كيف للغتنا أنْ تكونَ كما هي؟

حجم الخط
7

عاشت اللّغة العربيّة عصورًا زاهيةً كانت خلالها ذاتَ مكانةٍ مرموقةٍ، فسمع بها القاصي والدّاني، واشرأبت لها أعناقُ الأدباء الذين لا ينطقونها… وطبيعيٌّ أن يكونَ مثلُ هذا الأمر، فكلّ مَن سمِع عن جمالها أحبّها وأحبّ أن ينطقَ بها ويتقنها؛ ليفهمّ أدبها وما صاغته قرائحُ مبدعيها.
وبقيت اللّغة العربيّة محافظةً على فنّها العالي وارتقائها المستمر بين لغات العالم، وما كان لها أن تكون هكذا لولا خدّامها من أبنائها الذين نذروا أنفسهم لرفعتها والحفاظ عليها، فكانت لهم أمّا رؤوماً يأوون إلى حضنها أنى شاءوا من الأوقات، وحرصوا على وجودها فأعزّتهم بقوتها.
وكان الأدباء خيرَ مُعين للغتهم؛ ما جعلهم يكتبون ممّا تفيض به نفوسهم وتلهج به ألسنتهم، معتمدين على جمال هذه اللّغة وأساليبها الفنّيّة، وما تقدّمه للمبدعين من أبنائها، فمن تملّك زمامها ارتقى اسمه في عالم الأدباء، وعلا فنّه فشارف العَلياء.
وشهد التاريخ ازدهار اللّغة العربيّة وقوّتها، ولو لم تكن ذاتَ قوّة وبيان لما نزل بها القرآن الكريم، وهو كلام الله. وكان الزّمان سجّلاً حافلاً بأوجها، مليئًا بما قدّمه فيها أدباؤها. فحرص الأدباء شعراء كانوا أم كتابًا على أنْ يبرعوا في أعمالهم الأدبيّة ويجوّدوها لتخرجَ بأحسن صورة؛ ليقينهم أنّ لغتهم لغةٌ ساميةٌ فيها من الجمال ما يعبّر عمّا تفيض به قرائحهم، وما يدور في أذهانهم من أشكال التعبير الفنّي الأدبي، ولم يغفل الخلفاء لغتهم، فكان بعضهم ـ لا سيّما الخلفاء العباسيون. حريصين على ازدهار اللّغة العربيّة، فشجعوا على الكتابة والترجمة… وكلّ ما من شأنه أنْ يسهم في إكساب اللّغة قيمةً جديدةً.
ما أردتُ نقل التاريخ في سطوري هذه، فالسنون عنوانٌ للغة العربيّة، وآداب العرب خيرُ دليل على ذلك، وهي في مستواها بين اللغات تناطح السّحاب، فالشعر الجاهليّ، والآداب التي خلّفتها لغتنا في العصور اللاحقة نهر تعددت روافده، وبيتٌ شُرّعت أبوابه ونوافذه.
واستطاعت اللّغة العربيّة أن ترقى وتسموَ في بيئاتٍ وأماكنَ غير بيئة العرب، فحملها المختصون، وتابعها المهتمون، وعُني بها الخائفون فازدهرت في بلاد الأندلس، فأسسوا لها بنيانًا من العلم، فكانت تحفةً في بلاد غير عربيّةٍ استمرت لقرونٍ طويلة، مخلّفة تراثًا هائلاً تبهجُ النّفسَ قراءتُه، وتريح الخاطر فائدتُه، فكان منها الشعر وكان منها النّثرُ، وبهذين الأدبين عبّر مبدعو اللغة عمّا في نفوسهم، ورسم فنانوها صورًا بهيّة لمجتمعاتهم، ورصد مؤرخوها تاريخًا جميلاً للعرب في بلاد العجم، فاكتنزت المكتبات بتراث جمٍ نُقشت حروفه بهجائيتها الفريدة.
واليومَ، انبرى الكثير من ذوي الغيرة على لغتهم يكتبون فيها ممّا تفيض به نفوسهم، ويبدعون بها، فهي مصدر الإبداع، وملهم الأسماع، ومع كلّ ذلك فإنّها باتت تتثاءب؛ لكثرة المتفصّحين الذين يدّعون امتلاكهم أدواتها، سواء أكانوا أدباء أم إعلاميين أم أي فئة أخرى غير هاتين الفئتين المهمتين، فبعض متمرسي الأدب ما كان لهم أنْ يبدأوا في الفنّ دون أن يفهموا اللّغة العربيّة، فهي التي تُقوّم أعمالهم، وتصقل مواهبهم. وثمة إعلاميون يكتبون وينقلون أخبارًا دون أيّ عناية في لُغة نصوصهم، وقد اكتفوا في الخبر وحسب، وما دروا أنّ سلامة لغة النّص دليل نجاح نجاحهم.
فيا حبّذا، أن نجيد فنّ اللّغة، وأن نمكّن أنفسنا حينما نستخدمها، لاسيّما في الكتابات الأدبيّة والرسمية. ويبقى عزاء اللّغة العربيّة في وجود ثمارٍ ناضجة على أغصانها المتفرّقة، وإن كانت تخفيها بعض الأوراق بين الحين والآخر، لكنّ إصرار هذه الثمار وعلو همتها يكشفها للناظرين إليها بعين المحبّة والإعجاب.
وحريّ بنا نحنُ أبناءَ اللّغة العربيّة أنْ نُعيد لها مجدَها الذي كان؛ لنسهم في رفع قيمتها بين لغات العالم والارتقاء بها إلى ما كانت عليه في عصورها الذّهبيّة، وأقصد في هذا المقام المتخصّصين والأدباء والإعلاميين والمسؤولين عن برامج تطوير اللغة العربيّة.
أستاذ مساعد في الأدب القديم ونقده

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية