تركيا: الحوت الذي اقترب كثيراً من اليابسة

حجم الخط
0

لقد قطعت تركيا في السنوات الأخيرة شوطاً إقتصادياً سريعاً، وإستمر هذا التطور حتى وصول الربيع العربي، شواطئ عديدة، من بينها تركيا. تعيش تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية ورئيسه إردوغان، أزمة تشبه الحوت الذي قرب كثيراً من مياه ضحلة. وقد تكون التطورات أسهمت بحدوث إحتجاجات، قمعت من قبل قوى الأمن التركية، بل إن مسؤولين في الحزب الحاكم وصفوا المحتجين في ساحة تقسيم وحديقة جيزي ‘بالرعاع’، لدورهم في تشويه صورة تركيا، وحملوهم الفشل التركي في إستضافة الألعاب الأولمبية عام 2020.
لقد أشار محللون لأكثر من سبب لعدم الإستضافة: عدم إستقرار المنطقة وخصوصاً سورية المجاورة، وسلطة إردوغان الإستبدادية، وعدم ‘هضم’ الدور المتنامي لتركيا. كما يواجه الحكومة إرتفاعاً في المعارضة الشعبية للتدخل في سورية، كذلك تواجه إصلاحات إردوغان، إنتقادات من الأكراد والمعارضة. أما علاقات تركيا الخارجية فهي تعاني وضعاً صعباً، بدءاً من الأزمة السورية (مع النظام وبعض المعارضة المتشددة) ومصر والسعودية وإيران، وإنتهاءً بإسرائيل (والتي قد تكون أبسطها). أما المسافة البعيدة لإنضمام تركيا للإتحاد الأوروبي فهي ستجعل إردوغان يصول ويجول في بحثه عن الدور العثماني، وخصوصاً أمام الأبوب المغلقة المحيطة بهذا النهج التركي الحالي، كالذي شيد أضخم قصر بدون أي باب، فإما أن يهدم جزءاً من البناء وإما أن ينعزل وينتهي. أمام الصورة غير المستقرة لتركيا، وسعي إردوغان لإستعادة ما فقد من أمجاد عثمانية، ما الخطوات التي يقوم بها إردوغان لتحقيق ذلك؟ وهل يستطيع إردوغان تحقيق قطب جديد مع أفول نجوم أخرى؟
تعتقد تركيا أن الإرث للخلافة الإسلامية، يقربها عقائدياً من تحقيق توجهاتها، وهذا يعتبر بمثابة التشريع الذي تنطلق منه الفكرة. كما أن وضع تركيا الإقتصادي جيد (رغم تخوفات الرساميل الأجنبية الضخمة من الأحداث الأخيرة)، وقوتها العسكرية الذاتية (إضافة للدعم الأميركي، وخاصة في قاعدة إنجيرليك) تساعد على تحقيق طموحاتها، حيث بدأت منذ فترة قصيرة البدأ ببناء قاعدة عسكرية في لواء الإسكندرون ( لواء الإسكندرون أراضي سورية، تم ضمها لتركيا في القرن، كما أن الحكومة التركية، تسعى لتجديد تفويض يسمح لها بإرسال قوات لسورية. إن الحكومة التركية في ظل قناعاتها الآنفة الذكر، لرسم دورها الإقليمي والدولي، ومع غياب دور الجيش السوري المجاور، ستسعى في الفترة القريبة القادمة لتعزيز متصاعد لقوتها العسكرية، وتثبيت موقعها العسكري بصورة أكثر وضوحاً، إقليمياً ودولياً. ولكن الخلافات التركية مع بعض الدول الإقليمية، سيضعف إقتصادها بسبب تدني التبادل التجاري مع هذه الدول، وهو ما يفترض قيام إردوغان بترطيب علاقاته مع البعض (مثلا التقارب الأمريكي ـ الإيراني، يساعد تركيا بتقاربها مع الخليج العربي وإسرائيل)، كذلك تستطيع تركيا تطوير تعاونها الإقتصادي القائم مع فلسطين، بفعل علاقاتها الجيدة مع كل من رام الله وغزة. لكن قد تجري الريح بما لا تشتهي السفن، فالعالم الجديد لن يتقبل قطباً تدور من حوله الكواكب، فحتى معادلة الحروب التقليدية قد تتغير: قوة عسكرية هائلة مقابل ملايين القتلى، أي أن فاتورة الدم أصبحت لدى الشعوب مرتفعة، تقابل غرور القوى المهيمنة عالمياً. إن الدولة المدنية الديمقراطية، في الوضع الدولي، هي الأقرب في تحقيق نوع من العدالة الإجتماعية وإستقرار الشعوب آمنة، وهذه غير متوفرة في توجهات إردوغان وحزبه، كما أن المشكلات الداخلية، وخاصة مع القضية الكردية، ستبقي تلقي بظلالها المنغصة على إردوغان، وعدم قدرة الإقتصاد التركي (رغم إرتفاع معدل النمو، هناك غياب عدالة في التوزيع)، الذي يعتمد على توظيف كبير للإستثمارات الأجنبية، على أن يكون (هذا الإقتصاد) رافعة لبناء دولة بحجم طموحات إردوغان. وهذا الوضع الإقتصادي غير المؤهل لبناء دولة عظمى، لن يستطع بناء القوة العسكرية اللازمة (بأسلحتها المتنوعة وترسانتها التقليدية وغير التقليدية)، لتتمدد مثل هكذا إمبراطورية. لقد شكلت الحالة المصرية، بتراجعات الإخوان المسلمين، وكذلك المعيقات أمام الحركات الإسلامية في بلدان مثل تونس وليبيا، تراجعاً في التغني بالتجربة التركية الصاعدة في بحر من الهدوء، فعند إشتداد الريح وإرتفاع الموج، بانت التجربة التركية ووضح ضعفها. وسيبقى إردوغان يدور في حلقة مفرغة، أثناء بحثه عن الإمبراطورية التي غاصت في بطن التاريخ، وسيصاب بالدوار من حوله، وهذا سيشكل مفاجأة لا يتوقعها في الإنتخابات القادمة.

عبدالله أبو مازن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية