واشنطن ـ «القدس العربي»: قتل جنود الكيان الإسرائيلي العديد من المتظاهرين وأطلقوا النار على المحتجين، بمن فيهم أطفال تعرضوا لرصاصات من الخلف، واصيب الآلاف من المحتجين بجروح خطيرة أو برصاص مطاطي أو غاز مسيل للدموع، فماذا كانت ردة فعل الإدارة الأمريكية على هذه الجرائم؟
المجزرة الإسرائيلية المتواصلة لم تواجه بأي تنديد من المسؤولين الأمريكيين، ولم يصدر صوت من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية للاعتراض على حمام الدم على الرغم من اصدار سيل من التعليقات المتعلقة بحقوق الإنسان وحرية التعبير والاحتجاج في دول أخرى من العالم مثل فنزويلا وروسيا وفيتنام، بل برزت التعليقات وكأنها تسعى لحماية إسرائيل في لغة تقترب من تهديد الضحايا. ووفقا للعديد من المراقبين، لم يكن بإمكان إسرائيل إطلاق النار على مظاهرات غزة وقتل المحتجين، دون ضوء أخضر من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يعني انها متواطئة بشكل كامل في جرائم الحرب التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، والأسوأ من ذلك، سارع الكونغرس إلى دعم تشريعات جديدة تهدف إلى حماية الكيان الإسرائيلي المحتل من الانتقادات المتتالية ومعاقبة حركة المقاطعة، أما التوقعات بتأجيل موعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة بسبب مسيرة العودة فقد كانت غير دقيقة.
اللغة التي تحدثت بها الإدارة الأمريكية منحازة تماما لإسرائيل، بما في ذلك التصريحات الأخيرة التي أطلقها جايسون غرينبلات الممثل الأمريكي الخاص للمفاوضات الدولية قائلا ان الولايات المتحدة تحث بشدة قادة الاحتجاج على التواصل مع المحتجين لضمان السير بسلام والامتناع عن أشكال العنف والبقاء خارج المنطقة العازلة 500 متر على الأقل وعدم الاقتراب من السياج الحدودي بأي طريقة أو مكان.
إضافة إلى إدانته قادة المظاهرات في غزة، أضاف غرينبلات ان الولايات المتحدة تدين المتظاهرين الذين يدعون للعنف أو يرسلون الأطفال إلى السياج مع علمهم انهم قد يتعرضون للإصابة أو القتل، وقال ان الإدارة الأمريكية تطالب بالتركيز مجددا من قبل جميع الأطراف على إيجاد حلول للتحديات الإنسانية الرهيبة التي تواجه سكان غزة.
العلاقة «الخاصة» التي ولدت في الجحيم، على حد تعبير بعض المعلقين، بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا يمكن فهمها من باب حماية المصالح أو من أي باب آخر، وهي علاقة لا يمكن ان تبرر هستيريا إدارة ترامب في الدفاع عن جرائم كيان عنصري، وخاصة تلك الصادرة عن مبعوث خاص لمحادثات السلام مثل غرينبلات الذي وصف الاحتجاج بانه مسيرة عدوانية على الحدود بين غزة وإسرائيل وتحريض على العنف ضد إسرائيل، أو تلك التصريحات الصادرة عن نيكي هالي، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، وتهديدها المتواصل باستخدام الفيتو لمنع أي تحقيق مستقبلي في أعمال العنف ما يدل على ان فريق البيت الأبيض ما هو إلا بوق للدعاية الإسرائيلية.
وبالنسبة إلى العديد من المراقبين الأمريكيين، فقد تم الربط بين الاحتجاجات في غزة ومسيرة العودة مع الافتتاح الوشيك للسفارة الأمريكية في القدس المحتلة، وعلى حد تعبير العديد من المعلقين، هناك حالة لا تصدق من الاكتئاب بين الفلسطينيين تقترب من اليأس، بسبب قرار الولايات المتحدة نقل السفارة، الذي أثر على قدرة الفلسطينيين على التفاوض.
وسيكون قانون مكافحة مقاطعة إسرائيل الأول من نوعه على المستوى الفيدرالي، إذ يمنح الحكومة الاتحادية والإدارات الرئاسية المزيد من السلطة لملاحقة الجماعات التي تدعم القضية، وهي متنوعة منها دينية وأخرى تقدمية ومدافعة عن حقوق الإنسان حرية التعبير.
يعتقد الكثير ان القوانين والتشريعات الهادفة إلى معاقبة المتعاطفين مع القضية الفلسطينية ما هي الا تكتيكات وحيل قذرة يستخدمها قادة الحزب الجمهوري والتيار اليميني المحافظ بشكل عام بسبب امتلاك هذا الحزب تاريخا طويلا من الدفاع عن القمع السياسي ومهاجمة الحركات التقدمية، ولكن الوقائع تشير إلى ما هو أسوأ من ذلك، حيث تم تقديم المشروع في الأصل في مجلس الشيوخ من قبل بنجامين كاريدين، وهو ديمقراطي من ولاية ميرلاند، في حين يدعم المشروع بقوة زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ الديمقراطي تشاك شومر.
تغطية وسائل الإعلام الأمريكية للأحداث في غزة كانت تخلو من الغضب على ذبح المدنيين، وفي الواقع، حرصت على تصوير الكيان المحتل وكانه مهدد بالانقراض من قبل المحتجين، على الرغم من ان إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، وقد حرصت المنصات الإعلامية الأمريكية بأساليب متعددة على تجريد أهالي غزة من إنسانيتهم عبر الادعاء بانهم يتصرفون تحت اشراف حركة حماس الشريرة لحفر الخنادق وقذف الزجاجات على المدنيين الإسرائيليين التعساء.
ولدى قراءة تقارير «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال» حول أحداث غزة، نلاحظ النص نفسه يتكرر تقريبا «بدأ البعض في إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة وإحراق الإطارات ورد الإسرائيليون بالغاز المسيل للدموع وإطلاق النار». وهكذا يظهر الجندي المحتل وكأنه يدافع عن نفسه ناهيك عن وصف الشبكات التلفزيونية الأمريكية للأحداث بطريقة خبيثة، مثل القول ان هناك اشتباكات عنيفة، في لغة توحي ان الأطراف متساوية في القتال.
التحليلات الإعلامية الأمريكية سارت أيضا باتجاه خاطئ لتفسير أحداث غزة، إذ تم التركيز، بسوء نية، على التناحر بين الفصائل الفلسطينية مع إشارات تلوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس على خنق القطاع وفرض المزيد من العقوبات على حركة حماس من أجل اشعال حرب بين الحركة وإسرائيل، وهي اتهامات أطلقها وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان.
الاحتفال الإسرائيلي ـ الأمريكي المزمع إقامته في 14 ايار/مايو تزامنا مع الذكرى السبعين للنكبة سيكون موعدا لنقطة اللاعودة في الانحياز الأمريكي لإسرائيل مع افتتاح السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، وهو بالتأكيد إعلان أمريكي نهائي لا يعبأ بالاحتجاجات والمسيرات ورصاصة في قلب حل الدولتين، ووفقا للعديد من السياسيين الأمريكيين السابقين فقد كان إصرار ترامب على نقل السفارة إلى القدس المحتلة سببا لحقن القلق والاحباط والغضب والاستياء في المنطقة، أما السؤال المهم فهو ماذا تبقى على مائدة المفاوضات؟
رائد صالحة