيق، هاويتها التي انحدرت بها وفيها نحو أقانيم الخوف والفزع، خوف المكتئب من مصيره في لحظات اليقظة حيث تتبدى أمامه الحقيقة: الجنون أو الانتحار. أيهما النهاية؟ كلاهما عالم مرعب وغامض، ولكنه المآل. فهل يمكن للقصيدة أن تكون الملاذ الحاضنَ الحاميَّ؟ تلك أمنيات الشاعرة، لكن اللغة (الجملة الشعرية) المخاتلة تَجْبُنُ في مثل هذه الأبعاد والآفاق وتنكص وتتردد ثم تترك الكائن لمواجهة مصيره الحتمي في استسلام وهبوط نفسي حادٍ، ولا تحمل عنه ومنهً غير آثاره، ورسوم خطوات رحلته التراجيدية نحو «الأعماق»، فـَ»آهٍ أيتها الأعماقُ»، أنا هنا أيتها الحياةُ التي تشبه الموت، حياة ما وراء الحدود الطبيعية للكائن الطبيعي، حياة تم دفعها نحو تجربة أقصى ما يحتمله كيان الكائن: «رغبتُ في أن أموتَ بسبب عدم قدرتي على أن أكون بداخل أعماقي». ص(28)
لقد احتمى أوديسيوس إليتيس في رحلته بضوء شمس اليونان المندثرة، فتحولت القصيدة عنده إلى ترانيم وأناشيد قدسية، تمجد الذات (الحاضر) في صورة الشعراء القدامى (التاريخ)، بينما احتمت الشاعرة الأرجنتينية أليخاندرا بيثارنيك بالفراغ وصمت وعتمة الهاوية، فلم تجد سندا سوى مواجهة العتمة بمزيد من العتمة الداخلية فاختارت إسكات صراخ وعويل ونواح الكائن المكتئب فيها في لحظة الضيق والشدة.

رجاء الطالبي (ترجمة وتقديم): كتابة الخراب ـ مختارات من الشعر العالمي.
دار فضاءات، عمّان 2018
142 صفحة.

مختارات رجاء الطالبي من الشعر العالمي: الشعر وما وراء الحقيقة

محمد معتصم

اشترك في قائمتنا البريدية