لا يزال المجتمع العربي يعجز عن تحقيق بغيته الحضارية الأولى، وهي إعادة تأسيسه وفق أنموذج التاريخ ومستحدثاته البنيوية والمفهومية، لذلك يستمر في الاغتراب والإضراب عن التفاعل مع ذاته ومع الآخر، ملقيا بالأسئلة على نفسه وعلى الآخر، معطلا بذلك مسارات التقدم في بناه التنموية والوجودية، قابعا في مواضع متخلفة في الزمان، برغم الخصائص التي تميزه في التاريخ والجغرافيا.
لم يفجر الاستعمار في الحقل العربي المعرفي أسئلة علاقته بالآخر، فحسب، بل أكثر منها وأهم هي تلك الأسئلة التي فجرها بعلاقته مع ذاته، التي هي بوعي متكلس تاريخيا ومتقلص جغرافيا، في مبعدة مؤهلة عن قدرة الفهم والتحرك في فضاءات الزمان والمكان، وإلا ما كان لينهار في عقر مكانه وداره أمام حذاء الغزو والاستكشاف والاستنزاف الاستعماري الذي كان قد انطلق بانطلاق العقل الاستعماري، محملا بزوائد المعرفة الحداثية والقاطعة بوسائلها ومنظوماتها مع التاريخ، فاسترابة العربي منها بالمنبه الرمزي ذي الجرس المقدس الذي دق بداخله طوعا، بيد أنه استجاب لها بحاجته واحتياجه المادي كرها، لتنشأ ثنائية التردد والاندفاع التاريخية التي أخذت عناوين وأشكالا ومسميات، لا تزال تطبع الخطاب الفكري والسياسي العربي إلى غاية هاته اللحظة.
طبعا حركة الاستعمار لم تدق أدوات الوعي بالذات في الوطن العربي فحسب، بل امتد أثرها إلى غاية تشكيلها على نطاقي أو فضائي الزمان والمكان، فالقطريات المكانية احتاجت لمبرر الزمان والتاريخ، فالتشظي أخذ في نسق التأسيس القطري مستويين، عمودي تعلق بالمعنى الانفصالي عن كلية الحضور الأممي الجامع الذي جسدته خطابات التاريخ الفكرية والسياسية، بحيث صار لكل قطر معناه التاريخي النخبوي الخاص، يدرسه خارج سياقات المشروع الرسمي وبمعزل عن الكلية الأممية، بل أحيانا يصادمها أو يقطع كلية معها، وهذا كمبرر للانزياح الجغرافي الذي تأسس مع حركة الاستعمار وغرضه من الأرض التي وطأها.
وهكذا صارت الأسئلة المتعلقة بالذات تتعاظم على مستوى الاهتمام وتتعمق على مستوى البحث والتحليل، زاد من ذلك اتساع مؤسسات المعرفة وارتقاء مستويات التعليم وتبني مناهج التحليل التاريخية الغربية لإشكالات التحولات في الأنساق، في اندراج تام ضمن مركزية الغرب المعرفية، فراحت بذلك الأطاريح والأطاريح المضادة، تتوالى وتتوالد إلى أن برزت أسئلة تبعد بكثير عن الإطار الطبيعي لمكان وزمان الذات الأولى، بحيث قُرعت أجراس تاريخية أولى محدثة انقلابا في جدل الوعي وسياقاته واتساقاته الكلاسيكية، حيث لم تعد حاضنة المعنى الأولى تتسع للرمزيات المتدفقة من عملية إعادة الاكتشاف الجديد للذات بوسائل الحداثة ومناهجها القرائية للتاريخ.
لكن قبل هذا، كان لمشروع النهضة بوصفه التعبير الابتدائي عن حالة الوعي الأولى بذات وفق التشكلات العصرية الجديدة المتأتية عن حركة الاستعمار، أثر في انبثاق مشاريع لملء الفراغ الوجودي أو الوجود الفارغ بالقياس لمحمولات الذاكرة السلفية للذات، أين كانت الأمة، في أصداء الذاكرة والضمير المستفيق أو الناهض هي أعظم الأمم ومركز الحضارات، وسوق التاريخ الذي تتداعى له كل الإرادات الفاعلة في الكون، فظهرت تواليا، القومية العربية، كمرحلة تعبير عن حقيقة الاكتشاف الذاتي تلك، ميزها قدرة الخطاب على الاستقطاب في كل المستويات، ما سبب سبق الوهج التعبيري الشعبي السياسي للتأسيس الفكري المشروعاتي، فاستمر بذلك الفراغ التأطيري الذي وحده الذي كان بوسعه خلق المشروع الموضوعي الذي يرقى عن هيمنة الشعبوية، فانهار المشروع بانهيار أدوات تعبيره الدعائية بهزيمة 1967. تلاها ظهور حركة الإسلام السياسي، والمصطلح المحوري في العنوان «السياسي» هو في حد ذاته يعبر عن حالة اجتزائية من مشروع أزمة كبرى نأت القومية العربية عن حملها وحلحلتها، فالتأسيس السياسي لم تفرضه حقيقة الانكسار الموضوعي في التاريخ الذي نجم عن انهيار في بنية المشروع القومي الذي انساق خلف السياسي التحرري الشعبوي على حساب عمق التأسيس الفكري المفضي لميلاد نسق معرفي مرجعي، بل عن لحظة سقوط القومية عسكريا وسياسيا، الأمر سيان، طالما أن الحرب هي تعبير آخر عن السياسة والعكس صحيح وفق مقولة الفيلسوف الألماني كلاوز فيتز، من ثم صار الإسلام الحركي يحل محل القومية في مضاربها البنيوية والرمزية ويسكن مساكنها المجتمعية، مكتفيا بتغيير لغة الخطاب من القومي العربي إلى القومي الإسلامي، مشكلا خلف مشيه بذات الدرب لونا آخر لخطوه ليس إلا.
وربما كان هذا ما يفسر سقوط الثورات ومشاريع التغيير التي كانت تنشدها النخب السياسية والعسكرية معا، في كل مراحل ومساحات غليان سؤال الذات في الوطن العربي المترامي الأطراف والأعراف.
فهشاشة المحتوى الفكري في محمولات التغيير ومشاريعه، كما عبرت عنه التجارب الإنسانية الأخرى، حيث يستقر مفهوم الثورة، عمليا ونظريا، مجتمعيا وسياسيا في حراك الأمة ووعيها، كمثل الثورة الفرنسية أو البريطانية، وغيرها من الثورات ـ بل حتى وعي الحروب التي أخذت بعدا مؤسسا للوعي الوطني في غير ما تجربة قطرية في التاريخ والجغرافيا، هاته الهشاشة في التجربة العربية، حالت دون تمكين للرؤى من الانطراح كبدائل موضوعية، بل الأكثر من ذلك أعطت المبرر الحاسم للوصايا المجتمعية والسياسية الفوقية، التي جسدتها أداة الحسم العسكري، والمتحالفة أحيانا مع جهاز إنتاج المبرر الأيديولوجي أو الديني، من أن تظل قائمة بحماية الوجود الذاتي ولو بغير وعي داخل الحوزة القطرية، التي تولدت عن التقسيم الاستعماري.
كل تلك العثرات في مشاريع الرؤى النابعة من جهود شتى، الباحثة عن شكل جديد للذات حادت عن أبجديات التأسيس الخاص التي أنشأها الغربيون في إعادة قراءة وجودهم في التاريخ والجغرافيا، وفق وعي قومي ناهض على أفكار موضوعية راسمة أفق البداية والنهاية، ضاعفت من عسر استحضار الذات التوافقية بسبب اشتعال فوضى الأنساق، واندراجها تحت معطيات ومحميات أخرى يزخر بها الفكر الحديث المتطور وفق موحيات التجربة الغربية، التي صارت تفسر بتلك النظريات تجربتها، وتنظر بها لواقعنا ومستقبلنا معا.
كاتب جزائري
بشير عمري