«مسيرة العودة»: لحظة نوعية في مسيرة الكفاح الشعبي الفلسطيني

حجم الخط
0

عمر حلمي الغول: كان يوم الجمعة الموافق 30 آذار/مارس الماضي حدثا هاما في مسيرة النضال الوطني، لا سيما وانه تلازم مع يوم الأرض العظيم في ذكراه الـ42 الذي أضفى عليه الفلسطينيون هذا العام بريقا وطابعا خاصا، كونه يرتبط مع الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية، ومع الذكرى الخمسين للاحتلال الإسرائيلي العام 1967، ولهذا أطلقت عليه القوى السياسية «مسيرة العودة» للتأكيد على الفصل الأهم، وهو ضمان حق اللاجئين بالعودة، التي لا تقتصر على الفعاليات في يوم الأرض، انما هي مسيرة متواصلة تمتد على مساحة الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة حتى الخامس عشر من ايار/مايو المقبل وما بعد ذلك في حال تعاظم الحراك الشعبي، وهو الإتجاه الأكثر توافقا مع الواقع ومؤشراته. وقد استجابت الجماهير الفلسطينية في فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، وفي الشتات والمهاجر، وإن تميزت الحشود الكبيرة وبعشرات الآلاف على الحدود الفاصلة بين قطاع غزة ودولة الاستعمار الإسرائيلية. وهو ما يؤكد على الدور الريادي للجماهير الشعبية في محافظات الجنوب الفلسطينية في مواصلة حمل راية الوطنية الفلسطينية، وهي ذاتها من تكبد الخسائر الفادحة من الشهداء والجرحى، الذين وصل عددهم حتى الآن إلى 30 شهيدا وما يزيد على 2500 جريح ومصاب نتيجة إطلاق جنود وضباط جيش القتل الإسرائيلي الرصاص الحي والمطاطي والغاز المسيل للدموع وتحت إشراف قيادتهم العسكرية والسياسية عن سابق تصميم وإصرار على المواطنين الفلسطينيين العزل، الذين لم يحملوا أي أسلحة من أي نوع، وكل ما حملوه سواعدهم وصدروهم العارية وشعاراتهم الوطنية.
غير أن الزخم الجماهيري العظيم على جبهة الحدود الشرقية لمحافظات القطاع، لا يقلل من قيمة وأهمية المشاركة الشعبية الواسعة والشاملة لفلسطين التاريخية من الجليل الأعلى شمالا إلى النقب والمثلث ومدن الساحل، وفي عموم الضفة الفلسطينية من القدس العاصمة الأبدية إلى رام الله والبيرة ونابلس والخليل وطولكرم وقلقيلية وجنين وصولا للشتات على الحدود الفلسطينية اللبنانية وفي العاصمة السورية وفي العاصمة عمان، وغيرها من الفعاليات الوطنية في دول المهاجر.
حيث أكدت المظاهرات والاحتجاجات على وحدة الأرض والشعب والقضية والأهداف الوطنية الجامعة للكل الفلسطيني، وعلى تمسكها بثوابتها ومصالحها العليا، وتشبثها بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، ورفضها للانقلاب الأسود واصرارها على الوحدة والمصالحة الوطنية، وتمكين حكومة الوفاق من تسلم مهامها كاملة غير منقوصة، ورفضها في الوقت ذاته لخيار الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي، ولقرار الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة التطهير العرقي الإسرائيلية، ولصفقة القرن، التي اتضحت معالمها وتماهيها مع مخططات ومشاريع التصفية الكولونيالية الإسرائيلية قبل الإعلان عنها.
وباعتماد الجماهير الفلسطينية شكل النضال الشعبي السلمي في مواجهة وحشية وتغول جيش الموت الإسرائيلي المستعمر إلى جانب النضال السياسي والدبلوماسي، شاءت أن تؤكد على تماهيها مع خيار القيادة الشرعية، لتكشف للعالم زيف وتهافت وعار دولة الاحتلال الإسرائيلية، وتفضح وتعري الوجه القبيح لتلك الدولة المارقة والخارجة على القانون ومن يقف خلفها، ويقدم الدعم والإسناد لها في كل المجالات والميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية، ويغطي وجهها القبيح والمارق في المنابر الأممية كالولايات المتحدة الأمريكية وحكومة المملكة المتحدة.

إنجازات

حققت مسيرة العودة خلال الأيام العشرة الماضية مجموعة من الإنجازات الأولية، منها: أولا وحدت قوى الشعب العربي الفلسطيني في الميدان، حيث غطت المسيرات وخيام العودة العلم الفلسطيني دون سواه، وغابت رايات الفصائل والقوى كليا من المشهد الفلسطيني.
كما ان الشعارات كانت تتركز على حق العودة، والحرية والاستقلال وتقرير المصير والوحدة الوطنية، ورفض الانقلاب والانقسام، ودعم الشرعية الوطنية؛ ثانيا أكدت على رفضها لقرار الرئيس ترامب «الاعتراف بالقدس» عاصمة لإسرائيل، وكل مشاريع ومخططات تهميش أو تصفية القضية الوطنية الفلسطينية مثل الحل الإقليمي، أو خطة صفقة القرن الترامبية وكل عمليات التهويد والمصادرة والأسرلة الإسرائيلية، والتمسك بخيار السلام العادل والممكن والمقبول مبدئيا من الشعب العربي الفلسطيني وقواه ونخبه السياسية ومرجعيته الوطنية م.ت.ف؛ ثالثا إعلائها راية الكفاح الشعبي السلمي، منح مسيرة العودة الزخم والقوة في أوساط العالم أجمع، ودلل على عظمة الشعب الفلسطيني، الذي واجه بصدور أبنائه العارية همجية وعنجهية وغطرسة القوى الإسرائيلية الغاشمة، التي أماطت اللثام عن وجهها القبيح عبر إفلات العقال لجنون عنصريتها ووحشيتها وإعطاء الأوامر لجيش موتها المجرم بإطلاق الرصاص الحي على المواطنين العزل، مما أدى لسقوط 30 شهيدا وما يزيد على 2500 جريح منذ 30 آذار/مارس الماضي حتى الآن؛ رابعا بذات القدر فضحت وعرت دولة التطهير العرقي الإسرائيلية أمام العالم أجمع مع نقل شاشات الفضائيات الفلسطينية والعربية والعالمية التغول الإسرائيلي، الذي استباح دم الأطفال والنساء والشيوخ والشباب دون وازع أخلاقي أو قيمي أو قانوني أو سياسي، وأطلق الرصاص بمختلف مسمياته على المصلين، وعلى المواطنين العزل والبعيدين عن السياج الحدودي الفاصل بين محافظات الجنوب ودولة إسرائيل المارقة؛ خامسا كشف بما لا يدع مجالا للشك مجددا عن التساوق الأمريكي والبريطاني مع حكومة الائتلاف اليميني المتطرف في إسرائيل، عندما رفض مندوبا الدولتان تمرير مشروع بيان أو صدور قرار في مجلس الأمن مساء 30 آذار/مارس الماضي لإدانة جرائم الحرب الإسرائيلية بذرائع وحجج واهية، لا تمت للحقيقة بصلة، حيث ادعت نيكي هيلي، مندوبة أمريكا أن «الفلسطينيين يريدون التنغيص على اليهود بأعيادهم»، وهذا مناف للواقع والحقيقة، لإن من ينغص على الشعب الفلسطيني وعلى أتباع الديانة اليهودية، وعلى شعوب المنطقة أعيادهم وأفراحهم، هي دولة الاستعمار الإسرائيلية. ولأن الفلسطينيين ليسوا، ولم يكونوا يوما ضد أتباع الديانة اليهودية، أنما كانوا، وما زالوا ضد المشروع الكولونيالي الصهيوني، وضد الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي، ومع خيار السلام.
وبالتالي ذريعة هيلي وإدارتها، التي عمقها يوم الجمعة الموافق 6 نيسان/ابريل الحالي جيسون غرينبلات، مستشار الرئيس ترامب بدعوته الفلسطينيين للابتعاد عن الحدود، وكأنه يحاول استباق الأحداث في الجمعة الثانية من مسيرة العودة بتحميل الفلسطينيين المسؤولية عن أي جريمة ترتكبها إسرائيل، وفي الوقت ذاته «تبرأتها» أمام العالم؛ سادسا عززت الحضور الفلسطيني على الساحة الدولية، وأعادت القضية بقوة تتبوأ مكانتها الأممية، رغم مواقف إدارة ترامب وحكومة ماي المعادية للمصالح والحقوق الوطنية الفلسطينية.
وفي الوقت ذاته أكدت للقاصي والداني من عرب وعجم أن الشعب الفلسطيني، هو صاحب الكلمة الفصل في تقرير مصير السلام، ودون الإستجابة لثوابته الوطنية الممكنة والمقبولة، والمتمثلة بانسحاب إسرائيل الاستعمارية من أراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم، التي طردوا منها في عام النكبة 1948 وعام النكسة 1967 ومنح المساواة الكاملة، وتأمين العدالة الاجتماعية لأبناء الشعب في داخل الداخل، فإن من الصعب تمرير أي مخطط أو مشروع معاد، ومتناقض مع الحقوق الفلسطينية؛ سابعا أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية، وكرستها مجددا كقضية مركزية للعرب جميعا، شاء من شاء وأبى من أبى.
وبرهنت على نقطة هامة، وهي انه دون حلها (القضية) لا يمكن ان يكون هناك استقرار أو هدوء في العالم العربي والإقليم والعالم. لإن مواصلة المشروع الاستعماري الإسرائيلي، يعني مضي دولة الإرهاب الإسرائيلية المنظم قدما في إنتاج وإعادة إنتاج الإرهاب والجريمة المنظمة والحروب في الإقليم والعالم.

آفاق

رغم وجود ثغرات وأخطاء وهنات هنا وهناك في مسيرة العودة (ليس المكان هناك لإثارتها)، فإن القراءة الموضوعية العلمية تشير إلى ان المسيرة تتجه صعودا نحو بلوغ منعطف انتفاضة شعبية ثالثة، ومن العوامل الداعمة لاستشراف آفاق الحراك الشعبي المتعاظم: أولا الزخم الجماهيري الكبير، وإن وجد تباين بين زخم الجماهير في محافظات الجنوب والشمال لصالح الأولى، إلا ان ذلك لا يعتبر حائلا أمام اتساع دائرة المشاركة الشعبية في كل تجمعات الشعب الفلسطيني داخل وخارج الوطن.
ولعل التجربة الكفاحية الوطنية الطويلة، تمنح المرء التسلح بها، كون جدلية العلاقة بين مكونات التجمعات الفلسطينية تؤثر تأثيرا إيجابيا في بعضها البعض، وهو ما يعني أن الزخم يتسع ويتعاظم، وليس العكس؛ ثانيا مسيرة العودة، كما أشرنا من البداية ليست فعالية ليوم واحد، انما هي سلسلة متواصلة من الأنشطة والفعاليات حتى أواسط أيار/مايو المقبل، وهو ما يمنح القيادة السياسية والقيادات الميدانية تصويب وتطوير مسار الكفاح الشعبي الفلسطيني للانتقال النوعي لمرحلة الانتفاضة؛ ثالثا الوحشية والتغول الاستعماري الإسرائيلي، واستمراء إسرائيل المارقة خيار الاستعمار الاستيطاني يملي بالضرورة على الفلسطينيين تصعيد أوجه النضال الوطني؛ رابعا ازدياد وارتفاع وتيرة مشاريع التهميش أو التصفية للقضية الفلسطينية من قبل إدارة ترامب وحلفائها الإسرائيليين وبعض العرب يعظم من عملية الدفاع عن المصالح الوطنية العليا؛ خامسا غياب الأمل بالحل السياسي، واتساع جرائم وانتهاكات قطعان المستعمرين وحكومة الائتلاف الأكثر يمينية، مع مواصلة الحصار الظالم لمحافظات قطاع غزة يولد ميكانيزمات السلوك الانتفاضوي؛ سابعا تهتك الحالة العربية الرسمية، وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية (وإن تمكنت مسيرة العودة من إعادة الاعتبار لها كقضية مركزية) وغرق الدول العربية في مشاكلها وهمومها العربية، ليس هذا فحسب، بل وتساوق بعضها مع إدارة ترامب في تسويق الحل الإقليمي وخطة صفقة القرن.
وفي الوقت ذاته، تسريع خطى التطبيع مع دولة التطهير العرقي الإسرائيلية من فوق وتحت الطاولة يزيد من تأجيج المشاعر الوطنية؛ ثامنا تقليص الدعم والحرب الأمريكية ومن لف لفها على الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية، وأيضا على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين يساعد على زيادة السخط والغليان في الشارع الوطني، وبلغ درجة نوعية من الرفض للواقع القائم، والرغبة بإحداث تغيير، وهو ما يعني حدوث التحول الكيفي في المزاج الشعبي الوطني؛ تاسعا ارتفاع أعداد الشهداء والجرحى يولد المزيد من الرفض لخيار مواصلة الحياة بالطريقة السائدة حاليا، أي طريق اللاسلم واللاحرب، مع مزيد من القهر والانتهاكات وغياب الحد الأدنى لمظاهر الحياة الآدمية، ونموذج قطاع غزة خير دليل على ذلك، يدفع المواطنين دفعا إلى جبهات المواجهة والتصعيد مع دولة الاستعمار الإسرائيلية؛ عاشراً رفض الشارع الفلسطيني الانقلاب الأسود وخيار الانقسام، وتمسكه بوحدته وأهدافه الوطنية، ومصالحه العليا، يعمق عملية التصعيد وتطوير أشكال الكفاح لبلوغ المشهد الانتفاضوي.
هذه العوامل وغيرها تشير بشكل واضح، ودون مغالاة أو تطير أو استخفاف، إلى ان الشعب العربي الفلسطيني يسير بخطى حثيثة نحو الانتفاضة الشعبية الثالثة. لا سيما وان الشارع الوطني لم يعد يحتمل الواقع القائم، واقع الإرهاب والجريمة الإسرائيلية المنظمة، ومواصلة بناء «دولة إسرائيل الكاملة» على كل فلسطين التاريخية، وتقزيم المشروع الوطني إلى الحد الأقصى، وحتى الذهاب إن أمكن لأبعد من ذلك، أي اللجوء لخيار الترانسفير والتصفية للقضية، مما يعني بشكل واضح بلوغ مرحلة السخط والغليان الشعبي لحظة انعطافية نوعية في مسيرة الكفاح الوطني للرد على كل حال التهتك والتشظي والتهافت السياسي والاقتصادي والثقافي على المستويات الوطنية والقومية والعالمية، ولإعادة الإعتبار للقضية والمصالح الوطنية العليا، والرد على إسرائيل المارقة وأمريكا المتوحشة وكل من يدور في فلكهم.

«مسيرة العودة»: لحظة نوعية في مسيرة الكفاح الشعبي الفلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية